قضايا وتحليلات - قضايا وتفاعلات عربية وإقليمية 2021-10-21

بدأت فى جنيف، فى 18 أكتوبر الجارى (2021)، فعاليات الجولة السادسة من جولات اللجنة الدستورية السورية المنوطة بوضع خريطة طريق لتحديد طبيعة وماهية الإطار الدستورى للدولة السورية المزمع التوصل إليه بين العناصر الثلاثة المكونة للجنة الدستورية: الحكومة السورية، وهيئة التفاوض المُعارِضة، وتنظيمات المجتمع المدنى؛ فلا تزال اللجنة الدستورية بمكوناتها، وبعد خمسة جولات سابقة، غير قادرة على تحديد طبيعة هذا الإطار؛ هل هو مجرد مسار دستورى يتضمن إجراء "تعديلات دستورية" على الدستور الموجود فقط، أم هو مسار دستورى أوسع وأشمل يتضمن "صياغة دستور جديد"؟، لاسيما وأن اللجنة الدستورية السورية تشكلت بناءً على البند الرابع من قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، والذى ينص على أن "العملية السياسية التى تيسرها الأمم المتحدة تحدد جدولاً زمنياً لصياغة دستور جديد".

فى هذا الإطار، تطرح الدعوة إلى جولة سادسة للجنة الدستورية السورية تساؤلات عدة بشأن المستجدات الدافعة لذلك فى ضوء إخفاقات الجولات الخمسة السابقة من ناحية، وفى ضوء مجمل تطورات الملف السورى مؤخراً من ناحية ثانية.

حلحلة نوعية للمسار الدستورى

جدير بالذكر هنا أن المبعوث الأممى للملف جير بيدرسون وخلال إفادته فى مجلس الأمن فى 28 سبتمبر 2021، بشأن مسار اللجنة الدستورية السورية، ركز على ضرورة أن يكون هناك مسار مختلف فى التعاطى مع عمل اللجنة الدستورية، ومع تطورات الأزمة السورية التى باتت فى حاجة شديدة إلى "عملية سياسية أوسع" على حد تعبيره، موضحاً أن تهيئة الظروف الدولية من شأنه دفع مسار العملية السياسية السورية، لاسيما فيما يتعلق بالمسار الدستورى تحديداً، وهو المسار الذى تغيب عنه الإرادة السياسية لدى طرفى العملية السياسية الدستورية؛ النظام وهيئة التفاوض المعارضة، الأمر الذى أدى بالتبعية إلى عدم قدرة الطرفين على تقديم تنازلات وازنة يعتد بها تدفع نحو حلحلة مسار التسويات السياسية للأمام.  

فى سياق هذا الطرح الذى قدمه بيدرسون لمجلس الأمن تمت دعوة أعضاء اللجنة الدستورية – 150 عضواً يصنفون إلى ثلاثة مكونات الحكومة والمعارضة والمجتمع المدنى، وتنبثق منها لجنة مصغرة من 45 عضواً - لعقد جولة سادسة من المباحثات بشأن عملية دستورية جديدة فى سوريا. وتزامن طرح بيدرسون مع ضغوط ملموسة مارستها روسيا على ممثل وفد الحكومة السورية فى اللجنة الدستورية أحمد الكزبرى، بضرورة قبول مسار بيدرسون الداعى إلى "مناقشة المبادئ الدستورية"، استناداً إلى "اتفاق معايير وآليات عمل اللجنة الدستورية" المتفق عليه فى أكتوبر 2019، بديلاً عن مسار "المحددات الوطنية" الذى أصر وفد الحكومة داخل اللجنة على مناقشته على مدار الجلسات الخمسة السابقة، ويشمل ذلك المسار رفض فكرة المضى قدماً فى صياغة جديدة للدستور إلا بعد الاتفاق على ثلاثة محددات: إنهاء التواجد الأمريكى والتركى العسكرى على الأراضى السورية، والحصول على ضمانات دولية بالحفاظ على وحدة الأراضى السورية وسيادة الدولة عليها، والاعتراف الدولى بأن المعارضة كتلة واحدة (مسلحة ومعتدلة) يجب تصنيفها إرهابياً. وكان هذا المسار الخاص بوفد الحكومة السورية داخل اللجنة سبباً فى إعاقة عملها على مدار الجولات الخمسة السابقة.

ويبدو أن الضغوط الروسية على الحكومة السورية بشأن المسار الدستورى خلال عام 2021 الجارى قد نجحت فى تغيير موقف الحكومة من هذا المسار، حيث نجح بيدرسون فى الحصول على اتفاق خطى من رئيسى وفدى اللجنة الدستورية: أحمد الكزبرى ممثلاً لوفد الحكومة، وهادى البحرة ممثلاً لوفد المعارضة (هيئة التفاوض السورية) يتعهدان فيه بمناقشة "المبادئ الدستورية" قبل "صياغة دستور" جديد، وبذلك تكون اللجنة قد جمعت بين المسارين المختلف بشأنهما فيما يتعلق بطبيعة عمل اللجنة، ويكون بيدرسون قد نجح فى إحداث خرق لحالة الجمود التى ظل عليها المسار الدستورى السورى، وذلك عبر دفع طرفى اللجنة الدستورية للإقرار بـآلية "منهجية العمل" داخل اللجنة، وعلى أساس هذا الإقرار تمت الدعوة إلى جلسة مباحثات سادسة، وتتضمن هذه الآلية عدة نقاط:

الأولى، تقديم اقتراحات خطية من قبل وفد الحكومة ووفد هيئة التفاوض لنصوص مقترحة لمبادئ دستورية يتم تضمينها فى مشروع الدستور. الثانية، مناقشة تلك المبادئ على مدار أيام عمل اللجنة (5 أيام بدأت فى 18 أكتوبر الجارى). الثالثة، الانتقال السلس من مناقشة مبدأ دستورى إلى غيره من المبادئ حتى وإن لم يتم "الاتفاق" أو "التوافق" على أحد المبادئ التى يتم مناقشتها. الرابعة، اعتماد آلية "دورية الاجتماعات الثلاثية" على مدار الأيام الخمسة لعمل اللجنة الدستورية خلال الفترة من (18 – 22 أكتوبر 2021) بين بيدرسون من جهة وكل من رئيس الوفد الحكومى الكزبرى ورئيس وفد هيئة التفاوض البحرة من جهة ثانية، وذلك بهدف جسر الاختلاف فى وجهات النظر بشأن سير عمل اللجنة أول بأول، ويعد هذا تطور نوعى لأنها ستكون المرة الأولى التى سيتم فيها عقد لقاء مباشر بين رئيس وفد الحكومة ورئيس وفد المعارضة. الخامسة، الاتفاق على دورية موعد انعقاد الجولات المقبلة للجنة، ومناقشة خطة العمل الخاصة بها حتى نهاية العام الجارى (2021).

أسباب فشل الجولات السابقة

دفع المبعوث الدولى المعنى بالأزمة السورية جير بيدرسون فى اتجاه حلحلة المسار الدستوى نحو مزيد من الفاعلية، كان هدفه الرئيسى تجاوز مسببات الفشل التى منيت بها الجولات الخمسة السابقة من جولات اللجنة الدستورية السورية، والتى يمكن إجمالها فى عدة نقاط:

أولها، استمرار غياب توافق دولى إقليمى حول عملية سياسية شاملة لتسوية الأزمة السورية؛ فغياب المسار السياسى ينعكس سلباً بالتبعية على المسار الدستورى، فلا فائدة هنا من تفكيك مسار التسوية إلى مسارات فرعية نوعية كالمسار الدستورى مثلاً، طالما ظل المسار السياسى على حالة الجمود التى باتت مرضية - حتى الآن - للقوى الدولية والإقليمية المنخرطة فى الأزمة، والتى شكلت - وبعد عشرة سنوات من الصراع السورى المسلح على الأرض- خريطة جديدة تقوم على "توازنات المصالح"، وهى الخريطة التى أبقت الأزمة السورية على حالة "ثبات نوعية" حتى الوقت الراهن.

ثانيها، تراجع فعالية "صيغة الآستانة" الثلاثية (روسيا وتركيا وإيران) باعتبارها الآلية التى دعمت فى مرحلة ما من عملها المسار الدستورى، ليس باعتباره مساراً منبثقاً عن قرار دولى (القرار 2254 )؛ بقدر اعتباره الواجهة التى تعطى شرعية أممية للوجود العسكرى لتلك الدول على الأرض السورية. ويعود تراجع فعالية صيغة الآستانة إلى حالة الإنجاز على الأرض؛ بمعنى أكثر وضوحاَ أن صيغة الآستانة حققت مرادها الأساسى فى "تخفيض التصعيد" على أرض الصراع بين النظام والمعارضة، الأمر الذى فتح المجال لإنجاح الاستراتيجية الروسية فى تحقيق "تسويات المناطق" بين قوات النظام وبين فصائل المعارضة المسلحة، وبالتالى لم تعد روسيا فى حاجة ضاغطة إلى تفعيل هذه الصيغة مجدداً لأنها استبدلتها بصيغة "التسويات المناطقية". لكن ومع استمرار تعثر عمل اللجنة الدستورية عادت الدول الضامنة لصيغة الآستانة إلى الاجتماع مجدداً (الجولة 15) فى فبراير 2021، فى محاولة منها لإعادة ضبط مفاعيل العملية السياسية الخاصة بالأزمة السورية بين الأطراف الثلاثة؛ خاصة العلاقة بين روسيا وتركيا، والتى تشهد خلافاً حاداً حول الوضع فى إدلب فى ضوء رفض تركيا التخلى عن بعض النقاط الأمنية فى ريف إدلب الجنوبى لصالح الشرطة الروسية وقوات النظام السورى، ورفضها كذلك رفع غطاء دعمها للمعارضة السورية المسلحة المتمركزة فيها.

ثالثها، عدم وجود سقف زمنى محدد لعمل اللجنة الدستورية تنتهى فيه من مهامها فى صياغة الدستور الجديد، ما أدى إلى مماطلة النظام تحديداً فى مناقشة المسائل الدستورية الجوهرية والانتقال إلى مراحل جديدة فى المباحثات الدستورية. وعلى الجانب المقابل، نجد الأداء الضعيف لوفد هيئة التفاوض المعارضة، وخلافاتها البينية على تركيبة وفدها، إلى جانب انخفاض سقف خطابها السياسى فى مواجهة براعة الخطاب السياسى لوفد الحكومة.

رابعها، استمرار الاختلاف فى الرؤى بشأن أهمية اللجنة الدستورية بين روسيا وحليفها النظام السورى؛ فبينما تصر روسيا على إبقاء عمل اللجنة الدستورية كمسار سياسى، باعتباره مترجماً لمدى نجاح روسيا فى التحكم بكافة المسارات السياسية للأزمة السورية - لاسيما وأنه فى الأساس مقترح روسى أبصر النور فى يناير 2018 انبثاقاً من مؤتمر سوتشى للحوار الوطنى السورى- نجد النظام السورى يرفض من الأساس فكرة عمل اللجنة الدستورية، ويرغب فى إنهاء مسارها؛ لتخوفه من أن تقبل روسيا - وفقاً لمصالحها فى المنطقة وفى مناطق أخرى -  تسوية سياسية للأزمة السورية تتطلب أو تفترض حتمية إجراء "تغيير دستورى" يستهدف تغير بنية النظام السياسى القائم. هذه المخاوف تعيها روسيا جيداً، مما حدا بها إلى إرسال رسائل تطمينية للحليف السورى مؤداها أن مساراً دستورياً جديداً لا يعنى تخلى روسيا عن الأسد، ولذلك نجد روسيا تتغاضى عن قيام نظام الأسد بإجراء الانتخابات الرئاسية، واعتبرتها نوعاً من تحصين نظام الأسد لنفسه، وقفزاً على مخاوفه ضد أية تغييرات دستورية محتملة تأتى بها اللجنة الدستورية خلال السنوات السبع المقبلة.  

احتمالات النجاح والفشل

فى ظل هذه المقدمات، تتباين بشدة التوقعات المحتملة بشأن قدرة الجولة السادسة من أعمال اللجنة الدستورية السورية على إحداث خرق جديد يدفع المسار السياسى للأزمة نحو التفعيل؛ وهذا يعنى أن ثمة احتمالات للنجاح وأخرى للفشل قد تحملها الجولة السادسة من مباحثات اللجنة الدستورية؛ حيث تأتى احتمالات النجاح من معطيات عدة منها:  

- أن عودة اللجنة الدستورية للانعقاد، فى حد ذاته، يعد ترجمة لنوع من التفاهم بين القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة السورية بشأن ضرورة إخراج المسار السياسى من حالة الجمود التى ظل عليها طوال العامين الماضيين.

- أن المبعوث الأممى بيدرسون دفع إلى العمل بـآلية منهجية جديدة تم التوافق عليها مسبقاً بينه وبين رئيسى الوفدين الحكومى والمعارض، والتى سبقت الإشارة إلى خطواتها، وهذا يؤشر إلى احتمالية النجاح فى التوصل إلى مخرجات نوعية لعمل اللجنة فى جولتها السادسة قد تكون مختلفة عن الجولات السابقة.

- المستجدات فى تفاعلات القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة ومنها: التسوية الروسية بالتفاهم مع الولايات المتحدة فى الجنوب السورى، وتحديداً درعا وتم بمقتضاها إعادة المدينة إلى مناطق وقف التصعيد بين النظام والمعارضة، ولم يبق سوى إدلب فى الشمال الغربى، والتى تعد المحطة الأخيرة للمعارضة المسلحة، وتخضع التسويات بشأنها لمسار التباين والتفاهم بين روسيا وتركيا. يضاف إلى ذلك التقارب العربى المتتالى مع النظام السورى لاسيما مع الأردن ومصر والعراق ومحاولات الدفع نحو التقارب مع السعودية والإمارات. فضلاً عن إبداء تركيا رغبة واضحة فى التقارب مع النظام السورى عبر لقاءات مباشرة بين مسئولى جهاز الاستخبارات فى البلدين عبر الوسيط العراقى. كل هذه المستجدات قد تدفع نحو تحريك المسار السياسى متمثلاً فى المسار الدستورى عبر عمل اللجنة الدستورية.   

المعطيات السابق رصدها بشأن احتمالات نجاح الجولة السادسة من مباحثات اللجنة الدستورية السورية، توازيها احتمالات مماثلة بعدم فعالية الجولة نفسها فى الوصول إلى نتائج إيجابية على صعيد التعديلات الدستورية المراد تحقيقها ومنها:

- رغم نجاح جير بيدرسون فى اعتماد آلية "منهجية العمل" فى الجولة السادسة التى نحن بصددها، إلا أن غياب الضمانات الدولية سواء من المنظمة الأممية، أو من القوى الدولية المعنية بالأزمة السورية من شأنه أن يحجم من إمكانية توصل اللجنة لمخرجات إيجابية فى جولتها السادسة، وذلك على الرغم من توافر المرجعية الأممية بشأن "وضع دستور جديد"، كأحد مراحل الانتقال السياسى فى سوريا؛ وهو قرار مجلس الأمن رقم 2254.

- استمرار النظام السورى فى ممارسة السلوكيات نفسها بشأن المماطلة فى مناقشة المبادئ الدستورية عبر الجولات الخمسة السابقة من مفاوضات اللجنة الدستورية، مع عدم وجود ضامن دولى يضمن قيام النظام بتغيير سلوكه فى الجولة السادسة، والتوقف عن سياسات التعطيل المتعمدة لأعمال اللجنة، باستثناء الاتفاق المسبق مع المبعوث الأممى على آلية "منهجية العمل" فقط.

- استمرار الغموض فى موقف الولايات المتحدة فى ظل إدارة بايدن تجاه الوضع فى سوريا، بشأن استكمال الانسحاب العسكرى من الشمال الشرقى السورى، والذى بدأ خطواته الرئيس السابق دونالد ترامب فى أكتوبر عام 2019، بالرغم من تراجعه عن استكمال الانسحاب تحت الضغوط الدولية وإبقاؤه على قوة أمريكية رمزية فى عدة قواعد عسكرية فى المنطقة ما بين محافظة دير الزور والحسكة، إلى جانب تراجع أولوية الملف السورى لدى الإدارة نفسها لصالح إنجاز الملف النووى الإيرانى. هذا الغموض من شأنه إرباك حسابات القوى الدولية والإقليمية الأخرى الأطراف فى معادلة الصراع السورى، ما يخلق حالة استعصاء يصعب معها التوصل لأطر مناسبة لعملية سياسية شاملة، بما فيها الإصلاح الدستورى كمرحلة أولى.      

فى النهاية، يمكن القول إن تحريك المسار السياسى السورى عبر المسار الدستورى، بعودة اللجنة الدستورية لعقد جولتها السادسة لصياغة دستور جديد، من شأنه أن يعيد ملف الأزمة السورية إلى واجهة الأحداث الدولية مجدداً، لكنه فى الوقت نفسه لن يكون قادراً بمفرده على فرض تسوية سياسية؛ نتيجة لما يعترض المسار الدستورى من عوائق وإشكاليات، ونتيجة لغياب إرادة سياسية بين طرفى الصراع الداخلى تدفعهما نحو تقديم تنازلات ضرورية تبنى عليها معادلة تسوية ناجزة، هذا بخلاف استمرار غياب التوافق الدولى والإقليمى حول مسار الحل السياسى المأمول فى سوريا. 

صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية