قبل نحو عشرين عامًا من الآن ضربت طائرتان برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وضربت طائرة أخرى الواجهة الغربية لمبنى وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن، فيما سقطت طائرة رابعة قبل أن تصل إلى هدفها، وهو الحدث الذي حوّل بشكل كبير مسار السياسة الخارجية الأمريكية، وألقى بظلاله على العالم في مطلع قرن جديد كان يبدو قبل الولوج فيه غير ما أصبح في عقده الأول، من حيث الاهتمامات والأولويات وأمور كثيرة.

وقد كان السؤال الأهم في الولايات المتحدة الأمريكية وفي العالم عقب أحداث 9/11 هو "ماذا حدث؟"، وهو السؤال الذي لا تزال العديد من الأبعاد غائبة عن إجاباته التي طُرحت حتى الآن. إلا أن ثمة إجابة أولية رسمية قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو 2004 في "تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة"، المعروفة اختصارًا بـ "لجنة 11 سبتمبر"، وهو التقرير الذي قام مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بترجمته وتقديمه إلى الدوائر العربية في مايو 2006، كجزء من اهتمام المركز في ذلك الوقت تحت إشراف الدكتور عبد المنعم سعيد، بمحاولة فهم لغز أحداث سبتمبر 2001 ونقل الجدال الدائر بشأنها داخل الولايات المتحدة إلى القارئ المصري والعربي، وهو عمل ساهم فيه عدد كبير من المترجمين وقام الدكتور حسن أبو طالب بتحريره وكتابة مقدمة تحليلية هامة في بدايته. وقد تولّدت من هذا السؤال أسئلة فرعية عديدة حول الفاعل والأسباب والتأثيرات وكيفية تجنب تكراره وغيرها من التساؤلات.

وتطرح التطورات الإقليمية والعالمية بعد 20 عامًا من الهجمات، والحرب الأمريكية على الإرهاب التي تلتها، والانسحاب الأمريكي من أفغانستان وإعلان تكراره في العراق بنهاية العام، أهمية العودة إلى ذلك التقرير، الذي تضمن بجانب عرضه لما جرى، توصيات أخذت القيادة الأمريكية ببعضها في سنوات ما بعد 9/11.

منهجية مركز الأهرام في ترجمة التقرير

حين قرر مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ترجمة فصول تقرير لجنة الكونجرس الأمريكي وهوامشها، والتعليق عليها علميًا ومنهجيًا، فإنه لم يتبنى الرواية الأمريكية، بل قصد إتاحة خدمة الاطلاع عليها للقارئ العربي. وقد كان المركز مدفوعًا في ذلك بأربعة اعتبارات أشار إليها محرر الكتاب في مقدمته، وهي : البحث عن حقيقة ما جرى، وكيف أدركته المؤسسات الأمريكية ثم وظفته بعد ذلك داخليًا وخارجيًا، والتعرف على الفهم الأمريكي لدلالات ودروس الحدث، واستكشاف المستقبل. كما أن الهجمات بوصفها "أزمة عاصفة تعرضت لها دولة عظمى" كانت فرصة مهمة كـ "دراسة حالة" لتعاطي مثل تلك الدول مع مثل تلك الأزمات. فضلًا عن أهمية أن تتعرف الدوائر العربية والإسلامية على الرؤية الأمريكية التي تدور حولها أو تستهدفها بشكل أساسي، كضرورة سياسية وأكاديمية للتعاطي مع تلك الرؤية، خاصة أنها كانت رؤية أمريكية قومية أبعد مما تكون مجرد رؤية حزبية.

مضمون التقرير

ضم التقرير 13 فصلًا، وبدأ بفصل غلبت عليه صياغات مفعمة بالمشاعر والآلام بهدف إصابة القارئ بهزة نفسية كبيرة تماثل الهزة النفسية الجماعية التي عاشتها الولايات المتحدة الأمريكية وقت وقوع الهجمات، محاولًا رسم صورة تفصيلية لعملية خطف الطائرات، والطرق التي تم التعامل بها مع العملية. إذ يشير التقرير إلى قصور تعامل وتصورات إدارتي الطيران الفيدرالية وقيادة الدفاع عن المجال الجوي في الشمال والشمال الشرقي الأمريكي، وغياب الاستعدادات لمثل تلك الحوادث، فضلًا عن سوء الاتصالات بين الإدارات والوكالات المختلفة بل وبين الرئيس ومساعديه، بما أدى إلى حالة من الارتجال في الدفاع عن البلاد.

ويقدم الفصل الثاني من التقرير رؤية أمريكية لمسألة "تأسيس الإرهاب الجديد"، حيث يقدم تعريفاً موجزاً للدين الإسلامي، ويعرض لأفكار بن لادن عن "قتل الكفار" باعتبارها متناقضة مع التيار الغالب للمسلمين السنة الذين يميلون إلى التسامح، بينما تعود أفكار بن لادن "الجهادية" إلى سيد قطب الذي قسم المسلمين إلى عالمين أولهما إسلامي يواجه العالم الثاني الجاهلي المبتعد عن صحيح الدين. وحاول هذا الجزء تقديم إجابة على السؤال الذي شغل الأمريكيين حينها وهو: "لماذا يكرهوننا؟". لكنها كانت إجابة سطحية وقفت عند تحميل بن لادن المسئولية دون الغوص في أسباب غضب العالمين العربي والإسلامي من السياسات الأمريكية ودعم الممارسات الإسرائيلية، ودون تحليل العوامل التي ساعدت على انخراط بعض الشباب في تنظيمات التطرف العنيف، حيث أرجع التقرير أسباب انتشار أفكار بن لادن المتطرفة إلى السياق السياسي في المنطقة فقط، وإفلاس النظم السياسية، وحالة التراجع والإحباط، وكذلك تعثر تجارب التنمية، وشيوع الاضطرابات الاجتماعية. بالإضافة إلى سبب آخر التفت إليه التقرير في الفصل الثالث يتعلق بدور بن لادن في الانتصار على الحكومة الشيوعية في أفغانستان ثم استهداف الأمريكيين ونجاحه في بناء تنظيم القاعدة كمركز للجهاد الدولي، أو ما يمكن تسميته بـ "جاذبية النموذج". كما تتبع تطور عمليات الاستجابة التنظيمية والفكرية والقانونية لظاهرة الإرهاب الجديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مبينًا تكيف بعض الجهات الحكومية الأمريكية مع تلك التحولات، وأسباب فشل جهات أخرى في ذلك.

ويكشف التقرير عن قصور عملية التبادل المعلوماتي بين المؤسسات الأمريكية التي امتلكت العديد من المعلومات المهمة المتناثرة، والتي كان من الممكن أن يوفر تبادلها في الوقت المناسب تحليلات كلية تساعد على منع الهجمات. كما كان التقدير الذي خرجت به المؤسسات الأمريكية من محاكمة منفذي هجوم مبنى التجارة العالمي عام 1993 خادعًا في تصور مستوى خطورة الإرهاب الجديد، ومستوى مؤسسات مكافحة الإرهاب، وأنتج قناعة بعدم الحاجة إلى تعديلات مؤسساتية وقانونية كبيرة.

فيما استعرض الفصل الرابع ردود الفعل الأمريكية على التهديدات الأولية للقاعدة، ومحاولات تفكيك تنظيم القاعدة وفصم علاقته مع حركة طالبان، ومحاولات اعتقال أو قتل بن لادن، مشيرّا إلى بداية تلك الخطط من قبل تفجيرات نيروبي ودار السلام 1998، حيث تشكلت داخل المخابرات المركزية الأمريكية عام 1996 ما عُرفت بـ "وحدة بن لادن". إلا أن تدني نسب نجاح عمليات الاعتقال "النظيفة"، وغياب المعلومات الوثيقة، ورفض الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون للعمل العسكري أو اغتيال بن لادن، دفع إلى عدم إقرار تلك الخطط، واللجوء إلى التعاون الاستخباراتي مع التحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود، والضغط على بعض الدول للتعاون مع واشنطن في مواجهة تنظيم القاعدة ولإقناع حركة طالبان بطرد بن لادن خارج أفغانستان أو تسليمه.

وتضمن الفصل الخامس السيرة الذاتية للعناصر البارزة التي شاركت في إعداد وتسهيل وتمويل وتنفيذ هجمات 11 سبتمبر، وخاصًة "خلية هامبورج"، وشرح دور إجراءات السفر في تحديد العديد من تفاصيل العملية. وتناول التقرير تمويل الهجمات موضحًا تراوح تكلفتها بين 400: 500 ألف دولار فقط، جمعهم التنظيم من مصادره فقط بلا تمويل خارجي، وأُنفقوا خلال عامين. إلا أن واحدة من أهم الملاحظات التي أشار إليها هذا الفصل هي عدم السماح لكاتبي التقرير بمقابلة المحتجزين مثل خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبه وغيرهم، والاعتماد في رسم أحداث التخطيط للعملية وتنفيذها على مراجعة التقارير الاستخباراتية وتقارير الاستجوابات، وكذلك الاستعانة بتقارير المخابرات الألمانية التي كُتبت حول "خلية هامبورج" بطلب أمريكي.

ويعرض الفصل السادس العمليات التي تعرضت لها المصالح الأمريكية، وتطور التهديدات الإرهابية ونجاح بعضها في العام الأخير من حكم كلينتون والأول من حكم بوش، وغياب استراتيجية واضحة وشاملة للمواجهة في ظل انشغالهما بأمور أخرى شخصية وسياسية، فضلًا عن التنافس بين الهيئات المختلفة. ويكشف التقرير زيادة التفكير في رد عسكري حاسم بعد الهجوم على المدمرة الأمريكية كول في أكتوبر 2000،  لكن حال دون ذلك عدم توصل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى حكم نهائي بمسئولية بن لادن، وأن تشير اللجنة إلى استعداد الرئيس الأمريكي الجديد لمحاربة تنظيم القاعدة، مع انتظار هجوم آخر كمبرر لخوض الحرب.

ويُقدم الفصل السابع تصوراً أمريكياً شبه متكامل لاستعدادات وترتيبات الخاطفين وأدوارهم والعوامل التي حكمت اختيار بن لادن لهم، حيث لعب رمزي بن الشيبه دور الصلة الموثوق به بين محمد عطا زعيم مجموعة الخاطفين والمسئول عن تحديد الأهداف والتوقيت المناسب وبين بن لادن وخالد شيخ محمد. ولم تتوصل اللجنة إلى دليل قاطع على وجود خلايا قاعدية في الأراضي الأمريكية. كما لم تتوصل إلى أدلة على علم حزب الله اللبناني وإيران بمخطط 9/11، رغم الإشارة إلى تقديمهما تسهيلات إلى عناصر قاعدية. وكشف الفصل عن انشقاقات بين قادة القاعدة بين مؤيد ورافض بعدما أبلغهم بن لادن بقرب وقوع حدث كبير في الأراضي الأمريكية، بالإضافة إلى الخلاف بين قيادة القاعدة التي كانت ترى أن تحديد استراتيجية عمل التنظيم خارج أفغانستان حق حصري لها، وبين قيادة طالبان التي كانت تخشى أن يتسبب أي هجوم على الولايات المتحدة الأمريكية في مشكلات لها أو تعطيل استراتيجية مواجهة التحالف الشمالي للسيطرة على كامل الأراضي الأفغانية.

ووفقًا للفصل الثامن من التقرير فقد توافر لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في صيف 2001 مؤشرات تفيد بتخطيط جماعة ما من تنظيم القاعدة أو مرتبطة به لهجوم كبير جدًا، وأن استعداداتها على وشك الانتهاء، دون توفر معلومات لدى تلك الأجهزة عن طبيعة ومكان الهجوم. وتراوحت التحليلات الأمريكية بين احتمالية أن يتعلق المخطط بتوجيه ضربة كبرى لإحدى المصالح الأمريكية في العالم أو خطف طائرة لإطلاق سراح عمر عبد الرحمن المسجون في الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن تتوقع أبدًا استخدام الطائرات كأسلحة أو أن يكون الهجوم داخل الأراضي الأمريكية نفسها. ومع زيادة وتيرة الإنذارات، جادلت تقارير منتصف يوليو بتأجيل المخطط ربما لشهرين مؤكدةً استمرار التهديد، مقابل دفع بعض كبار المسئولين بأن هذه الإشارات قد لا تكون سوى خدعة أو حرب نفسية لاستنزاف الأجهزة الأمنية. وقد اطلع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش في 6 أغسطس 2001، على موجز استخباراتي يتضمن كل الإشارات الممكنة على خطورة ما يعده بن لادن، دون معلومات عن نوع التهديد المحتمل. وقد انعكس التفكير الأمريكي على طبيعة الإجراءات المُتخذة التي ركزت على مواجهة التهديدات الخارجية وتحذير وتأمين السفارات الأمريكية في الخارج. بينما لم تأخذ الأجهزة الداخلية أوامر بالتحرك، فضلًا عن غياب التنسيق بينها، وعدم أخذ بعض الإشارات والتحليلات الداخلية بجدية، وكذلك البيروقراطية وتأخر التحرك.

ويرسم الفصل التاسع صورة للحظات الهجوم بما تضمنته من رعب لكل المتواجدين بالبرجين، وبطولات وتضحيات قدمتها فرق الإنقاذ. ويعرض التقرير للصعوبات التي واجهت عملية الإخلاء لأسباب عدة من بينها عدم وضوح المعلومات حول ما يجري، وتضارب النصائح، واتساع مساحة المجمع والتشوش في معرفة خرائطه، وغياب نظام للإخلاء والإنقاذ من الطوابق العليا لعدم مناسبة أعلى البرج فنيًا لذلك. فضلًا عن أن تلك الفرق لم تكن تتخيل احتمالية انهيار البرجين وعدم صمودهما أمام الحرائق. كما عرج الفصل سريعًا على المشهد في مبنى البنتاجون دون توسع في شرح ما جرى، لكنه أفاد بأن الاستجابة هناك كانت أفضل.

ويشرح الفصل العاشر ملابسات قرار الحرب الأمريكية الذي لم يكن عسيرًا بعد تلك الهجمات التي مست هيبة الدولة الأمريكية. إذ صدر سريعًا توجيه رئاسي تحت عنوان "دحر التهديد الإرهابي للولايات المتحدة" يقضي بالمواجهة العسكرية لتنظيم القاعدة والجماعات المناظرة له والدول التي تأوي تلك التنظيمات، وتجفيف منابعها المالية. وقد تحدد الموقف الأمريكي من باكستان في ضوء موافقتها على مطالب أمريكية عكست انضمامها إلى معسكر "الحرب على القاعدة" بينما رفض الرئيس الأمريكي مطالبة وزارة الدفاع بمحاربة العراق بوصفه "مصدرًا دائمًا لمشكلة الإرهاب" بسبب قناعة بوش بأن الوقت مبكر للتعامل مع بغداد في ظل عدم وجود أدلة على تورطها في الهجمات، لكنه وجه بوضع خطط عسكرية تتضمن احتمال احتلال حقول نفط عراقية إذا ما استغلت بغداد الهجمات لاتخاذ إجراءات ضد المصالح الأمريكية. وتضمنت خطة الحرب على أفغانستان المعروفة باسم "الحرية الدائمة" مراحل أربعة هي الإطاحة بطالبان، وتشتيت نظام القاعدة، وبناء نظام أفغاني موالي لواشنطن، وأخيرًا عمليات الأمن والاستقرار.

وبلور الفصل الحادي عشر الفشل الأمريكي الكبير في أربعة جوانب: أولها الفشل في التخيل مثلما هو الحال مع استبعاد احتمالية استخدام الطائرات، مما دعا إلى التوصية بمأسسة التخيل في الأجهزة الأمنية المعنية بمواجهة الإرهاب. والثاني فشل وضع سياسة حازمة لمواجهة الخطر، فيما تعلق الجانب الثالث بعدم ملائمة القدرات الحكومية المستخدمة في المراحل الأخيرة من الحرب الباردة للتحديات الجديدة، وأخيرًا فشل في الجانب الإداري والتواصل بين المؤسسات بل وداخلها أيضًا.

وتنبع أهمية الفصل الثاني عشر من إمكانية اعتباره بداية وتوصية لمرحلة جديدة انخرطت فيها واشنطن بشدة في شئون الشرق الأوسط، حيث نبّه إلى أهمية اعتبار أن "الوطن الأمريكي هو الكرة الأرضية كلها"، وصياغة استراتيجية كونية تسعى إلى مهاجمة التنظيمات الإرهابية والوقاية من هجماتها والاستعداد لها، وذلك عبر سياسات منها تقديم الولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا للقيادة الأخلاقية والالتزام بالقانون ومراعاة احتياجات الآخرين، وحث الحكومات الصديقة على احترام تلك المبادئ، وتوسيع الفرص التعليمية والاقتصادية للأجيال الجديدة، وتدشين تحالف مع دول العالم ضد الإرهاب الإسلاموي، ومعالجة ثغرات نظام السفر الأمريكي وقوانين الهجرة، ووضع استراتيجيات لأمن الطيران ووسائل النقل، وإدماج مواجهة الإرهاب في عمليات الاستعداد القومي، وتوفير التمويل الفيدرالي اللازم، ووضع معايير استرشادية للقطاع الخاص فيما يتعلق بتصميم البنية التحتية بما يتناسب مع حالات الطوارئ.

وطرح الفصل الأخير من التقرير الدروس المستفادة من هجمات 9/11 على المستوى الداخلي، فاقترح إعادة تنظيم الحكومة الأمريكية وتجاوز آليات عمل الحرب الباردة ليتناسب أدائها مع تحدي الإرهاب الإسلاموي بوصفه قضية أمن قومي، وتوظيف التطور التقني في مجال الاتصالات والمعلومات، وتوحيد جهود الأفراد والتمويل تحت إشراف جهة واحدة لديها سلطات مناسبة.

 ويُقدم التقرير خمسة توصيات أساسية، وهي توحيد الجهود الاستخباراتية من خلال مركز قومي لمكافحة الإرهاب، وتوحيد المجمع الاستخباراتي بتعيين مدير للاستخبارات القومية، وبناء نظام لتشارك المعلومات بين المشاركين في جهود مكافحة الإرهاب، وتعزيز مكتب التحقيقات الفيدرالية وتأسيس قوة عمل متخصصة داخله تُعنى بالأمن القومي، وتعزيز إشراف الكونجرس لتحسين الجودة والمحاسبية.

تنظيم القاعدة والرواية المضادة

حرص محرر الكتاب في مقدمته التحليلية على الإشارة إلى الرواية التي قدمها تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن للهجمات، من أجل المساعدة في توضيح الصورة الكاملة للسرديات المختلفة للحدث أمام القارئ، خاصة أن الرواية القاعدية تبلورت عبر مراحل. فطوال العام الأول بعد الهجمات لم يعترف بن لادن بمسئوليته عنها، ونفى قيامه بها في بيان 24 سبتمبر 2001. موضحًا أنه بايع زعيم حركة طالبان الذي "لا يأذن بالقيام بمثل هذه الأعمال من أفغانستان"، قبل أن يُصدر بيانًا آخر في 7 أكتوبر 2001 ردًا على بدء الإعداد العسكري الأمريكي يتعهد فيه بمواصلة "الجهاد" لحين تحقيق الأمن في فلسطين وخروج القوات الأجنبية من شبه الجزيرة العربية. ورفض وصف الهجمات بالإرهابية في حواره المنشور في 21 من نفس الشهر. وقدم لأول مرة اعترافًا ضمنيًا بالتحريض على الهجمات حين قال: "إذا كان التحريض إرهابًا فليشهد التاريخ إننا إرهابيون" ثم بثت قناة الجزيرة بيانًا في 27 ديسمبر 2001 يعلن فيه بن لادن أن أحداث 9/11 رد فعل "للظلم المتواصل" الذي يُمارس في دول إسلامية، ويشيد بالمهاجمين ويدعو لهم. ثم استخدم لأول مرة مصطلح "غزوة نيويورك" في بيانه الصادر في 28 مارس 2002 للتعليق على "المبادرة العربية للسلام". حيث حرص التنظيم خلال العام الأول على إنكار التورط المادي في الهجمات لعدم تقديم مبرر للحرب على أفغانستان وطالبان والقاعدة. إلى أن وجه بن لادن في شريط بثته قناة الجزيرة في 9 سبتمبر 2002 التحية للمهاجمين المشاركين فيما وصفه بـ "غزوتي نيويورك وواشنطن" مقدمًا تعريفًا لعددٍ منهم، وهو الشريط الذي تضمن تحليل موقع "النداء"– التابع للتنظيم- له أن بن لادن يتجاوز الاعتراف بمسئولية القاعدة إلى الاعتراف بمسئوليته شخصيًا عن كل تفاصيل العملية والتخطيط لها. وذكر التحليل أن البيان حمل لأول مرة تأكيدًا قطعيًا على مسئولية القاعدة عن هجمات سبتمبر. ثم أصدر تنظيم القاعدة في اليوم التالي بيانًا يشيد بما فعله المهاجمون، وعدّهم شهداء. ثم توالت بيانات التنظيم وبن لادن والظواهري التي تؤكد مسئولية القاعدة عن الهجمات وتُشيد بمنفذيها.

ولعل من المهم الإشارة إلى حرص محرر الكتاب على تضمينه أحدث التطورات حتى طباعته، حيث أنهى كتابة مقدمته في 26 مايو 2006 مضمنًا إياه إشارةً مستفيضةً بعض الشيء لما أسماه "بيان الاعتراف الكامل" وهو شريط نشره موقع "السحاب" -التابع للتنظيم- بعنوان "كلمة للحق"، أقر فيه بن لادن بمسئوليته الكاملة عن اختيار وتكليف من قاموا بهجمات 9/11، نافيًا أن يكون من بينهم زكريا موسوي الذي أُلقي القبض عليه قبل أسبوعين من الهجمات، وأصدرت محكمة أمريكية حكمًا بعد ذلك بسجنه مدى الحياة باعتباره كان شريكًا في العملية.

ملاحظات ختامية

ختامًا، في ضوء ما تضمنه "تقرير لجنة 9/11" و"كتاب الأهرام" بالإضافة إلى تطورات الأحداث منذ صدورهما وحتى عام 2021، تبرز العديد من الملاحظات، يمكن إيجاز بعضها فيما يلى:

- تكشف سنوات الحرب الأمريكية في أفغانستان، والانسحاب منها في أغسطس 2021، عن فشل ذريع لخطة "الحرية الدائمة"، وانتكاسة واضحة حتى للمراحل الثلاث الأولى التي أشار التقرير إلى نجاح واشنطن في إتمامها وقت كتابته. حيث تكشف المؤشرات الدولية عن سوء حالة الاستقرار والأمن في أفغانستان التي تحتل -على سبيل المثال- المركز الأسوأ في أحدث نسخة لمؤشري السلام والإرهاب. وعادت حركة طالبان إلى الحكم، وانهار النظام "الموالي" لواشنطن. وحتى ما يخص تشتيت تنظيم القاعدة، فإن القيادة المركزية انتقلت إلى باكستان، مع زيادة واضحة لعدد أفرع التنظيم وانتشاره خلال العقد الأول من القرن الحالي.

- يُمثل التقرير دليلًا على النية المُبيتة لإدارة بوش لغزو العراق، وأنها تأجلت إلى لحظة أكثر مناسبة من وجهة النظر الأمريكية، تجلت في مزاعم مكافحة الإرهاب، وتدمير أسلحة الدمار الشامل، وبناء عراق ديمقراطي.

- يشير التقرير إلى نية أمريكية لغزو أفغانستان بسبب تنظيم القاعدة، وأنها كانت بانتظار هجوم إرهابي يمنحها الغطاء والمبرر. لكنها لم تكن تتوقع هجومًا داخليًا كبيرًا ينال من الهيبة الأمريكية بهذا الشكل.

- أظهرت سياسات مكافحة الإرهاب الأمريكية في أفغانستان والعراق فشلًا واضحًا في إضعاف تنظيمات التطرف العنيف، بل ساعدت هذه التنظيمات على اجتذاب الشباب تحت شعارات مختلفة منها "مقاومة المحتل"، وأنتجت تعاطفًا من بعض القطاعات مع تلك التنظيمات. وشهدت الدولتان ظهور تنظيمات جديدة أيضًا.

- ثمة غياب واضح للبعد الأخلاقي الذي أوصى التقرير بتضمينه في السياسات الأمريكية، ظهر في مناسبات عدة بعد صدوره منها الانحياز المفرط لإسرائيل، واحتلال العراق، والممارسات المشينة في جوانتانامو وأبو غريب، وغير ذلك.

- مثّل عدم السماح لأعضاء اللجنة بمقابلة المحتجزين إحدى ثغرات التقرير. كما لا تزال المحاكمة القضائية للمتهمين متعثرة حتى الآن، بما يمكن أن تكشفه من معلومات جديدة.

- لا تزال هناك العديد من الوثائق الأمريكية الخاصة بتحقيقات 9/11 لم يُرفع عنها السرية، بما تحتويه من معلومات أخرى.

- وأخيرًا، فإن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية قدم بهذا الكتاب عملًا لا يزال مهمًا للدوائر السياسية والأكاديمية العربية، وسيظل كذلك لسنوات قادمة، في ضوء امتداد تبعات الحدث، وأهمية التقرير.

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية