في إطار سعى مصر لتعزيز علاقاتها وموقعها على المستوى الدولي، ولتحقيق التعاون واستثمار الروابط المشتركة في دعم التنمية من ناحية، واستقطاب حلفاء لدعم المصالح والسياسات المصرية من ناحية أخرى، ولتعريف العالم بالأسس التي اعتمدت عليها الدولة المصرية في التعامل مع العديد من القضايا التي أصبحت مصدر اهتمام القوى الدولية والإقليمية لما لها من انعكاسات على قضايا الأمن والاستقرار، ومن أهمها قضايا الهجرة غير المشروعة واللاجئين وحقوق الإنسان، جاءت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة دول مجموعة "فيشجراد" في العاصمة المجرية بودابست، في 12 أكتوبر الجاري (2021)، حيث تعد هذه المشاركة الثانية للرئيس المصري الذي كان أول رئيس عربي وشرق أوسطي دعى إلى هذه القمة في عام 2017، مما يعكس مدى تقدير هذه الدول ورؤيتها لدور مصر في استقرار المنطقة وأهميتها الاقتصادية المتنامية.

تناولت القمة الأخيرة العديد من القضايا، وعلى رأسها دور مصر في منطقة الشرق الأوسط، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وأمن الطاقة، وبحث فرص تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية والسياحية بين الجانبين، فضلاً عن سبل تطوير التعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي، الذي تتمتع دول التجمع بعضويته.

ما هى مجموعة "فيشجراد"؟

احتفلت مجموعة "فيشجراد" هذا العام بمرور 30 عاماً على تأسيسها في فبراير 1991. وتعكس المجموعة (المعروفة أيضاً باسم "Visegrad Four" أو ببساطة "V4") جهود دول منطقة وسط أوروبا للعمل معاً في عدد من المجالات ذات الاهتمام المشترك ضمن التكامل الأوروبي، حيث انضمت هذه الدول للاتحاد الأوروبي في أول مايو 2004 وكذلك لحلف الناتو. فلطالما كانت التشيك والمجر وبولندا وسلوفاكيا جزءاً من حضارة واحدة تشترك في القيم الثقافية والفكرية والجذور المشتركة في التقاليد المتنوعة، والتي ترغب في الحفاظ عليها وتعزيزها.

واستطاعت المجموعة، خاصة في الأعوام الأخيرة، فرض وجودها على أجندة الاتحاد الأوروبي وأثبتت حضوراً وتفاعلاً كبيراً في بعض المناطق والمجالات التي تحظى باهتمام خاص من جانبها، ولاسيما منطقة الشرق الأوسط باعتبارها امتداداً للأمن الأوروبي وضامناً لاستقراره. فأصبح التجمع إطاراً طويل الأمد لتمثيل المصالح المشتركة للمنطقة في أوروبا وخارجها.

مجالات التقارب السياسية والأمنية

منذ البداية، كان موقف دول المجموعة متفهماً وداعماً للتحول السياسي الحادث في مصر منذ عام 2013 وهو موقف ثمَّنته مصر، وعكس توافق الرؤى في العديد من القضايا. ومنذ عام 2014، شهدت العلاقات بين الجانبين تطوراً ملحوظاً في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك سواء سياسياً، أو أمنياً، أو اقتصادياً، وتبادلاً للزيارات الرسمية على مختلف المستويات، بالإضافة إلى دعوة مصر لحضور قمة المجموعة.

وتمثل قضيتا اللاجئين والهجرة غير المشروعة أهم القضايا التي تجمع مصر ودول المجموعة. ففي الوقت الذي تحتضن مصر ما يقارب الـ6 مليون لاجئ([1]) وتبذل جهوداً كبيرة في منع الهجرة غير المشروعة من شواطئها، تعانى دول أوروبا الوسطى من الضغوط التي تفرضها موجات اللاجئين التي تصل إلى حدودها وخاصة بولندا والمجر.

وتتوافق رؤية المجموعة أيضاً مع مصر في أهمية تنمية الدول المُصدِّرة للمهاجرين اقتصادياً ودعمها اجتماعياً في سبيل منع الهجرة غير المشروعة. ويمكن البناء على هذا الموقف للضغط على الدول الأوروبية لمساعدة الدول النامية التي يخرج منها المهاجرون غير الشرعيين على تحسين الأوضاع المعيشية لشعوبها، حيث تعمل هذه السياسات على تعزيز الدور المصري إزاء الدول الأفريقية في أقاليم جنوب الصحراء، بدعم جهود التنمية في القارة الأفريقية. وقد استطاعت دول مجموعة "فيشجراد" فرض رؤيتها داخل الاتحاد الأوروبي في رفض خطة الحصص الخاصة باللاجئين، وهو ما يؤكد على قوة تلك الدول في تمرير مواقفها في إطار سياسات الاتحاد الأوروبي.([2])

ومن الملفات التي تطرح دائماً في الحوار مع الشركاء الأوروبيين، ملف حقوق الإنسان، حيث أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في القمة إلى أن هناك "حقوقاً كثيرة جداً لم تتوفر في المنطقة وليس فقط منظور التعبير عن الرأى والممارسة السياسية"، واستشهد على ذلك بملف الهجرة غير الشرعية كـ"عنوان يعكس شكلاً من أشكال حقوق الإنسان المفقودة في المنطقة". وتساءل عما إذا "كانت الدول الأوروبية مستعدة لتحسين أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية للوصول إلى مقاربة مختلفة لفهم حقوق الإنسان؟". وهنا مجدداً يمكن الإشارة إلى دعم دول مجموعة "فيشجراد" لهذه المقاربة، حيث أكدت المجر أن العديد من الجهات تناقش القضايا الداخلية في مصر عبر "بيانات أحادية الجانب ومتحيزة وعدوانية ومنافقة ووثائق تحتوي على أكاذيب لا أساس لها".([3])

وفي مجال مكافحة الإرهاب، تتوافق رؤى مصر ودول المجموعة حول أهمية استقرار دول منطقة الشرق الأوسط وإيجاد حلول للقضايا السياسية العالقة، مما يُمكِّن هذه الدول من استعادة السيطرة داخلياً ومواجهة الفكر المتطرف والإرهاب. وتدعم تلك الدول رؤية مصر لكيفية تحقيق أمنها داخلياً ومواجهة الإرهاب. وفي هذا السياق، دعا رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الاتحاد الأوروبي لعقد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر في أقرب فرصة([4])، وتأييد مقترحات مصر لمواجهة الإرهاب والموافقة على مصر كشريك استراتيجي، كما اقترح رفع القيود الأوروبية المفروضة على شراء مصر للمعدات اللازمة لحماية الحدود، ودعا الاتحاد أيضاً إلى تبني قائمة مصر للجماعات والأفراد الإرهابيين.([5])

وأخيراً، فإن هذه الدول الأربعة التي تشكل "فيشجراد" هى أيضاً أعضاء في مبادرة البحار الثلاثة Three Seas initiative"" التي تضم 12 دولة من وسط وشرق أوروبا وتأسست عام 2016. وتمثل دول البحار الثلاثة ما يقرب من ثُلث الاتحاد الأوروبي ويبلغ عدد سكانها 111 مليون نسمة. وبلغ متوسط النمو الاقتصادي فيها بين عامى 2015 و2019 3.5٪ مقارنة بـ2.1٪ في الاتحاد الأوروبي ككل. كما قدّر صندوق النقد الدولي متوسط النمو الاقتصادي لدول البحار الثلاثة بنسبة 2.9٪ في عام 2020، مقارنة بمتوسط 1.6٪ للاتحاد الأوروبي ككل.([6]) ويمكن لمصر أن تستغل علاقاتها الطيبة بدول المجموعة من أجل توسيع نطاق علاقاتها مع دول المبادرة الجديدة مما يفرض تداعيات إيجابية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خاصة في ضوء اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية واليابان بالمشاركة في المشروعات المختلفة الخاصة بالمبادرة في تلك المنطقة الحيوية والمرشح زيادة أهميتها مستقبلاً وخاصة في مجالات مثل الطاقة.

مكاسب اقتصادية متنوعة

تمثل دول مجموعة "فيشجراد" مجتمعة سوقًا يضم أكثر من 65 مليون شخص، والمنطقة تتمتع بثالث أكبر قدرة تصدير وأسرع معدل نمو في الاتحاد الأوروبي. وتحتل دول المجموعة مجتمعة المرتبة الخامسة عشر كأكبر اقتصاد في العالم. وتوقعت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أن تنتعش دول "فيشجراد" بقوة، بفضل مرونتها الاقتصادية والدعم الاستثماري من صندوق الاتحاد الأوروبي (NGEU).([7]) وتسعى مصر للاستفادة من التجارب الاقتصادية الناجحة لدول المجموعة وخاصة في ظل تطور ودعم العلاقات الاقتصادية خلال الأعوام الماضية.

وتعتبر السياحة من أهم المجالات التي يمكن أن تشهد تعاوناً بين الجانبين، ويمكن تشجيع السياحة من دول مجموعة "فيشجراد"، حيث يرى مواطنو تلك الدول مصر وجهة جيدة للسياحة وخاصة شواطئ البحر الأحمر، لكن مازالت أعداد السياح منها تعتبر متواضعة مقارنة بدول عديدة، ولذلك يجب السعى لتشجيع السياحة والتعريف بما توفره مصر في هذا الصدد(·).

كما يبرز قطاع الطاقة كأحد المجالات المهمة للتعاون بين الجانبين وخاصة في ظل الاهتمام البالغ للدولة المصرية بتنمية هذا القطاع، ولاسيما مع الاكتشافات الهائلة في منطقة شرق المتوسط واهتمام مصر خلال الأعوام الماضية بالطاقة المتجددة والخضراء. وتسعى مصر لتكون مصدراً للطاقة للقارة الأوروبية ويمكن أن تكون دول مجموعة "فيشجراد" نقطة انطلاق، خاصة في ظل رغبتها في تنويع مصادر الطاقة بعد اعتمادها بشكل رئيسي على الاستيراد من روسيا. كما تهتم دول المجموعة الأربعة أيضاً باستخدام الطاقة النووية وهو ما يتيح مجالاً محتملاً أيضاً للتعاون.([8])

ختاماً، تتيح العلاقات مع دول مجموعة "فيشجراد" فرصاً متعددة للتعاون في مختلف المجالات، كما أن اهتمام تلك الدول بالعلاقات مع مصر يعكس رؤيتها للتداعيات الإيجابية التي تفرضها الأدوار التي تقوم بها مصر في ملفات مثل الحرب ضد الإرهاب، وجهود دعم الاستقرار على المستويات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط.


[1] السيسي لصحيفة ألمانية: لدينا 6 ملايين لاجئ منهم نصف مليون سوري، 24/4/2021.

https://arabic.rt.com/middle_east/1225269-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A6-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A/

[2] Karolewski, Ireneusz&Benedikter, Roland. (2018). Europe's Migration Predicament: The European Union's Refugees' Relocation Scheme versus the Defiant Central Eastern European Visegrád Group. European Political Science..

[3] Foreign Minister: Hungary, Egypt “Benefit a Lot from Good Bilateral Ties, MTI-Hungary Today, 2021.10.11

https://hungarytoday.hu/foreign-minister-hungary-egypt-ties-vaccination-economy-security/?fbclid=IwAR1bg5DyOw4x6cBU0UwILReauLXqKui4fl_fFXUGV9LzzUjwGx3jd_Ep6ZM

[4] AmrKandil, Europe to be 'in great trouble' if Egypt does not continue blocking illegal immigration, Hungarian PM tells V4, Ahram Online, Tuesday 12 Oct 2021, https://english.ahram.org.eg/News/426775.aspx

[5] Hanan Fayed, V4 to advocate Egypt at EU, call for release of aid, border protection technology to Cairo as it counters illegal migration, 13 Oct 2021,https://www.egypttoday.com/Article/1/108794/V4-to-advocate-Egypt-at-EU-call-for-release-of

[7] A STRONG EUROPE NEEDS A STRONG CENTRAL EUROPE, the DIPLOMAT magazine, 2ND FEBRUARY 2018, https://diplomatmagazine.com/a-strong-europe-needs-a-strong-central-europe/

·شاركت الباحثة في أحد اللقاءات التي عقدتها السفارة المصرية في وارسو لتشجيع السياحة وتعريف المواطنين هناك بالمميزات المختلفة وأنواع السياحة المتوفرة في مصر وهو مجهود مهم يجب تشجيعه وزيادته بوسائل أكثر حداثة وجذباً لسوق واعد.

[8] JoannaDyduch andArturSkorek,Go South! Southern dimension of the V4 states’ energy policy strategies – An assessment of viability and prospects,Energy Policy, Volume 140, May 2020, 111372

مرام ضياء

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية