وسط اللاءات الإسرائيلية المتكررة في ما يخص التسوية السياسية وفرص إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، تثير اللقاءات الفلسطينية التي عقدت مع أطراف في الحكومة الإسرائيلية وخارجها الكثير من التساؤلات حول الهدف وما يمكن أن تقود إليه من نتائج. بالإضافة إلى التساؤل عن تلك النتائج وإن كانت كافية لتبرير الرفض والغضب المرتبط بعقد اللقاءات فلسطينياً وإسرائيلياً.

وعلى الرغم من الجدل الذي طرحته اللقاءات الإسرائيلية مع أطراف في السلطة الفلسطينية، وخاصة اللقاءات التي عقدت  مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" إسرائيلياً، فإن تلك اللقاءات نفسها وما أحاط بها من تصريحات إسرائيلية ساهمت في زيادة الغضب والرفض الفلسطيني، بالإضافة إلى ترسيخ أسس الصدام بين السلطة والفصائل خاصة حركة المقاومة الإسلامية- حماس على ضوء الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بقطاع غزة في حرب مايو 2021، وعدم التوصل إلى اتفاق حول الهدنة وإعادة الإعمار واتفاقية التبادل، بالإضافة إلى الجدل المتجدد حول التسوية والمقاومة من أجل الوصول إلى الدولة الفلسطينية، باختلاف تصور كل طرف عن حدود تلك الدولة.

ومن بين اللقاءات التي عقدت خلال تلك الفترة، احتل اللقاء بين أبو مازن ووزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، في 30 أغسطس الماضي (2021)، أهمية خاصة بوصفه اللقاء الأول بين الرئيس الفلسطيني ومسئول حكومي إسرائيلي كبير في حكومة رئيس الوزراء نفتالي بينيت التي تشكلت في يونيو الماضي، وبعد فترة طويلة من القطيعة الناتجة عن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو لعقد لقاءات على هذا المستوى بين حكومته وأبو مازن. 

واكتسب لقاء أبو مازن- غانتس أهمية إضافية بسبب طبيعة المنصب الذي يشغله غانتس، وحقيقة أن اللقاء الذي تم في مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، ولم يعلن عنه إلا بعد مغادرة غانتس، عقد بعد فترة قصيرة من حرب غزة ووسط تصعيد واضح في خطاب فلسطيني تقوده فصائل المقاومة في القطاع يؤكد على فشل المسار السياسي وضرورة التمسك بخيار المقاومة بوصفه الخيار الوحيد من جانب، والتساؤل حول دور السلطة الفلسطينية في مواجهة الفصائل من جانب آخر.

وعلى الصعيد الإسرائيلي، وبالإضافة إلى ما أثير من جدل حول لقاء أبو مازن- غانتس، ساهم عقد لقاء بين وزير الصحة الإسرائيلي نيتسان هوروفيتس ووزير التعاون الإقليمي عيساوي فريج، بوصفهم أعضاء في حزب ميرتس، في 3 أكتوبر الجاريمع أبو مازن، ودون موافقة رئيس الوزراء بينيت، في إثارة قدر كبير من الجدل، خاصة من قبل المعارضة، حول توجهات حكومة بينيت وقدرته على فرض سياساته، وقدرة تلك السياسات على حماية أمن إسرائيل.

وساهم في حالة الجدل المثارة وجود اختلافات أساسية بين تلك اللقاءات، ففي حين عقد لقاء غانتس بموافقة بينيت، عقد لقاء وفد ميرتس بالرغم من اعتراض بينيت على اللقاء وأهميته. بالإضافة إلى أن اللقاء الأول عقد وفقاً لصفة غانتس الرسمية في الحكومة وليس كما حدث في اللقاء الثاني الذي عقد وفقاً للصفة الحزبية للأعضاء وشارك فيه بالإضافة إلى الوزراء في الحكومة عضو الكنيست عن حزب ميرتس ميخال روزين.

وبالإضافة إلى الاختلافات التي أحاطت بالصفة التي صاحبت اللقاءات وموقف بينيت، اختلف محور الاهتمام والقضايا محل النقاش بشكل واضح. وفي حين أكدت التصريحات الرسمية وغير الرسمية المصاحبة للقاء غانتس وأبو مازن على تناول الأوضاع الاقتصادية بصفة أساسية، وخاصة ما يتعلق بتمويل السلطة، والتنسيق الأمني واستبعاد أو تهميش النقاش في القضايا السياسية، حرص وزراء ميرتس على تأكيد موقفهم الحزبي القائم على دعم حل الدولتين وإنهاء الاحتلال ومد جسور الثقة.

وبشكل عام، اكتسبت اللقاءات أهميتها من حقيقة أنها شملت أعضاءاً في الحكومة الإسرائيلية، ومثلت المرة الأولى التي تعقد فيها لقاءات على هذا المستوى بين الطرفين خلال عشر سنوات تقريباً، وأنها عقدت في أجواء مشحونة سياسياً وأمنياً في مرحلة ما بعد حرب وتوقع حرب حيث تطرح تساؤلات حقيقية عن التحركات القادمة للأطراف المعنية وما يمكن أن تقود إليه من تطورات أخرى على صعيد القضية والإقليم.

ورغم الترحيب الفلسطيني الرسمي بتلك اللقاءات وما عبرت عنه من كسر حالة الجمود التي صاحبت سنوات نتنياهو، وقدرتها على تركيز الأضواء على السلطة بوصفها الفاعل الوحيد المعترف به سياسياً على الساحة الفلسطينية، إلا أن التعامل الرسمي الإسرائيلي على مستوى رئيس الوزراء وغانتس وعدد من الشخصيات المؤثرة في الحكومة الإسرائيلية وخارجها قيّد السقف المتاح من تلك اللقاءات، وحصر دور السلطة في التنسيق الأمني، وأهمية اللقاء في تقوية السلطة في مواجهة حماس، والمستهدف في الحفاظ على الأوضاع دون تغيير ودون تصعيد ودون أفق سياسي أو دولة فلسطينية.

ردود الفعل: جدل السياسات والمواقف

دشّن اللقاء بين وزيرة الصحة الفلسطينية مي الكيلة ووزير الصحة الإسرائيلي عن حزب ميرتس نيتسان هوروفيتس وطواقم صحية من الطرفين لبحث قضايا فنية تتعلق بالتعامل مع جائحة كوفيد- 19 في 28 يوليو الماضي الحدث الأول في سلسلة اللقاءات التي تمت خلال حكومة بينيت. كما عقدت عدة لقاءات بين وزير التعاون الإقليمي عيساوي فريج وعدد من المسئولين الفلسطينيين.

وكما سبق القول، يعتبر اللقاء الذي عقد بين أبو مازن وغانتس في 30 أغسطس الماضي، وحضره منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة غسان عليان وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس الهيئة العامة للشئون المدنية الفلسطينية حسن الشيخ ورئيس جهاز المخابرات اللواء ماجد فرج، الأكثر أهمية وإثارة للجدل. ويعبر لقاء غانتس في مواجهة لقاءات ميرتس عن الفجوة القائمة لدى إسرائيل حول السلطة الفلسطينية ودورها وحجم التعاون معها وما يمكن تقديمه على صعيد الواقع السياسي وفقاً لتلك الرؤية.

وبشكل عام، أثير الجدل حول لقاء غانتس فلسطينياً بحكم منصبه والظروف السابقة على عقد اللقاء وخاصة حرب غزة الرابعة، وما صاحب اللقاء وتردد بعده من تصريحات إسرائيلية مباشرة وغير مباشرة عن المكون السياسي وغياب أفق التسوية. وفي ظل العوامل السابقة يختلف لقاء غانتس وقيمته وتأثيره عن اللقاء مع أعضاء حزب ميرتس في ظل ما يعبر عنه غانتس من مواقف حكومية معارضة للتسوية السياسية والدولة الفلسطينية، ومواقف حزب ميرتس المؤيدة لخيار الدولتين ومحاولات الوزير فريج توسيع العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية منذ توليه منصبه في يونيو الماضي.

ورغم إشارة بيان وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى تناول لقاء غانتس لمجموعة من القضايا الأمنية والسياسية والمدنية والاقتصادية، مع الاتفاق على استمرار التواصل، تظل حدود ما هو سياسي مقيدة وأضيق من التصور المفترض عند الحديث عن التسوية السياسية أو تنفيذ الاتفاقات الدولية المعنية بالقضية الفلسطينية. وفي هذا السياق ركز الاجتماع على الجوانب المالية والاقتصادية، وتمحور بشكل خاص حول أهمية دعم السلطة وتقوية مركزها في مواجهة الفصائل خاصة حماس، بالإضافة إلى تناول قضايا تتعلق بقدرة السلطة على الحكم والسيطرة الأمنية والتنسيق الأمني مع إسرائيل،وهو ما يتسق مع ما جاء في البيان عن "إعادة تشكيل الواقع الأمني والمدني والاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة"، مع الإعلان عن استعداد إسرائيل للقيام بسلسلة من "الإجراءات التي من شأنها تعزيز اقتصاد السلطة الفلسطينية"، وهو ما ساهم بدوره في إثارة غضب الفصائل وزيادة حدة انتقاداتها للسلطة.

وعلى الصعيد الإسرائيلي، تركز جزء أساسي من الجدل حول اللقاء بين غانتس وأبو مازن في ما يتعلق بالقضايا السياسية. وحرص وزير الإعلام الإسرائيلي يوعز هندل على تأكيد عدم تناول تلك القضايا في اللقاء، وأكد مسئول مقرب من بينيت على عدم وجود تسوية سياسية أمام الفلسطينيين في اللحظة والمستقبل. وفي تفسير أهمية اللقاء أكد وزير الإعلام الإسرائيلي أن "عدم انهيار السلطة ودعمها اقتصادياً... وإضعاف حماس" من مصلحة إسرائيل، وهى الفكرة نفسها التي دافع عنها عاموس جلعاد، الرئيس الأسبق للقسم الأمني- السياسي بوزارة الجيش، والذي اعتبر في تصريحاته أن التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية "رصيد إستراتيجي لإسرائيل".وربط جلعاد فشل محاولة حماس إشعال الضفة الغربية خلال عملية "حارس الأسوار" -الاسم المستخدم إسرائيلياً للإشارة لحرب غزة الرابعة- بالتعاون الأمني مع السلطة.

وتنوعت التصريحات الإسرائيلية المؤيدة وإن أكدت بصفة عامة على أهمية اللقاء بين غانتس وعباس وأن الحديث مع السلطة أفضل من الحديث مع حماس وغيرها من التصريحات التي قدمت صورة اللقاء بوصفه جزءاً من سياسة التنسيق الأمني، والمباراة الصفرية بين السلطة وحماس، وخطوة على طريق تغيير الأوضاع السابقة التي عمدت فيها حماس -وفقاً لتلك التصريحات- إلى استخدام القوة من أجل تحقيق أهدافها، مع استبعاد السياسة والتسوية من الحدث.

وعلى صعيد تحرك أعضاء حزب ميرتس، اعتبرت بعض الأصوات الإسرائيلية أنه يفتقد القيمة الحقيقية في ظل سياسات الحكومة القائمة، وأن أقصى ما يمكن الحصول عليه في ظل الصورة الكلية للسياسيات اليمينية هو سلام اقتصادى. وأكدت تلك الأصوات أن اللقاءات لا تقدم تنازلات يمينية، كما تردد من قبل المعارضة التي يمثلها نتنياهو، والتي تعاملت مع اللقاءات بوصفها تعبيراً عن سقوط قناع حكومة بينيت وأنها غير قادرة على حماية أمن إسرائيل أو إلزام الأعضاء بعدم التعامل مع السلطة الفلسطينية حتى تكون متشددة بما يتناسب مع تصوراتهم عن الحكم وتحقيق أمن إسرائيل.

وبشكل عام، رغم أهمية اللقاءات على الصعيد الفلسطيني الرسمي لتأكيد أهمية السلطة في مواجهة النقد الموجه لها إسرائيلياً وفلسطينياً وأمريكياً، وترسيخ صورة الممثل السياسي الوحيد المقبول دولياً، لكنها لم تستطع تقديم وعود حقيقية على مسار التسوية السياسية، وساهمت في تعميق أسباب الصراع بين السلطة والفصائل. وبالإضافة لما سبق، تبرز الفجوة بين طرح غانتس والحكومة من جانب وميرتس من جانب آخر محدودية السقف المتاح للقضية الفلسطينية وليس للسلطة فقط.

سقف التعاون: المسموح والممنوع والمحتمل

مقابل العدد القليل من اللقاءات التي أعلن عن عقدها بين أبو مازن وأطراف إسرائيلية مختلفة، اكتسبت بعض اللاءات الكثير من الاهتمام خاصة مع الإشارة لعدد من الشخصيات التي أعلن أبو مازن عن الرغبة في اللقاء بها وأعلنت تلك الأطراف نفسها رفضها عقد مثل تلك المقابلات لاعتبارات تتعلق بمواقفها الأساسية الرافضة للسلطة أو لفكرة الدولة الفلسطينية والتسوية السياسية بشكل عام.

واعتبرت التفسيرات الفلسطينية الرسمية والقريبة من السلطة أن حديث أبو مازن عن عقد المزيد من اللقاءات تعبير عن الرغبة في كسر الجمود في العلاقات بين السلطة والحكومة الإسرائيلية بعد مغادرة نتنياهو للمشهد السياسي وتغيير الإدارة الأمريكية والتهميش الذي صاحب القضية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وحتى حرب غزة الرابعة. في حين تم توجيه النقد فلسطينياً لمواقف السلطة على أساس أن اللقاءات تعمل على تجميل صورة الحكومة الإسرائيلية، وترويج فكرة وجود نوع من التواصل والتعاون أو وجود شريك تفاوضي إسرائيلي في وقت تؤكد الحكومة الإسرائيلية، بصور مختلفة، على عدم وجود أفق سياسي.

وبرزت ضمن الأسماء التي طرحها أبو مازن كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت ووزيرة الداخلية أيليت شاكيد، والمعروف عنهما رفض الاتفاق مع الفلسطينيين، ومعارضة قيام دولة فلسطينية ودعم الاستيطان. وقد أكدت التصريحات الإسرائيلية، بما فيها الصادرة عن بينيت وشاكيد، على استبعاد فرص عقد لقاءات بين أبو مازن وتلك الأسماء، وتم تقديم مجموعة من التبريرات التي تؤكد على الموقف اليميني للحكومة القائمة. وشملت تلك التبريرات نقد السلطة بسبب الاستمرار في دفع رواتب للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والذين تتعامل معهم إسرائيل بوصفهم إرهابيين، وتقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل السلطة ضد الممارسات الإسرائيلية بما يهدد بتقديم جنود إسرائيليين أمام المحكمة، وأبعاد أخرى تتعلق بممارسات السلطة السياسية وغياب الديمقراطية وفقاً لما أعلن إسرائيلياً،وكلها تبريرات يسهل ترويجها خارجياً، وتحديداً أمريكياً، لتأكيد عدم وجود شريك تفاوضي فلسطيني، والتركيز على ضعف السلطة وغياب الديمقراطية لتوفير الوقت من أجل تغيير الواقع.

وبالإضافة إلى الرفض الإسرائيلي لعقد تلك اللقاءات السياسية الطابع، والتركيز على البعد الأمني وعنصر التهدئة في الضفة وغزة، تم الإعلان من قبل الإعلام الإسرائيلي عن رفض الرئيس الأمريكي جو بايدن عقد لقاء مع الرئيس أبو مازن على هامش فعاليات الدورة الـ 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي عقدت في نيويورك في سبتمبر الفائت. وربط التناول الإسرائيلي بين الرفض الأمريكي وغياب أبو مازن عن المشاركة الفعلية في القمة من جانب، ولغة الخطاب الحادة التي تحدث بها أبو مازن في خطابه المسجل للقمة من جانب آخر. واعتبر الموقف الأمريكي دليلاً على "ثانوية القضية الفلسطينية بالنسبة لأولويات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس جو بايدن"، وفقاً للرؤية الإسرائيلية،وهو الأمر الذي حرصت السلطة الفلسطينية على نفيه مع التأكيد على تناول اللقاء بين غانتس وأبو مازن للقضايا السياسية، وأن غانتس حرص على إعلان رغبته في أن يكون مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، في إشارة إلى دوره في عملية السلام، وهو ما تم نفيه والتشكيك فيه إسرائيلياً.

وبهذا، لم تتوقف تفسيرات الأوضاع على اللقاءات المباشرة وما تم مناقشته فعلياً، وتجاوز الأمر إلى المواجهة عن طريق التسريبات والتسريبات المضادة، والتشكيك في تلك التسريبات من الأطراف المعنية، مع تقديم تسريبات وتفسيرات مختلفة للحدث الواحد. ويمكن القول أن المحصلة النهائية من اللقاءات سياسياً تتوقف على القدرة على العودة إلى مسار التسوية السياسية والتوصل إلى قرارات وسياسات فعلية على أرض الواقع، وتجاوز حالة الجمود في التسوية والحراك على مستوى الدور المطلوب من السلطة لتنفيذ سياسات إسرائيلية وأمريكية من شأنها تهديد فرص إعلان الدولة الفلسطينية المفترضة وتقييد دور السلطة إلى مساحة إدارة الأوضاع المعيشية.

التسوية السياسية وإدارة الاحتلال

تؤكد التصريحات الإسرائيلية والأمريكية بشكل متزايد على استبعاد الحل السياسي للقضية الفلسطينية، على الأقل خلال السنوات القادمة من عمر الحكومة الإسرائيلية القائمة، كما يتردد. وتقود مثل تلك التصريحات والتفسيرات إلى ترسيخ فكرة التعامل مع السلطة الفلسطينية ضمن إطار محدد يرتبط بإدارة الاحتلال وتحسين الظروف المعيشية، مع تمكين السلطة من الصمود في مواجهة فصائل المقاومة، والتنسيق الأمني بهدف الحفاظ على الاستقرار دون تقديم حلول أو مبادرات حقيقية في اتجاه التسوية وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

بهذا، تطرح الأوضاع القائمة ثنائية التسوية السياسية أو الاقتصادية دون الربط بينهما إلا في الهامش الذي يسمح بالحفاظ على السلطة في وضعية تسمح لها بإدارة الاقتصاد والوقوف في مواجهة الفصائل. ويتحول دور السلطة إلى عنصر من عناصر استقرار الأوضاع عبر المدخل الاقتصادي أو السلام الاقتصادي دون السياسي كما يتكرر الحديث من وقت إلى آخر عندما ترغب الأطراف المعنية في استبعاد التسوية مع تقديم نوع ما من التعاون مع الجانب الفلسطيني يسمح بالتحول من حديث الجمود إلى حديث الشريك واللقاءات والمفاوضات والتصريحات والوعود.

وبحكم التطورات القائمة على أرض الواقع، بما فيها ترسيخ وجود اليمين الإسرائيلي في المسجد الأقصى والجدل بين السماح بصلوات تلمودية صامتة في المسجد من عدمه، إلى جانب التوسع في الاستيطان وفي هدم المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية وغيرها، وطرح مشروع استيطاني من شأنه فصل التواصل بين القدس الشرقية والضفة الغربية، تتراجع فعلياً فرص إقامة الدولة الفلسطينية المتصلة القابلة للحياة وتتآكل الأراضي المخصصة لتلك الدولة في اللحظة والمستقبل. ويضاف إلى هذا تراجع واضح في الاهتمام الأمريكي بفرض حلول سياسية أو الضغط على إسرائيل من أجل تدشين مسار سياسي في ظل أولويات إدارة جو بايدن السياسية، وطبيعة حكومة التغيير الإسرائيلية وما تواجهه من ضغوط داخلية بحكم تركيبتها وما تحمله من عوامل ضعف هيكلية ترتب، وفقاً للولايات المتحدة، الحاجة إلى تأجيل الضغوط والقيام بما يلزم من أجل تحقيق الاستقرار والاستمرار.

أوضاع تطرح تساؤلات جادة حول حدود ما يمكن التفاوض عليه مع نهاية فترة الحكومة الحالية في حال استمرت تلك الحكومة في السلطة وتم الحفاظ على الائتلاف القائم بدون تغيير أو سقوط الحكومة في مواجهة تحديات الواقع وجهود المعارضة.

وعلى الرغم من الاهتمام الذي يصاحب اللقاءات التي تعقد بين أبو مازن وغيره من الشخصيات الإسرائيلية، خاصة المرتبطة بالحكومة، وفي ظل المقارنة بين تلك اللقاءات وموقف حكومة نتنياهو التي عارضت عقد لقاءات مماثلة لفترة طويلة، تبدو المكاسب محدودة، وما يتم تحقيقه فعلياً هو الحفاظ على الاستقرار من أجل ترسيخ التغييرات التي تتم على الأرض والتي تمثل تحدياً حقيقياً أمام فرص إقامة الدولة الفلسطينية المنتظرة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. وبهذا في حين أكد اللقاء مع غانتس على سقف لا يتجاوز الاقتصاد من أجل الحفاظ على السلطة، والأمن من أجل الحفاظ على الاستقرار وعدم التصعيد، حاولت اللقاءات الأخرى مع أعضاء حزب ميرتس إعادة الشق السياسي إلى الواجهة وتأكيد طبيعة الصراع وأصل الحل. وفي المحصلة تحد الرؤية الإسرائيلية، وما يصاحبها من مواقف وتصريحات أمريكية، من قيمة اللقاءات بالنظر للدولة الفلسطينية المستهدفة، وتطرح الكثير من التساؤلات حول ما تقدمه على صعيد التسوية وإدارة الاحتلال، وما تفرضه من مسئوليات على الدول المعنية بالتهدئة والوساطة من أجل ضمان الحفاظ على الشق السياسي من القضية وعدم تراجع التسوية السياسية مقابل التحسينات المعيشية.

عبير ياسين

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية