في ظل عالم متغير يظهر فيه مرض التطرف الديني بلغات عديدة وينتشر من خلال قنوات اتصال حديثة وسريعة، يثور السؤال هل يظل الأزهر قادراً على الاحتفاظ بمكانته العالمية الروحانية والمادية الكبيرة؟، وهل يكون الأزهر قوة الدولة المصرية الثقافية والتنويرية والحضارية القادرة على الحضور بقوة في المشهد الدولي ممثلاً للإسلام الوسطي والحضارة المصرية والتوجه الرسمي لمواجهة الإرهاب الدولي وتحقيق السلام العالمى والاشتباك مع القضايا الدولية؟

قام الأزهر الشريف خلال السنوات الأخيرة بتطوير رؤية عمل هدفها إظهار الوجه الوسطي والصحيح للإسلام والعمل على الدعوة للتعايش السلمي على مستوى العالم، بل ودحض أى افتراءات تربط بين تنظيمات الإرهاب والإسلام الصحيح. وقد كانت استراتيجيته في تنفيذ تلك الرؤية من خلال تطوير آليات تواصل المؤسسة مع العالم الخارجي من ناحية، وزيارات القوة والسلام للإمام الدكتور أحمد الطيب في الخارج، بالإضافة إلى عقد أو المشاركة في المؤتمرات الدولية الكبرى.

في كلمته أمام أعضاء البرلمان الألماني في مارس 2016 لخص الإمام هدفه في المرحلة الراهنة، بقضايا "السلام"، بكل أبعادها الدينية والاجتماعية والعالمية، مشيراً إلى أنه يبحث عن هذا السلام لكل الناس، مهما اختلفت أوطانهم ودياناتهم وقومياتهم، وأن "الإسلام يستحق منا أن ندافع عنه، في ظل ما لحق به من ظلم وتهم، يبرؤ منها وينكرها أشد الإنكار".

وقد شهدت السنوات السبع الأخيرة زيارات خارجية للإمام الاكبر كان لها أثر وصدى قوى في عرض الوجه الوسطي الإنساني للإسلام والمسلمين عالمياً، والإعلان عن مواقف الأزهر التي تتسق مع الموقف الرسمي للدولة المصرية فيما يخص قضايا الصراع ومواجهة الإرهاب ونشر السلام بصورة عامة.

مؤتمر قادة الأديان 2021

استضاف الفاتيكان في 4 أكتوبر الجاري (2021) أعمال مؤتمر "المناخ"، ثم استضاف في اليوم التالي مؤتمر "التعليم"، وذلك في إطار أعمال قمة "قادة الأديان" لعام 2021 والتي جاءت تحت اسم قمة "الإيمان والعلم". اجتمع في القمة عدد من ممثلي الأديان والطوائف الدينية على مستوى العالم في روما. وجاء على رأس القادة الدينيين بابا الفاتيكان البابا فرانسيس، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر باعتباره ممثلاً عن المسلمين السنة في العالم، بالإضافة إلى كبار العلماء وكبار القادة الدينيين بما في ذلك: البطريرك المسكوني برثلماوس القسطنطيني، رئيس الأساقفة الأنجليكاني جوستين ويلبي من كانتربري، إنجلترا؛ المطران الأرثوذكسي الروسي هيلاريون من فولوكولامسك، ممثلاً للبطريرك كيريل من موسكو، الحاخام نعوم مارانس من اللجنة اليهودية الدولية للمشاورات بين الأديان؛ وكبار ممثلي الطوائف المسيحية الأخرى والمجتمعات المسلمة الشيعية واليهودية والهندوسية والسيخية والبوذية والكونفوشيوسية والطاوية والزرادشتية واليانية.

وقبيل انعقاد قمة المناخ وقع القادة الدينيون على نداء مشترك موجه إلى حكومات العالم قبل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين لتغير المناخ (COP26) في الفترة من 1 إلى 12 نوفمبر القادم في جلاكسو باسكتلندا، جاء النداء تحت عنوان "لقد ورثنا بستاناً.. يجب ألا نتركه صحراء لأبنائنا". وتضمن النداء النقاط الأساسية التالية:

1-  تعميق جهود المؤسسات الدينية المختلفة لإحداث تغيير في قناعات أتباعهم تجاه مخاطر البيئة وتغير المناخ.

2-  تشجيع مؤسساتهم التعليمية والثقافية على تقوية التعليم البيئي (EcologicalEducation) وجعله أولوية.

3-  إشراك أتباع الديانات المختلفة مع جيرانهم لبناء مجتمعات مستدامة ومرنة وعادلة، وتشجيعهم على تبني أنماط حياة مستدامة.

4-  تقييم السلع والخدمات التي تشتريها المؤسسات الدينية وفق عدسة أخلاقية مراعية للبيئة.

5-  مناشدة دول العالم لتحقيق مستوى الانبعاثات صفر في أقرب وقت ممكن.

6-  الضغط على الدول الغنية من أجل تحمل الجزء الأكبر من المسئولية، والقيام بتغييرات جدية لحماية البيئة، وتقديم مساعدات مالية لدعم الدول الفقيرة للتأقلم مع تغير المناخ.

7-  حث الحكومات على رفع مستوى طموحاتها وتعاونها الدولي للانتقال إلى الطاقة النظيفة.

أما الاجتماع الثانى بشأن التعليم، في 5 أكتوبر 2021 والذي يوافق يوم المعلم العالمي، فجاء تحت عنوان (نحو اتفاق عالمي من أجل التعليم)، مع توجيه التحية والشكر للمعلمين والمعلمات حول العالم على جهودهم التي يبذلونها خاصة مع تفشي فيروس كورونا، وقدرتهم على التكيف مع ما فرضته هذه الجائحة من ظروف متعلقة بالتعليم.

شيخ الأزهر في اجتماع المناخ

على الرغم من أن ملف المخاطر البيئية ظل لسنوات حكراً على الناشطين البيئيين والأحزاب السياسية الصغيرة المهتمة بهذه القضية، إلا أن تفاقم مخاطر البيئة العالمية نبّهت المؤسسات الدينية الكبرى في العالم إلى ضرورة القيام بدور لتغيير سلوك البشر والمؤسسات الصناعية الكبرى في محاولة لإيقاف المخاطر البيئية الكبرى التي أصبحت تلقى بظلالها على البشرية كلها.

في كلمته المكتوبة –لم يقرأها– أمام قمة المناخ، قال بابا الفاتيكان، البابا فرنسيس: "إن التقاليد الدينية والروحية يمكن أن تساعد في تعزيز الحب، الذي يخلق الروابط ويوسع الوجود، لأنه يجذب الناس من أنفسهم ونحو الآخرين، وخاصة الفقراء"، وأضاف: "إن التقاليد الدينية يمكن أن تساعد في تحطيم حواجز الأنانية، ومواجهة ثقافة الإقصاء الحالية ومكافحة بذور الصراع: الجشع، واللامبالاة، والجهل، والخوف، والظلم، وانعدام الأمن، والعنف التي تضر بالناس والأشخاص"، وتابع: "يمكننا مواجهة هذا التحدي بالأمثلة الشخصية والعمل والتعليم".

ثم جاءت كلمة الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر ليلقيها في اجتماع قادة الأديان، وقد كانت كلمة مختصرة وواضحة ومختلفة إلى حد كبير، لم تكن مجرد كلمات روحانية أو دعوة أخلاقية للبشر لتحسين تعاملهم مع البيئة، ولكنها احتوت على مقدمة تمثلت في سرد ثلاث حقائق تعد من نواميس وقوانين الخالق وفق ما جاء في الرسالة المحمدية، ثم أعقب الحقائق بنتيجة مستخلصة ثم دعوتين أو مطلبين الأول من الشباب والثانى من قادة الأديان في العالم.

أما الحقائق أو النواميس الربانية الثلاث، فهى:

1-  المسلم ينظر إلى العالم من حوله من كائنات: إنسان وحيوان ونبات وجماد بحسبانها موجودات حية تعبد الله وتسبح لله بلغة لا يفقهها الإنسان ... فإذا كنا نؤمن بأنها كائنات تُسبِّح إذن هى كائنات حية.

2-  قصة الخلق في القران كما هى في الكتاب المقدس تؤكد على أن أول إنسان نزل على الأرض نزل بوصفه خليفة عن الله فيها، استخلفه عليها بعدما أصلح الله الأرض له في دقة مدهشة وعناية بالغة لذلك حذره من الإفساد فيها.

3-  الله كلّف الأنبياء بأن يحذروا أقوامهم من الإفساد في الأرض... وجاء في القرآن أن بعض الناس سيفسدون في هذه الأرض وسيذيقهم الله من المصائب في الأنفس وفي الأموال والقوت جزاء ما عملوا لعلهم يرتدعون.

وبعد ذكره لهذه الحقائق الواردة في دين الإسلام، والتي توضح حقيقة الكائنات من حولنا التي تشكل البيئة التي يعيش فيها الإنسان والقوانين الإلهية للتعامل معها، استخلص الإمام في كلمته أن العلاقة بين الإنسان المؤمن وبيئته يجب أن تكون على أساس أن "الله استأمن الإنسان على الأرض ليعامل الكائنات معاملة الصديق للصديق".

وختاماً وجه دعوتين إلى الشباب وإلى قادة الأديان قال فيها: "دعوة إلى كل شاب من أى عقيدة إلى أن يقف بالمرصاد ضد أى نشاط ضد البيئة.... وأدعو إخوتى من علماء الأديان بأن يؤدوا دورهم وواجبهم الدينى في تحمل مسئولياتهم تجاه هذه الأزمة ويقوموا بين الناس بنشر الوعى الدينى لمواجهة هذه الازمة".

أزهر مصر ومسار القوة الناعمة

تأتى قمة المناخ لاجتماع قادة الأديان مثالاً هاماً لتطور الدور الذى تلعبه المؤسسات الدينية الكبرى في العلاقات الدولية وفى القضايا العالمية مثل مواجهة التطرف والعنف ومشاكل تنشئة الأطفال وقضايا التحولات المناخية والتعليم والأوبئة، وغيرها من القضايا التي بات من الصعب الحديث عنها باعتبارها شأناً داخلياً. كما أصبح من المؤكد عدم قدرة الحكومات منفردة على التعامل مع هذه الملفات الدولية. يقول الإمام الأكبر: "الأرض الآن ممهدة لأن تأخذ الأديان دورها في إبراز قيم السلام والعدل والمساواة، واحترام الإنسان أياً كان دينه وعرقه ولغته".

عقب استئناف العلاقات بين مؤسسة الأزهر ومؤسسة الفاتيكان، منذ خمس سنوات في مايو 2016، بعد فترة انقطاع خلال رئاسة البابا يوحنا للفاتيكان، أصبح واضحاً أن هناك دوراً مهماً تقوم به المؤسستان في القضايا العالمية الهامة، وذلك يعود إلى طبيعة قيادات المؤسستين الإمام الطيب على رأس مؤسسة الأزهر، والبابا فرانسيس باعتباره أول بابا من الجنوب يعتلى كرسى الفاتيكان، فضلاً عن مستوى التوافق والتنسيق الذى تمكنت القيادتان من تحقيقه خلال السنوات الأربع الماضية وكان واضحاً في لقاءات ومحافل دولية هامة.

على هامش قمة المناخ، التقت القيادتان الدينيتان الإمام الطيب والبابا فرانسيس، وعلّق الشيخ الطيب عن علاقته ببابا الفاتيكان بقوله: "تلاقينا سوياً على مبادئ الخير ونشر المحبة بين الجميع، وتكللت الجهود المخلصة بتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، التى ظهرت بعد أن عايشنا واقعاً مريراً بسبب الخلافات والتعصب والظواهر السلبية التي أطاحت بمجتمعاتنا شرقاً وغرباً، واستغلها مروجو الكراهية وتجار العنف في بث الفرقة والضغينة بين أتباع الرسالات السماوية". وجاءت كلمات البابا فرنسيس عن شيخ الأزهر بوصفه الشريك، قائلاً: "شريكي في التحديات والمخاطر وفي إنشاء وثيقة الأخوة الإنسانية".

مسار هام في منظومة التفاعلات الدولية يمكن عنونته بـ"الإمام والبابا ... مسار الإنسانية المشترك". رحلة بدأت إرهاصاتها بمبادرة الإمام الأكبر لفك القطيعة القديمة بين الأزهر والفاتيكان، أتت ثمارها بتحضير الزيارة الأولى لشيخ الأزهر إلى المقر البابوى فى الفاتيكان في مايو 2016. ثم كان اللقاء الثانى في القاهرة وحضور البابا فرانسيس لمؤتمر "لا للعنف باسم الدين" في أبريل 2017، حول قضية إلحاق تهمة الإرهاب بالدين وخاصة الدين الإسلامى. وفى نفس العام التقى الإمام الطيب مرة أخرى بالبابا في روما في مؤتمر "الشرق والغرب نحو حوار حضارى"، حول قضايا النزاعات الطائفية والاضطهاد الديني والعنصرية إلى جانب قضايا نشر السلام والتسامح وقيم العدل والمساواة. وفى أكتوبر 2018 التقى الشريكان مرة أخرى في بولونيا بإيطاليا في مؤتمر "الأديان والثقافة والحوار".

كان اللقاء الخامس في دولة الامارات لتوقيع وثيقة "الأخوة الإنسانية" بين البابا فرانسيس والإمام الطيب باعتبارهما أكبر زعيمين دينيين في العالم. وفى نوفمبر 2019 كان اللقاء السادس في روما للمشاركة في أعمال مؤتمر قمة قادة الأديان وكان عنوانه "تعزيز كرامة الطفل في العالم الرقمى".

وخلال القمة الحالية أكد الإمام والبابا على أهمية الدور الحقيقي الذي يقع على عاتق قادة الأديان وعلماء الدين ليساهموا بدور فعّال في التقليل من حدة العنف والقتال والانقسام التي تعانيه مناطق متفرقة حول العالم، ومواجهة الأفكار المتشددة والمتطرفة والمنسوبة خطئاً للأديان السماوية، وأهمية دور المؤسسات الدينية في التفاعل مع القضايا الإنسانية العالمية.

امل مختار

باحثة في شئون التطرف والعنف - برنامج دراسات الإرهاب والتطرف - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.