مقالات تحليلية

المشكلة السكانية: السياسات والتحديات وتكامل الأدوار

طباعة

باتت القضية السكانية تمثل تحدياً متزايداً، لذا بدا توقيت إعلان نتائج التعداد السكاني في يوليو 2017 مناسبة مهمة لإعادة تسليط الضوء على ما يصفه الخطاب الرسمي بمشكلة "الانفجار السكاني" كمنطلق نحو معالجة شاملة لتلك القضية. وقد ناشد الرئيس عبد الفتاح السيسي المصريين في أكثر من مناسبة بضرورة السيطرة على معدل الإنجاب للحد من النمو السكاني كونه "يشكل عبئاً كبيراً جداً على الدولة". إذ قال الرئيس في هذا الإطار، خلال كلمته أثناء افتتاح عدد من المشروعات السكنية بمدينة بدر في 14 أغسطس الفائت (2021): "النمو السكاني فوق طاقة البلد، وسيترتب عليه ممارسات وسلوكيات، وسيؤدي إلى تدمير الدولة أو كاد أن يؤدي إلى تدمير الدولة في عام 2011".

في الإطار ذاته، تنص المادة (41) من الدستور المصري الصادر عام 2014 على ما يلي: "تلتزم الدولة بوضع برنامج سكاني يهدف إلى تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية، وتحسين خصائصها في إطار تحقيق التنمية المستدامة". وبخلاف الخطاب الرئاسي، تكفّل الخطاب الرسمي – الوزارات والبرلمان- بالمشاركة بفعالية في الترويج لمضامين هذا الخطاب بشقيه الدعوى والتحذيري. فعلى المستوى الرسمي، أطلقت العديد من المبادرات في مقدمتها "2 كفاية" التي أطلقتها وزيرة التضامن الاجتماعي نيفين القباج، مع ربطها ببرامج "تكافل وكرامة"، حيث بدأت بالمناطق الأكثر فقراً. وتهدف المبادرة إلى توعية الأمهات المستفيدات من برنامج "تكافل وكرامة" بأهمية الاكتفاء بإنجاب طفلين فقط.

وفى نوفمبر 2014، أطلقت الحكومة الاستراتيجية القومية للسكان (2015- 2030) بهدف الارتقاء بنوعية حياة المواطن من خلال: خفض معدلات الزيادة السكانية لإحداث التوازن المفقود بين معدلات النمو الاقتصادي والسكاني، وإعادة رسم الخريطة السكانية في مصر عبر إعادة توزيع السكان، وتحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق تقليل التباينات في المؤشرات التنموية بين المناطق الجغرافية. وحتى تتحقق هذه الأهداف وضع الخبراء مجموعة من الأهداف الكمية أهمها: خفض معدلات الإنجاب ليصل متوسط عدد الأطفال إلى 2.4 طفل بحلول عام 2030 مقارنة بحوالي 3.5 طفل حالياً. ويتطلب تحقيق هذا الخفض في معدلات الإنجاب الوصول بنسب السيدات اللائي يستخدمن وسائل تنظيم الأسرة إلى 72% مقارنة بحوالي 59% حالياً.

وترتكز هذه الاستراتيجية على ستة محاور هى: الارتقاء بمستوى خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، والارتقاء بالخدمات الصحية للشباب والنشء، والارتقاء بخصائص المواطن المصري، ودعم الاتجاهات نحو القضية السكانية، وتمكين المرأة، وتفعيل نظام المتابعة والتقييم. لكن بالرغم من شمول هذه الاستراتيجية، واستهدافها للقضايا المختلفة المتعلقة بالسكان والتنمية، إلا أن خطتها التنفيذية لم تشمل استثمار العدد الكبير من الشباب في مصر؛ حيث يمثل الشباب حوالي ثُلث السكان المصريين. وقد يشكل توظيف هؤلاء الشباب في جهود التنمية بصورة صحيحة دفعة كبيرة للاقتصاد. ويتطلب ذلك بالضرورة إعادة تأهيلهم بصورة تجعلهم قادرين على الإبداع والتطوير.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومات المتعاقبة ونجحت من خلالها في مواجهة بعض مظاهر المشكلة السكانية، إلا أنها ظلت مقصورة على التعامل مع الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بإدراك غالبية المجتمع ورؤيتهم للمشكلة السكانية والتي ترتبط بأسباب اقتصادية واجتماعية ودينية، ومن ثم ما يجب الوقوف عليه هو تحليل هذه الأسباب على مستوى كل محافظة، وربما على مستوى كل مدينة وحى لمعرفة الأوزان النسبية لتلك الأسباب، ذلك أن أسلوب المواجهة الشاملة ثبت عدم فعاليته، وبالتالي يجب أن تكون خطط المواجهة متعددة ومرتبطة بخصوصية كل منطقة جغرافية، لاسيما مع الوضع في الاعتبار تباين واضح في درجة تطور المجتمع.

إن معظم العاملين في المجال الديموجرافي، وكذلك واضعي السياسات، يرون أن المشكلة السكانية في الدول النامية تكمن في عدم التناسب بين النمو السكاني المرتفع والموارد المحدودة، وهو ما يلقي الضوء على العوامل التي تتحكم في عملية السلوك الإنجابي للبشر الذي تشكله الثقافة والعادات والتقاليد ونظام القيم، وعلى رأسها المحيط الاجتماعي، وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة. وعلى ضوء ذلك، يجب تبني رؤية شاملة ومتكاملة تنطلق من أن البشر هم ثروة مصر، ومحاولة توظيف المكون الديموجرافي لصالح تطوير مؤشرات التنمية البشرية.

تحديات عديدة

تُعبر المشكلة السكانية عن عدم التوازن بين عدد السكان والموارد والخدمات. وقد تطور عدد سكان مصر عبر مائة عام، حيث تجاوز الـ100 مليون نسمة، لتصبح الدولة رقم 14 على مستوى دول العالم من حيث عدد السكان. وتتمثل أبرز تحديات المشكلة السكانية في ثلاثة أبعاد رئيسة متداخلة ومتشابكة على النحو التالي:

1- النموالسكاني المتزايد: تغير عدد سكان مصر خلال القرن الماضي، من نحو 13 مليونًا في 1920 إلى نحو 32.7 مليونًا في 1970، ثم إلى 100 مليون في 2020. وخلال القرن الماضي اتجه متوسط الزيادة السنوية إلى الارتفاع عبر الزمن، فقد أضافت مصر إلى سكانها 3.6 ملايين نسمة بين عامي 1920 و1940، ثم 9.3 ملايين نسمة بين عامى 1940 و1960، ثم 16.7 مليون نسمة بين عامى 1960 و1980، ثم 25.5 مليون نسمة بين عامى 1980 و2000، ثم 33.5 مليون نسمة بين عامى 2000 و2020.

ووفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن عدد سكان مصر في سبتمبر 2017 وصل إلى نحو 94.8 مليون نسمة، ثم ارتفع إلى نحو 97.5 مليوناً عام 2018، بينما وصل إلى نحو 98.9 مليون في مطلع 2019. ويبين اتجاه عدد المواليد السنوي خلال الفترة من 2000 إلى 2019 أن الثبات في عدد المواليد -والذي ظل سائدًا عند مستوى 1.8 مليون مولود سنويًّا في السنوات الخمس الأولى -أعقبه اتجاه إلى الزيادة بدءًا من عام 2006 ليصل إلى 2.7 مليون مولود عام 2014، بزيادة نحو 50% في 8 سنوات، وهى زيادة ضخمة مع الوضع في الاعتبار تبعاتها على قطاعات عديدة، منها قطاع التعليم. 

ولتوضيح دلالة عدد المواليد في مصر مقارنة بمواليد دول أخرى، يمكن الإشارة إلى أن إجمالي عدد مواليد مصر خلال الفترة (2015-2020) بلغ 12.9 مليون مولود، وهو ما يعادل عدد المواليد خلال الفترة نفسها لكل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد والنرويج وفنلندا مجتمعة. وفي المقابل يصل تقدير إجمالي عدد سكان هذه الدول في عام 2020، إلى نحو 261 مليون نسمة، أي أكثر من مرتين ونصف عدد سكان مصر. ويمكن الوصول إلى النتيجة نفسها إذا ما تمت مقارنة عدد مواليد مصر بعدد مواليد دول نامية أخرى.

وتشير تجارب دول آسيوية عديدة إلى نجاح ملحوظ في ضبط وتيرة النمو السكاني، ومنها فيتنام والتي يصل عدد سكانها إلى 97.3 مليون نسمة، إلا أن عدد مواليدها خلال الفترة من 2015 إلى 2020 يساوي ثُلثي عدد مواليد مصر خلال الفترة نفسها. أما الصين والتي انفردت باتخاذ إجراءات حادة وطبقتها بطريقة صارمة فقد شهدت تحولًا أكثر سرعة؛ ففي خلال الفترة من 1960 إلى 1980 ارتفع عدد سكان الصين بنحو 51%، لتكسر الصين حاجز المليار نسمة في عام 1980 بعد أن كان عدد سكانها في عام 1960 نحو 660 مليون نسمة. ونتيجة لتطبيق سياسة الطفل الواحد انخفضت معدلات الزيادة السكانية في الصين لتصل إلى 29% خلال الفترة من 1980 إلى 2000. وواصلت الصين ضبط معدلات النمو السكاني خلال الفترة (2000- 2020)، حيث زاد عدد سكانها بنحو 11% فقط. وقد أدى هذا الانخفاض السريع في معدلات الإنجاب إلى زيادة متوسط الإنتاجية.

2- الخصائص السكانية: تتضح إشكالية اختلال التركيب العمري للسكان في ضوء المسح السكاني الصحي لعام 2014، ونتائج التعداد السكاني لعام 2017، حيث شهد الهرم السكاني لمصر تغيرًا فيما بين تعدادي 2006 و2017، إذ اتسعت قاعدة الهرم لتدل على زيادة نسبية في التركيبة العمرية لصالح الشريحة الأصغر عمرًا، ففي حين كانت نسبة السكان أقل من 5 سنوات في تعداد 2006 نحو 10.6%، ارتفعت النسبة إلى 13.6% في 2017. وحدث ذلك أيضًا في الفئة العمرية التالية، بالتوازي مع اتجاه مؤشرات الإنجاب إلى الارتفاع، مما أدى إلى زيادة الإعالة، والتكاليف الاقتصادية، وشكل ضغطاً على سوق العمل، فضلاً عن ما يفرض من زيادة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الفئات المختلفة.

3- توزيع السكان: ترتبط المشكلة السكانية في مصر بالتوزيع غير المتكافئ للسكان على مساحة الدولة، حيث لا تزال محافظة القاهرة تتصدر جميع المحافظات بواقع 10.6% من جملة السكان، تليها محافظة الجيزة والتي ارتفعت نسبة سكانها إلى 9.1% من إجمالي سكان الجمهورية، وكذلك محافظة الشرقية التي ارتفعت نسبة سكانها إلى 7.6%. وتظل محافظات جنوب سيناء والوادي الجديد والبحر الأحمر من أقل المحافظات استيعاباً للسكان على الرغم من الإمكانات المتاحة بها.

وبالتالي يمكن القول إن اختزال المشكلة السكانية باعتبارها زيادة سكانية فقط يعد اختزالاً في أبعاد المشكلة، إذ يجب النظر إليها بصورة أشمل تتضمن أبعادها الثلاثة، وهى تراجع خصائص السكان (والتي تشمل التعليم، والصحة، والمشاركة في قوة العمل، ومتوسط دخل الفرد)، والتوزيع غير المتكافئ للسكان، ووجود فجوات كبيرة بين مناطق الجمهورية المختلفة في الوجه القبلي وخاصة في الريف، وكذلك بين الذكور والإناث في معظم المؤشرات التنموية.

وهكذا، تبدو القضية السكانية معقدة بسبب تشابك ملفاتها، خاصة وأن الوزن السكاني لأي دولة يمثل سلاحاً ذا حدين، فيمكن أن يمثل قيمة مضافة وثروة يجب استغلالها، كما يمكن أن يمثل عبئاً واستنزافاً للموارد، خاصة التي تتسم بالندرة في ظل تزايد الاحتياجات.

إن الحديث عن السكان كثروة أو مشكلة، يعنى أننا أمام تحدى الواقع وآمال المستقبل، ومن ثم فالمطلوب تحديد أساس وجوهر المشكلة، وطبيعة التعامل معها، والتي تتراوح بين كونها مشكلة تنظيم أسرة يجري العمل على التعامل معها لتخفيف معدل النمو السكاني، وبين كونها مشكلة تنموية، وهو ما يتطلب رؤية وتكامل سياسات.

انطلاقاً من ذلك، يمكن تناول عدد من الملاحظات الرئيسية المرتبطة بالقضية السكانية وآليات معالجتها، وذلك على النحو التالي:

1- تفرض القضية السكانية نفسهاعلى الدولة والمجتمع ضمن أولويات عملية الإصلاح والبناء، وذلك بناءً على مخاطراستمرارالزيادة السكانية في ظل الضغط على الموارد.

2- إن شبابية الهيكل السكاني توفر مزايا تتعلق بنسبة الإعالة والإنتاجية، إلا أنها تتطلب سياسات داعمة لهذا الهيكل كقيمة مضافة وثروة بشرية.

3- إعادة النظر في عملية إدارة الاقتصاد والمجتمع حتى يمكن دفع عملية توظيف الطاقة البشرية، بالقدر الذي يسمح بتفعيل المشاركة والمسئولية المجتمعية ويزيد من معدلات التنمية.

4- أهمية التنمية الإقليمية المتوازنة، ويعتمد ذلك على التحديد الدقيق للطاقة الاستيعابية السكانية لإقليم الوادي والدلتا، والحصر الدقيق للوجهات السكانية المناسبة لعملية الهجرة السكانية العكسية للأقاليم الجغرافية الجديدة، وتحديد إمكانياتها الاستيعابية من خلال الاستثمارات المتنوعة.

5- أهمية صياغة سياسات تعليمية وتدريبية وصحية تهدف إلى تحسين خصائص السكان الاجتماعية والاقتصادية كى يصبح قوة محركة للتنمية الاقتصادية المطلوبة.

6- ضرورة تحقيق التكامل بين مجموعة من المداخل الأساسية منها: زيادة الاعتماد على التصنيع وتحديث القطاع الزراعي، ورفع درجة الوعى المجتمعي، والارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية من تعليم وصحة وبيئة، وتفعيل أطر الشراكة بين القطاعات الثلاثة (الحكومة والخاص والأهلي)، ودعم أطر الحوار المجتمعي وبلورة قوة مجتمعية قادرة على مواجهة القضية السكانية بكل أبعادها، حيث أن تكامل هذه الجهود هو الضامن لتحقيق التنمية المتوازنة.

طباعة
د. إيمان مرعى

نائب رئيس تحرير مجلة أحوال مصرية