متابعات تحليلية

الانتخابات الألمانية: مشهد سياسي جديد في مرحلة ما بعد ميركل

طباعة

شهدت انتخابات البرلمان الاتحادي الألماني (البوندستاج) التي أجريت في 26 سبتمبر الحالي (2021)، تحولات بارزة على مستوى الشخصيات السياسية المرشحة لمنصب المستشار (رئيس الحكومة)، تتوازى مع تغيرات أساسية في خريطة توزيع المقاعد وموازين القوى السياسية وشعبية مختلف الأحزاب الألمانية، وخاصة بعد الإعلان المبكر للمستشارة انجيلا ميركل عدم خوضها الانتخابات وعدم سعيها للاستمرار في منصب المستشارة الذي تشغله دون انقطاع منذ عام 2005.

ومن دون شك، فإن رحيل ميركل، التي استمرت في الحكم قرابة 16 عاماً، سيترك فجوة كبيرة في برلين، وسيقع على عاتق خليفتها الكثير ليفعله، خاصة في ظل العديد من التحديات الداخلية والمعادلات الدولية المعقدة، حيث أن نفوذها لم يقتصر على الداخل الألماني فحسب، بل كانت زعيمة لا غنى عنها في القارة الأوروبية ككل. لذلك تلوح تساؤلات في الأفق حول إمكانية حدوث تغيرات ملموسة في السياسة الألمانية، مع تشكيل الحكومة المقبلة، خاصة في ظل احتمال حدوث تحول تجاه اليسار.

لكن يبدو أن نتيجة التصويت قد تفرض صعوبات عديدة أمام تشكيل ائتلاف من حزبين للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية. وربما يعني ذلك إجراء مفاوضات طويلة الأمد بعد الانتخابات، وتشكيل حكومة غير متجانسة أيديولوجياً، على نحو يجعل من الصعب إنجاز أى خطط أو تبني أى سياسات. ومن ثم فإن تأسيس تحالف من ثلاثة أحزاب– وهو تجربة غير مألوفة على المستوى الفيدرالي- قد يكون النتيجة الأكثر احتمالاً، إذ ربما يجمع أفضل الجوانب من برنامج كل حزب، لكن ذلك في الغالب لن يمنع اندلاع الكثير من الخلافات الداخلية حول اتخاذ القرارات في ظل التباينات الشاسعة بين معظم القوى، خاصة مع غياب مستشار يتمتع بنفوذ ميركل.

تعقيدات النظام الانتخابي

لا تجري عملية انتخاب المستشار الجديد بشكل مباشر، حيث يختار الألمان في المرحلة الأولى النواب الذين سيشكلون البوندستاج. لكن اللافت في النظام الانتخابي الألماني، أن عدد مقاعد البرلمان غير مستقر، نتيجة المزج بين نظامى الانتخاب المباشر والتمثيل النسبي، من خلال اختيار النواب والأحزاب في آن واحد، حيث يقوم الناخب بوضع علامتين على ورقة الاقتراع: الأولى خاصة بالنائب الذي يختاره، والثانية خاصة بالحزب الذي يدعمه.

وهنا، فإن ذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى زيادة عدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب مقابل عدد أقل من النواب المنتمين له، على نحو يفرض في النهاية منحه مزيداً من المقاعد، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع عدد أعضاء البرلمان باستمرار، حيث تتوقع اتجاهات عديدة أن يتجاوز حاجز الـ800 نائب في الدورة الجديدة. ويقضي هذا النظام أيضاً بعدم دخول الأحزاب التي لا تتمكن من الحصول على نسبة 5% من التصويت الثاني، بهدف الحيلولة دون تفتت التركيبة الحزبية للبرلمان الجديد، وتقليص احتمالات وصول أحزاب قد تتبنى توجهات متطرفة.

وبعد ذلك، تأتي مرحلة اختيار المستشار الجديد وتشكيل الحكومة، حيث تنخرط الأحزاب الفائزة في تحليل النتائج وتقييم خريطة توازنات القوى الجديدة التي أنتجتها الانتخابات، ثم إجراء مشاورات بين الشركات المحتملين لتشكيل ائتلاف حكومي. ويفتتح تلك المشاورات مرشح الحزب الحائز على أكبر عدد من المقاعد لمنصب المستشار، حيث يقوم بإجراء اتصالات مع الأحزاب التي يرغب الحزب الأول في إشراكها في الائتلاف الجديد. وتستغرق هذه المرحلة فترة لا تبدو قصيرة في ضوء طول أمد المباحثات حول البرنامج الحكومي الجديد وتوزيع الحقائب الوزارية، فضلاً عن اضطرار كل حزب إلى العودة لقواعده المؤسسية من أجل استقطاب تأييدها للمشاركة مع أحزاب أخرى في الائتلاف. وعلى سبيل المثال، فقد استغرقت عملية تشكيل الائتلاف الحكومي الأخير برئاسة ميركل نحو ستة أشهر، حيث أجريت الانتخابات في 24 سبتمبر 2017، وأدت ميركل اليمين الدستورية في 14 مارس 2018.

خريطة سياسية جديدة

تطرح النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات الألمانية دلالات سياسية عديدة يتمثل أبرزها في:

1- تصاعد حدة الاستقطاب السياسي: وهو ما يبدو جلياً في الرسائل المباشرة التي وجهها الحزبان الحاصلان عن النسبة الأكبر من الأصوات، والتي أوضحا فيها الخيارات التي سوف يتبعاها للتعامل مع المعطيات الجديدة التي فرضتها تلك النتائج. فقد أعرب الحزب الاشتراكي الديمقراطي- الذي حصل على 25.7% من الأصوات- عن تطلعه إلى تشكيل الحكومة الجديدة. وقال مرشحه لمنصب المستشار أولاف شولتز: "إن الحزب المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي (الفرع البافاري) لم يخسرا أصواتاً فحسب، بل تلقيا رسالة من المواطنين مفادها أنه لا ينبغي أن يكونا في الحكومة بل في المعارضة"، مضيفاً أن "الناخبين الألمان يريدونه مستشاراً مقبلاً". وربما يؤشر ذلك إلى أن ألمانيا تبدو مقبلة على تحولات عديدة قد لا تقتصر فقط على المستوى الداخلي، وإنما قد تؤثر أيضاً على اتجاهات السياسة الخارجية أيضاً.

في مقابل ذلك، تعرّض الحزب المسيحي الديمقراطي لهزيمة واضحة، إذ حصل على 24.1% من الأصوات، وتراجعت نسبة الأصوات عن 30% للمرة الأولى منذ عقود عديدة، حيث حصل في انتخابات 2017 على 32.8% من الأصوات. ومع ذلك، فإن مرشحه لمنصب المستشار أرمين لاشيت بدا حريصاً بدوره على تأكيده قدرته على تشكيل ائتلاف حكومي يقود البلاد في المرحلة القادمة رغم إقراره بالهزيمة التي منى بها الحزب.

2- معارضة قوية في البرلمان: ربما يؤدي تصاعد حدة الاستقطاب السياسي بين الحزبين الرئيسيين إلى تأسيس معارضة قوية للحكومة الجديدة في البرلمان، باعتبار أنه قد يكون من الصعب على الحزبين الكبيرين المشاركة في ائتلاف حكومي واحد- رغم أن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده- في ضوء تطلعهما إلى الحصول على منصب المستشار. وربما يؤدي ذلك إلى تعرض ألمانيا لأزمات سياسية عديدة نتيجة العقبات المتوقع أن تواجهها الحكومة القادمة في سبيل تمرير مشروعاتها وبرامجها. وقد ساعد وجود معارضة ضعيفة في البرلمان السابق- نتيجة اتساع مساحة الخلافات بين القوى التي انضمت لها- الائتلاف الحكومي السابق بقيادة ميركل على تمرير سياسته وبرامجه بشكل كبير.

3- تباين مواقع الأحزاب الأخرى: رغم أن حزب الخضر حصل على المركز الثالث بتحقيقه نسبة 14.8% من الأصوات، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق هدفه السياسي بالمنافسة على منصب المستشار.وربما يعود حصول الحزب على هذه النسبة إلى اعتبارات عديدة تنصرف إلى تزايد الاهتمام بقضايا البيئة والتغيرات المناخية خلال الفترة الماضية. وقد يكون ذلك سبباً في تمكين الحزب من احتلال موقع مهم في المشاورات التي سوف تسبق عملية تشكيل الائتلاف الحكومي، على نحو قد يعزز من قدرته على التأثير في السياسات التي سوف يتبعها هذا الائتلاف- في حالة مشاركته فيه- على المستويين الداخلي والخارجي.

وتشير اتجاهات عديدة، على سبيل المثال، إلى أن الحزب سوف يسعى- في حالة مشاركته في الائتلاف الحكومي القادم- إلى تبني سياسة أكثر تشدداً في العلاقات مع الصين وروسيا، لاسيما فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، فضلاً عن أنه كان من ضمن القوى التي دعت إلى وقف العمل بمشروع خط أنابيب الغاز الروسي "نورد ستريم 2"، لمنع روسيا- في رؤيته- من استغلال ذلك لممارسة ضغوط على ألمانيا.

في حين جاء الحزب الديمقراطي الحر في المرتبة الرابعة، بحصوله على 11.5% من الأصوات، وهو ما قد يعزز من فرصه في المشاركة في ائتلاف حكومي بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، رغم وجود عقبات قد تحول دون ذلك، على غرار التباينات القائمة بين الطرفين حول ملفات مثل الضرائب.

4- تراجع اليمين واليسار الراديكالي: تؤشر نتائج الانتخابات إلى تراجع نفوذ اليمين واليسار الراديكالي في ألمانيا، حيث حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على 10.3% من الأصوات، بعد أن كان ثالث أكبر الأحزاب في انتخابات 2017. وقد تبنى الحزب في الفترة الماضية سياسات يمينية متشددة إزاء القضايا العالقة باللاجئين والمسلمين بشكل عام، لدرجة أن الاستخبارات الداخلية الألمانية أصدرت قراراً، في أبريل 2021، بوضعه ضمن ما يسمى بـ"الحالات المشبوهة"التي تعني أنه أصبح خاضعاً لرقابة الشرطة. وربما يدفع ذلك الأحزاب الرئيسية إلى العزوف عن ضمه إلى أى تشكيل حكومي قادم.

سيناريوهات محتملة

في ضوء النتائج السابقة التي أكدت تقدم الاشتراكيين والخضر وتراجع الاتحاد المسيحي، يمكن طرح مسارات ثلاثة محتملة لتشكيل الحكومة القادمة: المسار الأول، يتمثل في تأسيس تحالف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار الوسط)، والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي)، وحزب الخضر، لتمكينه من الحصول على النصاب المطلوب، إلا أن هذه المهمة قد لا تبدو سهلة في ضوء اتساع نطاق التباينات بين تلك القوى حول العديد من القضايا الرئيسية.

فيما ينصرف المسار الثاني، إلى تشكيل تحالف بين حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، وحزب الخضر، والحزب الديمقراطي الحر، وهو التحالف نفسه الذي لم يتحقق بعد انسحاب الأخير من المفاوضات عام 2017 وتأكيده أنه لن يدخل ائتلاف حكومي تقوده ميركل، ما دفع الأخيرة لتكوين ائتلاف أوسع مع الاشتراكيين. إلا أن المتغيرات الجديدة التي فرضتها نتائج الانتخابات، فضلاً عن خروج ميركل من المشهد السياسي ربما يزيدان من احتمالات تكوين هذا الائتلاف.

ويتعلق المسار الثالث، بتأسيس "الائتلاف الكبير"، الذي يضم الحزبين الرئيسيين، وهما الاشتراكي الديمقراطي والمسيحي الديمقراطي، وهو مسار قد يحدث في حالة فشل مفاوضات كل منهما لتكوين ائتلاف حكومي يقوده، إلا أن الخلافات الشاسعة فيما بينهما فضلاً عن الرسائل المسبقة التي قاما بتوجيهها مؤخراً توحي بأن ذلك قد يمثل الخيار الأخير لكليهما.

طباعة
مرام ضياء

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية