متابعات تحليلية

كيف تتعامل واشنطن مع أزمة إقليم تيجراى الإثيوبي؟

طباعة

في إطار المساعي الأمريكية لإيجاد مخرج والدفع نحو تسوية لإنهاء الصراع الدائر في إقليم تيجراي الإثيوبي منذ نوفمبر 2020 مع اقترابه من عامه الأول، جاءت استجابة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بإقرار أمر تنفيذي، في 17 سبتمبر الجاري (2021)، يمنح وزارة الخزانة الأمريكية السلطة اللازمة لفرض عقوبات شاملة جديدة تستهدف أطراف الصراع من أفراد وكيانات تنتمي لأي من الحكومتين الإثيوبية والإريترية وجبهة تحرير تيجراي وحكومة إقليم أمهرة، في محاولة لوقف الحرب في شمال إثيوبيا، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية والإغاثية للمتضررين في مناطق الصراع، خاصة في ظل تحذيرات الأمم المتحدة من تفاقم الأوضاع الإنسانية لأكثر من 90% من سكان تيجراي الذين يتجاوز عددهم 6 ملايين نسمة، وهو ما يطرح تساؤلات حول تطورات الصراع في إقليم تيجراي ومآلاته في المدى القصير، كما يلقي بظلاله على العلاقات الأمريكية- الإثيوبية التي تشهد توترًا واضحًا خلال الفترة الأخيرة.

سياق  مرتبك 

تأتي تلك الإجراءات لتعكس تطورًا ملحوظًا في الموقف الأمريكي إزاء الصراع في تيجراي الذي لم يتجاوز إصدار البيانات الرسمية منذ اندلاعه، والتي تحث الأطراف على إيقاف الحرب الإثيوبية. وإن كان قرار بايدن الأخير لم يقترن بمدى زمني محدد لتنفيذه ضد الكيانات المتورطة، خاصة أن الإدارة الأمريكية تأمل في إنهاء الاقتتال في البلاد قبل تفعيل فرض العقوبات التي ربما لا تتجاوز تجميد الأصول وحظر السفر، وهو ما قد يدفع أمراء الحرب الإثيوبية إلى التقليل من أهمية القرار وعدم الاعتداد به في ضوء تعقد الحسابات الدولية والإقليمية بشأن احتمالات تمدد الصراع في مناطق أخرى في الدولة الإثيوبية وانعكاساته على السلام الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي. بالإضافة إلى فشل المحاولات الأمريكية خلال الشهور السابقة في الضغط على الأطراف المتصارعة لإنهاء الصراع بما في ذلك قرار فرض قيود على التأشيرات على المسئولين الإثيوبيين والإريتريين الصادر في 22 مايو الماضي، وفرض عقوبات أمريكية في 23 أغسطس الماضي على الجنرال فيليبوس فولديهانيس، رئيس أركان الجيش الإريتري، عقب تورط قواته في بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان في إقليم تيجراي.

ورغم ذلك، ظهرت تكهنات باحتمال صدور قرار تشريعي من الكونجرس الأمريكي خلال الأسابيع المقبلة لتعزيز الجهود الأمريكية بخصوص المساءلة عن الصراع في تيجراي [1]، لا سيما أن هناك بيانًا مشتركًا قد صدر مؤخرًا من بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي -بوب ممينيديز وكريس كونز- يتعهد باتخاذ إجراءات تشريعية إزاء استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، مع التأكيد على عدم التسامح مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعنف العرقي في البلاد [2].

وقد جاء هذا القرار عقب تحركات عدة للإدارة الأمريكية تجاه الصراع سعيًا منها لمنع تفاقم الحرب الإثيوبية، والحيلولة دون انزلاق الدولة الإثيوبية في الفوضى التي تنذر بعواقب وخيمة تهدد وحدة البلاد. فقد دفعت واشنطن منذ اللحظة الأولى نحو حل سلمي للصراع وضرورة إجراء حوار وطني شامل بين الأطراف الإثيوبية، وقدمت الدعم لكافة الدعوات الدولية والأممية لإنهاء الاقتتال في الشمال الإثيوبي مثل الحوار الذي أجراه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن الصراع الداخلي في إثيوبيا في 13 سبتمبر الجاري [3]. وفي 21 مارس الماضي، أرسل بايدن وفدًا أمريكيًا برئاسة السيناتور كونز للقاء آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، بهدف عرض المساعدة لحل الصراع. وفي أبريل أرسلت واشنطن مبعوثًا خاصًا -جيفري فيلتمان- إلى القرن الإفريقي للمساهمة في معالجة الأزمات في المنطقة لاسيما الصراع في إقليم تيجراي. كما عززت واشنطن مساعداتها للدولة الإثيوبية في المجال الإنساني، فهي تعتبر أكبر مانح منفرد للمعونة الإنسانية هناك، حيث قدمت حوالي 900 مليون دولار خلال عام 2020 من إجمالي المساعدات الإنسانية، كما أسهمت في مواجهة جائحة كوفيد-19، حيث قدمت للحكومة الإثيوبية حوالي 185 مليون دولار، ومليوني جرعة لقاح للجائحة [4].

فيما تستمر حالة التعنت التي يتبناها آبي أحمد الذي يرفض منذ اندلاع الصراع ما أسماه التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي الإثيوبي باعتباره انتهاك للسيادة الإثيوبية، وهو ما دفعه لانتقاد سياسة واشنطن حيال بلاده خاصة بعد رفضه للقرار الأمريكي الأخير بشأن الصراع في تيجراي وذلك في خطابه للرئيس بايدن في 18 سبتمبر الجاري [5]، إذ يصر على أن واشنطن بحاجة إلى فهم حقيقة الوضع الراهن في إثيوبيا. وقد عبر آبي عن سخطه من الموقف الأمريكي تجاه الصراع في إثيوبيا والذي يعتبره متحيزًا للطرف الآخر، من خلال تعمد تجنب مقابلة المسئولين الأمريكيين الذين زاروا أديس أبابا خلال الفترة الماضية مثل مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والمبعوث الأمريكي الخاص فيلتمان والذي تزامنت زيارته مع زيارة آبي أحمد إلى تركيا.

كما شرع النظام الحاكم الإثيوبي في إطلاق بعض الحملات السياسية لتخفيف الضغوط الأمريكية والدولية على آبي أحمد، مثل حملة "البريد الأبيض للبيت الأبيض" خلال الفترة من 13-25 سبتمبر الجاري بهدف إطلاع المجتمع الدولي على حقيقة الوضع الإثيوبي. كما تستهدف أديس أبابا استقطاب دعم الإثيوبيين في المهجر خاصة في الولايات المتحدة، حيث اعترض المجلس المدني الإثيوبي الأمريكي على قرار بايدن، كونه ينفي حقيقة أن جبهة تحرير تيجراي هي العائق الرئيسي لعملية السلام في إثيوبيا. واعتبر المجلس القرار يضر بالعلاقات الثنائية بين واشنطن وأديس أبابا، كما يهدد السلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي، وهو ما يجعل الأمر معقدًا فيما يتعلق بالتوصل إلى تسوية قريبة لهذا الصراع برغم الضغوط الأمريكية في ظل إصرار آبي أحمد على التعامل مع جبهة تحرير تيجراي على أنها تنظيم إرهابي، وفي ظل رفضه للقبول بأي وسيط إقليمي ودولي منذ اندلاع الصراع مثل الاتحاد الإفريقي والسودان وأوغندا.

يأتي ذلك في الوقت الذي رحبت فيه جبهة تحرير تيجراي بقرار الرئيس بايدن، واعتبرته خطوة في الاتجاه الصحيح، وأنها لا تمانع إطلاق الحوار لتسوية الصراع، وهو ما يعكس ثقة الجبهة في الحصول على مكتسبات استراتيجية حال إنهاء الصراع وإطلاق الحوار الوطني برعاية دولية، وهو ما فرضته النجاحات العسكرية التي حققتها قوات دفاع تيجراي في ميدان المعركة منذ يوليو الماضي في مواجهة القوات الحكومية وحلفائها والتي تجد صعوبة في تحقيق انتصارات حاسمة في مناطق الصراع.

وتعيش إثيوبيا مشهدًا سياسيًّا وأمنيًّا مرتبكًا تفرضه تطورات الصراع في إقليم تيجراي، وانخراط العديد من الأطراف فيه، الأمر الذي ينذر بتوسيع دائرة العنف في أنحاء البلاد، خاصة مع انضمام القوات الخاصة لبعض الأقاليم الإثيوبية إلى جانب القوات الحكومية في مواجهة قوات دفاع تيجراي، فضلًا عن ظهور بعض الحركات المسلحة التي أعلنت التمرد ضد الحكومة الفيدرالية من أجل إسقاطها في ضوء تصاعد الصراع الداخلي في البلاد؛ الأمر الذي قد يعرقل انعقاد الجولة الثانية من الانتخابات الإثيوبية المزمع عقدها في نهاية سبتمبر الجاري، وقد يضفي مزيدًا من الضبابية حول قدرة حزب الازدهار بزعامة آبي أحمد على تشكيل الحكومة الفيدرالية الجديدة المحتمل في أكتوبر المقبل، في ظل تعقد السياق العام على الساحة السياسية الإثيوبية.

دلالات ورسائل

تحمل هذه الخطوة الأمريكية تجاه أطراف الصراع في إقليم تيجراي الإثيوبي العديد من الدلالات والرسائل الكاشفة لمدى توتر العلاقات الأمريكية- الإثيوبية في هذه المرحلة وحجم التفاعلات الدولية والإقليمية في المنطقة منذ اندلاع الصراع الإثيوبي. وتتمثل أبرز تلك الدلالات في:

1- تفاقم الصراع في إقليم تيجراي: وصل الصراع إلى مرحلة متقدمة، فلا تزال المواجهات العسكرية مستمرة بين قوات دفاع تيجراي من جانب، والقوات الحكومية والميلشيات المتحالفة معها من جانب آخر، على الجبهات الثلاثة -شرق وغرب وجنوب تيجراي- وسط موجة من التحالفات الجديدة بانضمام بعض الحركات المسلحة إلى ساحة المواجهة تحت إمرة جبهة تحرير تيجراي؛ وهو ما يوسع نطاق الصراع على مساحة جغرافية أكبر في أنحاء البلاد. كما تتزايد المخاوف من تصاعد العنف في الإقليم وبعض المناطق الأخرى مع قرب انتهاء موسم الأمطار، مما قد يسمح بمزيد من الحركة في المنطقة، الأمر الذي يعقد الصراع الإثيوبي، خاصة مع تفاقم الأوضاع الإنسانية التي ترصدها العديد من التقارير الدولية، مما ينذر بصعوبة إخضاع الأطراف المتصارعة في تسوية الصراع في المدى المنظور.

2- تغيير سلوك أطراف الأزمة: تضغط واشنطن من أجل الدفع نحو حل سلمي للصراع بين الأطراف المتصارعة بما فيها الجانب الإريتري، ودعم وساطة الاتحاد الإفريقي من أجل إنهاء الحرب والاقتتال في تيجراي، والجلوس على طاولة المفاوضات، والبدء في إجراء حوار وطني شامل.

3- تفنيد ادعاءات القوى المنخرطة:وذلك من خلال السماح للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية الدولية بمراقبة الأوضاع عن قرب في شمال إثيوبيا لتحديد الأطراف المتورطة في الصراع، في ضوء حالة التعتيم الإعلامي الذي فرضته السلطات الإثيوبية على ما يجري في إقليم تيجراي والترويج فقط لروايتها الرسمية محليًا وإقليميًا ودوليًا. ومن ثم البدء في التحقيق بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما قد يهدد بعض المسئولين الإثيوبيين ويعرضهم لعقوبات رادعة.

4- استبعاد الحل العسكري للصراع: تدرك واشنطن أهمية الحفاظ على سيادة إثيوبيا وسلامتها الإقليمية، كونها حليفًا مهمًا في منطقة القرن الإفريقي في عدد من الملفات على رأسها الحرب على الإرهاب، فضلًا عن دورها المحوري في تعزيز استقرار المنطقة كقوة إقليمية مهيمنة. وبالتالي ترفض واشنطن فشل الدولة الإثيوبية وانزلاقها إلى مرحلة الفوضى بما قد ينذر بتفكيك البلاد إلى دويلات صغيرة تهدد أمن واستقرار القرن الإفريقي بشكل عام.

5- توتر العلاقات الأمريكية- الإثيوبية: وهي مرشحة للاستمرار في ضوء استمرار نقاط الخلاف بين الطرفين، حيث تشعر واشنطن بالحرج تجاه استمرار الصراع وما يصاحبه من تفاقم للأوضاع الإنسانية، في الوقت الذي يرفض فيه آبي أحمد التدخل الأمريكي في الشأن الإثيوبي، ويتهم إدارة بايدن بالتحيز ضد النظام الحاكم في إثيوبيا لصالح جبهة تحرير تيجراي، وهو ما قد يجعل آبي أحمد هدفًا مباشرًا للعقوبات الأمريكية خلال الفترة المقبلة ما لم تخضع أطراف الصراع الإثيوبي للضغوط الأمريكية الرامية إلى وقف إطلاق النار والتفاوض بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير تيجراي.

6- تنامي التنافس الأمريكي - الصيني في إثيوبيا: تسعى واشنطن لتأكيد قدرتها على التحول إلى الطرف الأبرز الذي يمتلك أوراق الضغط الرئيسية ومفاتيح الحل في الأزمة الإثيوبية، وهو ما يمثل رسالة إلى الصين تحديدًا، حيث تتوسع بكين بشكل كبير في دول القرن الإفريقي لاسيما إثيوبيا عبر ضخ المزيد من الاستثمارات والمشروعات الضخمة، وتعزيز حضورها العسكري هناك، وهو ما يجد ترحيبًا لدى النخبة الحاكمة الإثيوبية، خاصة أن الموقف الصيني يتبنى الرواية الرسمية الإثيوبية إزاء الصراع في إقليم تيجراي، كما يرغب آبي أحمد في توسيع دائرة تحالفاته الدولية كبديل للعلاقات المتوترة مع إدارتي ترامب وبايدن حتى الآن، مما يعني أن التوتر الأمريكي- الإثيوبي ربما يستمر خلال الفترة المقبلة حتى حسم هذا الملف.

وإجمالًا؛ قد يدفع استمرار الصراع الإثيوبي في إقليم تيجراي واشنطن إلى تفعيل العقوبات ضد أطراف هذا الصراع، وربما إلى تصعيدها في مراحل تالية، خاصة أن هناك إصرارًا لدى آبي أحمد وحلفائه على تحقيق الانتصار وإقصاء جبهة تحرير تيجراي من المشهد السياسي الإثيوبي والسيطرة على الإقليم بهدف تنفيذ مشروعه السياسي الداخلي، الأمر الذي يصعب معه التوصل إلى اتفاق حول إنهاء الحرب في المدى القريب، وما يمكن أن يصاحبه من تداعيات سلبية على وحدة الدولة الإثيوبية، وتهديد الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي، وتهديد المصالح الدولية الاستراتيجية في المنطقة.


[1]- Jennifer Hansler, Betsy Klein and Nima Elbagir,BREAKING: President Biden signs executive order authorizing new Ethiopia sanctions amid reports of atrocities, Eritrea Hub, 17 September 2021, available at: https://bit.ly/2XxScgx

[2]- Anita Powell, Wayne Lee, Biden Opens Door to Sanctions Over Tigray Conflict, Voice of America, 17 September 2021, available at: https://bit.ly/2XybuCT

[3]- Declan Walsh, Biden Threatens New Sanctions Against Ethiopia War Leaders, The New York Times, 17 September 2021, available at: https://nyti.ms/2XHRQUX

[4]- FACT SHEET: Biden-⁠Harris Administration Actions in Response to Ongoing Crisis in Northern Ethiopia, Eritrea Hub, 17 September 2021, available at: https://bit.ly/3AoX06t

[5]- Ethiopia PM Abiy writes open letter to President Joe Biden, New Business Ethiopia, 18 September 2021, available at: https://bit.ly/3knYTe7

طباعة
أحمد عسكر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية