متابعات تحليلية

دراما الاستقطاب: كيف عكس مسلسل "گاندو" الخلاف السياسي في إيران؟

طباعة

للدراما وضع خاص في الداخل الإيراني، وعادة ما يتم توظيفها لأهداف سياسية واجتماعية، نظراً لاحتكار مجال الإنتاج من قبل مؤسسات النظام، وفي ظل الرقابة المشددة والمتشددة مع ما تقدمه هذه الدراما من محتوى، وقد فرضت تلك البيئة الخانقة للقائمين علي صناعة الدراما في البلاد، سيناريوهين لا ثالث لهما، أولهما الاتجاه للخارج والعمل في هذا المجال بعيداً عن سلطة وتسلط الأجهزة الرقابية، أو العمل حسب توجهات النظام وقيوده في الداخل.

ووفق هذا المشهد جاء مسلسل "گاندو" ذو الإطار البوليسي التشويقي ليثير جدلاً غير مسبوق في إيران مع عرض أول حلقة في موسمه الثاني في شهر يونيو 2021، حيث واصل المسلسل الجدل الذي تسبب فيه مع عرض موسمه الأول الذي عرض عام 2019، لاسيما في ظل الضبابية التي فرضت حول ممولي المسلسل، والمسئولين عن خروجه بهذا الشكل في الوقت الذي يعاني فيه قطاع الإنتاج الدرامي من نقص الأموال اللازمة لنمو القطاع واستمراره.

صورة مغايرة

يعد مسلسل "گاندو" -الذي يعني بالفارسية تمساح إيراني صغير الحجم لكنه شرس-  أكثر الأعمال الدرامية في إيران إثارة للجدل، بسبب ما ظهر في المسلسل من انتقادات صريحة وواضحة للحكومة الإيرانية السابقة بقيادة الرئيس حسن روحاني، وتناولها للعديد من الشخصيات السياسية البارزة بالتشويه، وبشكل مغاير للتناول الدرامي التقليدي السابق لمعارضي النظام ورافضي سياساته، حيث اعتادت الأعمال الدرامية علي تصويرهم على أنهم خونة وتابعين للغرب. لكن في مسلسل "گاندو" انتقل هذا التناول إلى مستوى جديد من تمجيد مؤسسات النظام، واستعراض قوة الدولة العميقة، في مواجهة هؤلاء، وإظهار مسئولي التيار الإصلاحي الذين سيطروا علي الأجهزة التنفيذية في البلاد، بالضعفاء والمنحازين للغرب ومنقوصي الخبرة في إدارة الدولة.

وقد تناول المسلسل في موسمه الأول جهود أجهزة الاستخبارات الإيرانية في التصدي لممارسات الاستخبارات الأمريكية، أما الموسم الثاني فقد خصصه القائمون على المسلسل لعرض ممارسات الاستخبارات البريطانية ومحاولات الاستخبارات الإيرانية الحيلولة دون تنفيذ مخططاتها ضد إيران. ويشير المسلسل في هذا الإطار إلي وجود علاقة وطيدة بين بعض هؤلاء الجواسيس، ومسئولي الحكومة السابقة، ومحاولات وزارة الخارجية إحباط عمليات اعتقالهم، بل وأشار المسلسل إلى وجود جاسوس بين أعضاء الفريق التفاوضي بشأن الملف النووي مع الغرب.

وبالرغم من عرض المسلسل من قبل التلفزيون الرسمي للبلاد وعبر قناته الثالثة، فإن ضبابية فرضت على مصدر تمويله وجهة إنتاجه الحقيقية، حيث أثيرت تساؤلات حول الإنتاج الضخم الذي خرج من خلاله المسلسل الذي تم تصويره في إيران وتركيا والصين، وشارك فيه أكثر من 140 ممثل، كما شارك فيه ممثلون أتراك وصينيون، في ظل الأزمات التي تعانيها قطاعات الإنتاج الدرامي والسينمائي في البلاد.

وأشارت من جانبها مجلة فورين بوليسي في مقال بعنوان "Irans Hard-Liners Are Using a TV Thriller to Undermine Their Rivals"  للكاتب Sina Toossi، نشر بتاريخ 28 أبريل 2021، إلى أن المسلسل "الدعائي" لمؤسسات الدولة العميقة، قد تم إنتاجه برعاية الحرس الثوري من قبل معهد "شهيد أفيني" الفني الثقافي، الذي يشغل فيه مهدي طائب، شقيق حسين طائب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، منصب نائب الرئيس، فيما يعد مهدي طائب أشد منتقدي الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني. وهو ما يفسر إلي حد ما كم الهجوم الذي احتواه المسلسل للحكومة والرئيس السابقين.

وقد عكس المسلسل في كثير من مشاهده ليس فقط الخلاف بين التيار المتشدد والتيار الإصلاحي متمثلاً في مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها الطرفان، وإنما أيضاً عكس إلى حد كبير التناقض الذي يعتري المجتمع الإيراني، فللوهلة الأولى يلاحظ المُشاهد البذخ الذي تعيش فيه النخب الحاكمة، حتى أن مباني مساكنهم تشبه تلك المباني التي تحتوي علي الشقق الفندقية التي تظهر في أفلام هوليود، وتختلف أحيائهم السكنية في تنظيمها وحداثتها عن تلك التي يقطنها باقي أفراد الشعب، على الرغم من الشعارات التي يرفعها النظام.

 تعيد هذه المشاهد إلي الأذهان الأزمة الاجتماعية التي كانت قد طفت علي السطح في المجتمع الإيراني خلال عام 2018، بسبب حساب "@RichKidsofTehran" على انستجرام، الذي كشف عن البذخ الذي يعيشه أبناء النخبة الحاكمة والنخبة الاقتصادية في إيران، والذي تم الرد عليه من قبل الشباب الإيراني، بحساب "@PoorKidsofTehran" الذي حمل صور الفقراء في الشوارع والأحياء الفقيرة.

تصفية حسابات

أشار المسلسل إلى الخلاف الكامن في المجتمع الإيراني حول قضايا سياسية كبرى بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ من ناحية، وبين النخبة والمجتمع من ناحية أخرى. ومن أهم القضايا الخلافية التي ألقى المسلسل الضوء عليها، ما يلي:

1- سياسة التفاوض مع الغرب: عكس المسلسل الخلاف النخبوي حول طريقة تفاوض المسئولين الإيرانيين مع الغرب، من خلال مشاهد تنتقد أداء فريق إيران التفاوضي خلال محادثات الاتفاق النووي، الذي أبرم عام 2015، وتتهمه بتقديم تنازلات تضر بالمصالح إيران، والانسياق لضغوط الغرب.

وقد تزايد الجدل بشكل كبير حول المسلسل عقب عرض الحلقة السادسة منه، والتي أظهرت وجود جاسوس ضمن الفريق الإيراني المفاوض في البرنامج النووي مع الغرب، كما ظهرأحد أعضاء فريق التفاوض أطلق عليه اسم "صابونجي" - وهو اسم مشابه لاسم عضوين بارزين من أعضاء فريق التفاوض، هما عباس عراقجي (الذي تمت إقالته في 14 سبتمبر 2021 وتعيين على باقري كني محله) ومجيد تخت روانجي - في دور متخاذل ولا يكترث بمصالح البلاد، وإنما ما يهمه إنهاء عملية التفاوض وتوقيع اتفاق.

كما انتقدت الحلقة ذاتها الاتفاق النووي موضحة أنه لم يحقق أي انفراج اقتصادي في البلاد، وذلك من خلال حديث لمسئول في المخابرات الإيرانية يقول فيه: "زعموا بأن الاتفاق سيخرج البلاد من الأزمة الاقتصادية وسيهبط سعر الدولار، وأن إيران ستنفتح علي العالم، وهذا لم يحدث"، لتشير بعد ذلك أحداث المسلسل إلى عدم ارتياح الشارع الإيراني من غياب التأثير الإيجابي على الأوضاع الاقتصادية.

2- انتقاد سياسات وزارة الخارجية: تناول المسلسل السياسة الخارجية الإيرانية بانتقاد شديد، وقدم وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف بصورة غير لائقة خلال موسمه الأول، دفعت الأخير إلى اتهام التلفزيون الإيراني الرسمي بنشر الأكاذيب وخلق مناخ من عدم الثقة في البلاد. كما قدمت وزارة الخارجية شكوى موجهة إلى المرشد الأعلى للجمهورية خامنئي مفادها أن المسلسل يشوه سمعة وزير الخارجية.

وعند عرض الموسم الثاني احتفظ المسلسل بالنهج ذاته في انتقاد شخص الوزير وسياسته، ما دفع جواد ظريف إلى الإعلان في كلمة له على  "كلوب هاوس" عن أن "هذه الانتقادات تستهدف السياسة الخارجية الإيرانية قبل أن تستهدفه شخصياً".وتجدر الإشارة إلى أن مقال فورين بوليسي - السابق الإشارة إليه - قد أوضح أن الدبلوماسي الإيراني السابق فريدون مجلسي قد أكد أن المسلسل لا يهدف فقط إلى تشويه شخص وزير الخارجية، بل يهدف إلى تشويه مدرسته الفكرية، الداعمة للحوار مع الغرب، بل إنه ذهب إلى أكثر من ذلك عندما رأى أن المسلسل يمهد الطريق أمام محاكمة ظريف وروحاني.

ويمكن ربط الانتقادات التي طالت وزير الخارجية بذلك الجدل الذي أثير قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة حول إمكانية ترشحه لمنصب الرئيس، غير أن أطرافاً قادت حملات تشويه في محاولة للخصم من رصيده، لاسيما أنه يعد أكثر السياسيين شعبية في الداخل الإيراني، بحجة حمله لـ"الجرين كارد"، وعلاقاته مغ الغرب تارة، وانفصاله عن مشكلات المجتمع الإيراني بسبب عمله كدبلوماسي طيلة حياته، تارة أخرى.

3- إعادة فتح قضية مزدوجي الجنسية: يعد موقف المسئولين الإيرانيين من قضية مزدوجي الجنسية أحد أهم النقاط الخلافية مع الغرب، وقد ركز المسلسل علي هذه القضية في موسميه الأول والثاني، كما ألقى الضوء أيضاً على علاقة المعارضين بالخارج.وقد استعان المسلسل في هذا السياق بقضيتين حقيقيتين: الأولى، أشارت ضمنياً إلى قصة اعتقال الصحفي الإيراني الأمريكي جيسون رضائيان، بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة، من خلال تجسيد شخصية حملت اسم مايكل هاشيميان. والثانية، تناولت قضية الصحفي روح الله زام، وأوضحت قصة القبض عليه بالعراق، قبل التنفيذ بحقه حكم الإعدام في 12 ديسمبر 2020، بعدة تهم خطرة كان أبرزها تهمة نشر الفساد في الأرض، إذ أوضح المسلسل تباهى عناصر الحرس الثوري بالخطط والتكتيكات المعقدة التي نجحت في استدراجه من منفاه بفرنسا إلى العراق حيث تم إلقاء القبض عليه، ونقله إلى إيران، لينفذ فيه حكم الإعدام.

فيما ساد اتجاه لدى الرأى العام في الشارع الإيراني بين الموالين للتيار الإصلاحي، مفاده أن هذا التركيز على مصير الرافضين لسياسات النظام، يعد بمثابة تخويف وتأكيد من قبل الأجهزة الأمنية على أن تحركات هؤلاء مرصودة، وتتم مراقبتهم عن كثب، ليكونوا تحت طائلة القانون في التوقيت المناسب. في ظل وجود قاعدة بيانات مفصلة للمواطنين وكاميرات مراقبة منتشرة في أرجاء البلاد كما ظهر في المسلسل.

4- تعزيز دور الحرس الثوري: عكس المسلسل الحساسيات القائمة دائماً بين الحرس الثوري والمسئولين الإصلاحيين في أىٍ من مؤسسات الدولة، لاسيما في الأجهزة التنفيذية. وفي هذا السياق، قدم المسلسل صورة لامعة مثالية لرجال الحرس الثوري، شباباً وقيادات، - بطل المسلسل "محمد" ضابط بالحرس الثوري - حيث أظهرهم المسلسل بالشباب المتدين، الذي يثق في رسالة الحرس الثوري وقوة بلاده، فيما كانت القيادات مُحارِبة للفساد، ومُضحِية بنفسها في سبيل تخليص البلاد من ضغوط الغرب، في حين ظهر المسئولون الحكوميون كشخصيات تفتقر للثقة بالنفس، ساعية لتحقيق مصالح شخصية، أقرب للخائنة بسبب علاقاتها مع الغرب.

ويبدو أن القائمين على المسلسل عملوا على عقد مقارنات طول حلقاته بموسميه الأول والثاني بين أعضاء الحكومة ودوائرها الإصلاحية، وبين المؤسسات العميقة، ومن بينها الحرس الثوري، وباقي المؤسسات التابعة للمرشد الأعلى للجمهورية، لتوجه رسالة مفادها أن رجال الحرس الثوري الأجدر والأكفء لإدارة البلاد وحماية مصالحها.

ويمكن القول في النهاية إنه بقدر ما أثار مسلسل "گاندو" الجدل في الداخل الإيراني، بقدر ما عبّر عن الخلاف والاختلاف المتجذر بين تياري المشهد السياسي في البلاد، وكذلك انقسام الرأى العام بينهما، والذي ظهر بدوره في انقسام الجماهير بين معجب بالمسلسل وبين مستهجن لما ورد فيه، كما عكس حيرة الشباب الإيراني الذي وقف عاجزاً أمام تصديق أو تكذيب ما ورد بالمسلسل، وأمام ما حمله من استقطاب مباشر للجماهير.

طباعة
رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية