مقالات تحليلية

هل يساهم التوافق الدولي والإقليمي في حلحلة الأزمة السورية تدريجيًا؟

طباعة

في ظل عدم وجود تقدم على المسار التفاوضي في الأزمة السورية، اقترح المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون خلال إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن استغلال فترة الهدوء النسبي الحالية على الصعيد العسكري، وعقد الدول المؤثرة لمشاورات استكشافية ينتج عنها إجراءات بناء ثقة تمهد لحل سياسي. لكن هذا الطرح لن يحقق، على الأرجح، أى تقدم، ويمكن بدلاً من ذلك تشجيع تلك الدول للتوافق على ملف واحد في البداية يؤدي إلى حلحلة الأزمة بكاملها تدريجياً.

هدوء نسبي

تضمن الصراع السوري منذ بدايته عام 2011 مجموعة من الأزمات، وانقسمت المواجهات فيه إلى عدة جبهات شملت عمليات عسكرية بين النظام والمعارضة المسلحة، ومواجهات بين قوات التحالف و"داعش"، ومواجهات بين تركيا والأكراد السوريين، وأيضاً غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية إيرانية وسورية. كما تدخلت في الصراع العديد من القوى الإقليمية والدولية، والتي حوَّلت سوريا إلى ساحة للعديد من الأجندات والمصالح المتصارعة. وبعد عشر سنوات من المواجهات تغيرت خريطة القوى في سوريا وأصبح النظام يسيطر فيها على حوالي 70% من مساحة سوريا بينما انقسمت المساحات الباقية بين تركيا والأكراد والولايات المتحدة والمعارضة المسلحة، والتنظيمات الإرهابية.

ورغم المواجهات التي وقعت مؤخراً في الجنوب الغربي والشمال الغربي لسوريا، فإنه يمكن القول إن مختلف الجبهات شهدت هدوءاً نسبياً وخفضاً للتصعيد العسكري منذ توقيع الإتفاق الذي توصلت إليه روسيا وتركياحول الوضع في مدينة إدلب في مارس 2020. وترى بعض التحليلات أن حالة الهدوء الحالية ناتجة عن رضاء وتوافق الأطراف الفاعلة بعد تحقيق أهدافها بصورة نسبية حتى إشعار آخر. فالنظام السوري يكتفي حالياً بمساحة الأراضي التي استعادها من الجماعات المسلحة، مع الوضع في الاعتبار التكلفة الاقتصادية والعسكرية لمحاولة استعادة مساحات أخرى. كما أن روسيا وإيران تكتفيان بما حققتاه من نجاح في الحفاظ على النظام السورى، وتثبيت نفوذ ومصالح كليهما في المنطقة. في حين لا ترغب تركيا في مواجهات عسكرية شمال سوريا تؤدي إلى موجات جديدة من اللاجئين إلى أراضيها التي تستضيف بالفعل أكثر من أربعة ملايين مواطن سوري. كما أنها توصلت إلى صيغة مقبولة نسبياً للتعامل مع مخاطر تواجد قوات الحماية الكردية على حدودها الجنوبية. ومن حين لآخر تشن اسرائيل الغارات على المناطق التي تعتقد أنها تابعة لإيران بهدف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية داخل سوريا، والتي يمكن أن تستخدم ضدها في أي مواجهة محتملة بين البلدين.

ورغم أن اتجاهات عديدة ترجح بقاء الوضع على ما هو عليه خلال الفترة المقبلة دون أى تغيير، إلا أن تقديرات الخبراء ترى أنه لا يمكن الركون إلى هذا التوافق الهش والمؤقت. فالأزمة السورية معقدة وتتشابك مع ملفات عديدة أخرى في المنطقة، وبالتالي يظل احتمال حدوث شئ ما “Trigger”يؤدي إلى اشتعال الموقف ووقوع صدام على نطاق واسع وارد بشدة. ومن هذا المنطلق، شجعت فترة الهدوء النسبي تلك العديد من الأطراف على تقديم مقترحات لجسر الهوة في مواقف القوى الإقليمية والدولية، ودعوتها إلى تبني سياسات توافقية لإنهاء المعاناة الإنسانية للشعب السوري.

طرح أممي

يعتبر تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر عام  2015 وإعلان جنيف، هو محور عمل المبعوث الأممي من خلال تسهيل حل سياسي سوري- سوري  للصراع “Syrian led”. ويطالب القرار بجدول زمني لعملية التحول السياسي وتأسيس نظام حكم غير طائفي، ووضع جدول زمني لصياغة دستور جديد يعقبه عقد انتخابات حرة نزيهة تشمل جميع السوريين في الداخل والخارج تحت إشراف الأمم المتحدة. إلا أن الأمم المتحدة لم تتمكن من إحراز تقدم يذكر في هذه المسارات خلال الفترة الماضية، وظل الموقف السياسي يراوح مكانه. بل إن اللجنة المعنية بصياغة الدستور، والتي تم تشكيلها من 150 ممثلاً عن النظام والمعارضة والمجتمع المدني، لم تتوصل إلي أى تقدم يذكر بعد خمس اجتماعات. ورغم محاولات المبعوث الأممي إقناع الأطراف بعقد جولة سادسة، إلا أن معظم المراقبين لا يتوقعون أن يؤدي هذا المسار إلى شئ ملموس نتيجة تبادل الاتهامات بين الجانبين من جهة وتباين رؤيتى روسيا والدول الغربية من جهة أخرى. وعلى ذلك، تجد الأمم المتحدة نفسها غير قادرة على تنفيذ التفويض الموكل إليها وفق المرجعية الدولية بسبب تناقض مصالح الدول المؤثرة في الملف.

وانطلاقاً مما سبق، وإدراكاً لأن نجاح العملية السياسية في سوريا وتنفيذ القرار 2254 يعتمد بالأساس على توافق القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في سوريا، طرح المبعوث الأممي غير بيدرسون في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن، في 25 يونيو 2021، تصوراً يقوم على دعوة الأطراف الفاعلة لـ"مشاورات استكشافية"  Exploratory Discussions  يمكن من خلالها الاتفاق على مجموعة من الخطوات المتدرجة التي تهدف إلى تحسين حياة السوريين، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من القناعة بأن تلك الخطوات يمكن أن تمهد الطريق نحو محادثات سياسية تؤدي إلى التسوية الشاملة.

عقبات قائمة

يمكن القول إن طرح  المبعوث الأممي- وإن كان صحيحاً من الناحية النظرية ويتفق مع قواعد إجراءات بناء الثقة المتدرجة في حل الصراعات - إلا أن تطبيقه على الأزمة السورية لن يؤدي إلى أى تقدم بسبب طبيعة القضايا الخلافية بين الدول الفاعلة، وعدم قابليتها للحل من خلال إجراءات بناء ثقة. فعلى سبيل المثال، لا يوجد تصور بين الدول الفاعلة في سوريا حتى الآن حول مستقبل مدينة إدلب، أو أحقية النظام السوري في استعادتها، أو محاربة الجماعات الإرهابية بها. كما لا يوجد اتفاق على مستقبل الجماعات المسلحة المختلفة التي تم حشدها فيها كمنطقة آمنة، بما في ذلك "هيئة تحرير الشام"، والتي كانت تابعة لتنظيم "القاعدة" وتم تصنيفها من مجلس الأمن والولايات المتحدة وروسيا وتركيا كجماعة إرهابية. بل بدأت بعض الكتابات في دعوة الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في تصنيف "هيئة تحرير الشام"  كمنظمة إرهابية ومحاولة التوافق معها واستيعابها سياسياً بشروط معينة للاستفادة من وجودها على الأرض في إدلب. ويرى المروجون لهذه الفكرة أن المنظمة بعد قيامها بمراجعات داخلية ابتعدت عن الارتباط بالأيدلوجية السلفية الجهادية وأن تغيير تصنيفها يمكن أن يسهل تقديم المساعدات لسكان إدلب في ظل وضع إنساني متدهور والمحافظة على وقف إطلاق النار، كما يمكنه أيضاً أن يسهل إجراء حوار سياسي مع المنظمة حول مستقبل المدينة. وبالطبع فإن هذا التوجه – في حال تنفيذه- سيزيد من الاختلاف المحتدم أصلاً حول كيفية التعامل مع المنظمة. بل إن تركيا – التي صنفت "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية- سترفض أى محاولة لاستعادة النظام السوري لإدلب لما سينتج عن ذلك من موجات هجرة وأيضاً هروب المجموعات الإرهلبية المسلحة إلى عدة دول أخرى.

ويضاف لملف إدلب ملفات أخرى مثل مستقبل قوات الحماية الكردية، ووضع الأكراد في شمال سوريا، ومستقبل تواجد القوات التركية، والدور الأمريكي في سوريا، وتأثير التواجد الإيراني العسكري على إسرائيل، وجدوى العقوبات الإقتصادية على سوريا، ومستقبل النظام السوري وبقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم، وصفقات إعادة الإعمار، وغيرها الكثير من الملفات الخلافية.

كما أن الخلافات ليست فقط بين الدول المؤيدة للنظام السوري والمعارضة له، بل توجد خلافات بين الدول في المعسكر الواحد، حيث تتحدث تقارير عن وجود خلافات بين روسيا وإيران على سبيل المثال فيما يتعلق بعقود التنقيب عن الموارد الطبيعية، والصفقات الاقتصادية، ودورهما في المؤسسات، ومناطق نفوذهما في سوريا، ومنها الخلاف حول تواجد القوات الإيرانية في مناطق على الحدود مع إسرائيل مثل درعا والقنيطرة.

بناءً على ما سبق، يمكن الجدل بأن القوى الدولية والإقليمية لن تتمكن من التوصل إلى إجراءات بناء ثقة تحوز على موافقة كل أطراف الأزمة، وأنه من غير المجدي استنفاذ هذه الفترة في عقد محادثات استكشافية لن تحقق أى تقدم نتيجة طبيعة القضايا.

مقترح بديل

ذهب بعض المحللين إلى أنه لن يتم التوصل إلى حل للأزمة السورية سوى من خلال تفاوض أمريكي- روسي مباشر يتم فيه بحث ملفات عديدة في مناطق مختلفة، بحيث يكون حل الأزمة السورية في إطار صفقة شاملة بين القوتين العظميين على مناطق النفوذ حول العالم.

ومع صعوبة تحقق هذا السيناريو وعدم وجود سابقة تؤيده، يمكن النظر في بدائل أخرى منها دعوة الأطراف المؤثرة - وبصورة خاصة الولايات المتحدة وروسيا- إلى البدء بمناقشة ملف واحد فقط في المرحلة الحالية، وليكن ملف إدلب ومستقبل الجماعات المسلحة بها، بحيث يمكن في حال الوصول إلى توافق بشأنه حلحلة الملفات الأخرى تدريجياً.

فمما لا شك فيه أن التوافق الدولي على هذا الملف سيجنب المنطقة تعقيدات كثيرة، وسيؤدي إلى استبعاد سيناريو استخدام النظام السوري للقوة العسكرية لاستعادة المدينة تحت غطاء قرار مجلس الأمن الذي يحث الدول على محاربة الإرهاب ويصنف "هيئة تحرير الشام" على أنها منظمة إرهابية. وفي المقابل، سيشجع وجود توافق دولي على إدلب النظام على اتخاذ خطوات إيجابية على المسار السياسي، وبالتالي حلحلة ملفات أخرى مثل العقوبات الإقتصادية، وإعادة الإعمار، وغيرها من الملفات.

ولحين إحراز أى تقدم في هذا الملف، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه في الأزمة السورية هو الحفاظ على الهدوء الحالي، وعدم السماح بتصاعد مستوى العنف مرة أخرى، واستغلال تلك الفترة في اتخاذ خطوات لتقديم مزيد من المساعدات الإنسانية للشعب السوري.

طباعة
جاسر الشاهد

باحث في الدراسات الأمنية