مقالات تحليلية

غموض متعمد: قراءة في خطاب أيمن الظواهري في ذكرى 11 سبتمبر

طباعة

بثّت مؤسسة "السحاب" التابعة لتنظيم "القاعدة"، في 11 سبتمبر الجاري (2021)، رسالة مرئية لزعيم التنظيم أيمن الظواهري، بمناسبة الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر 2001، تحت عنوان "القدس لن تهود"، تحدث فيها الظواهري عن العمليات الإرهابية التي قامت بها أفرع التنظيم في كل من سوريا والصومال، عبر استهداف القوات الروسية في سوريا وأجهزة الأمن في الدولتين، ونعى بعض قيادات التنظيم في سوريا واليمن والمغرب العربي، واستمر الخطاب لما يقرب من ساعة. ورغم أن بث هذه الرسالة في هذا التوقيت قد لا يكون مثيراً لتساؤلات أو لافتاً للانتباه باعتبار أن تلك هى المناسبة الأهم التي يسعى التنظيم إلى الترويج لدوره فيها، إلا أن ثمة دلالة مهمة يطرحها محتوى هذه الرسالة، الذي لا يستوعب التطورات الجديدة التي طرأت على الساحة الإقليمية وتحظى باهتمام خاص من جانب "القاعدة"، لاسيما سيطرة حركة "طالبان" على الحكم في أفغانستان، تتعلق بمصير الظواهري نفسه، أى مدى بقاءه على قيد الحياة أو وفاته.

شكوك مستمرة

خلال عام 2021، بثّ تنظيم "القاعدة" ثلاثة فيديوهات أو رسائل حسب ما يطلق عليها. جاءت الرسالة الأولى في 13 مارس من العام الجاري، تحت عنوان "الروهينجا جرح الأمة كلها" وذلك لاستغلال أحداث الانقلاب العسكري الذي وقع في ميانمار في أول فبراير من العام نفسه. ورغم أن الفيديو تناول أحداث الانقلاب، إلا أن كلمة الظواهري- التي جاءت بصوته فقط- ولمدة 5 دقائق ضمن رسالة مدتها 21 دقيقة، تناولت الأحداث في ميانمار بشكل عام ولم تأت على ذكر الانقلاب، وهو ما يؤكد أن الرسالة ليست لها علاقة بهذا التطور، بل تم اقتطاع أجزاء من كلمات قديمة للظواهري عن المسلمين في ميانمار وضمها في الرسالة، وهو ما لم يحسم بقاء الظواهري على قيد الحياة بعد اختفاءه منذ نوفمبر 2020.

والأمر نفسه تكرر في الرسالة الثانية للتنظيم، والتي تم بثها في 15 يوليو من العام نفسه، وكانت بعنوان "الجريمة التي لا تغتفر"، وبلغت مدتها 41 دقيقة، يتحدث فيها شخص مجهول مع لقطات قديمة للظواهري.

وبتحليل الفيديو الأخير الذي تم بثه في 11 سبتمبر الجاري، يبدو جلياً هذا التعتيم المتعمد حول حقيقة وفاة أو بقاء أيمن الظوهري على قيد الحياة، حيث ركزت الكلمة في مجملها على أحداث وقعت خلال يناير ويونيو وأغسطس 2020، بجانب حادثة واحدة تتعلق بعملية إرهابية قامت بها "حركة شباب المجاهدين" في الصومال في بداية يناير 2021.

وهنا، فإن ثمة اعتبارات عديدة تضفي مزيداً من الوجاهة على التكهنات التي تشير إلى أن الكلمة الأخيرة للظواهري سُجِلت في وقت سابق، يتمثل أهمها في عدم تعرضه لذكر الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، الذي وصل إلى البيت الأبيض في 20 يناير من العام الجاري، في الوقت الذي ذكر الظواهري اسم الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى جانب عدم تطرقه للأحداث الأخيرة التي وقعت أفغانستان وتتعلق بسيطرة "طالبان" على الحكم في منتصف أغسطس الفائت.

احتمالان رئيسيان

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن ثمة احتمالين ربما يفسران عدم ظهور الظواهري في رسالة مؤكدة خلال العام الجاري: الاحتمال الأول، أن يكون ذلك مناورة من جانب التنظيم، إذ ربما يكون الظواهري قد تعرض لأزمة صحية، وهو اعتبار أساسي يستند إليه المحللون لتبرير عدم ظهوره، خاصة بعد تحليل آخر فيديو له في العام الماضي، والذي ظهر فيه وقد بدا عليه الإعياء الشديد مع عدم القدرة على الكلام. ومن المحتمل أن يكون تنظيم "القاعدة" قد قام بفرض حالة من التعتيم على الجانب الخاص بصحة الظواهري لسببين هما:

1- الحفاظ على حياة الظواهري، بمحاولة تجنب تعرضه لاستهداف من قبل القوات الأمريكية على غرار ما حدث مع القائد السابق للتنظيم أسامة بن لادن الذي اغتالته القوات الأمريكية في مايو 2011، ولاسيما مع صعوبة تنقله للاختفاء نتيجة المشكلات الصحية التي يعاني منها.

2- عدم إحراج حركة "طالبان"، بعد تعهد الحركة بعدم حماية تنظيم "القاعدة" وعدم تعرض المصالح الأمريكية لاستهداف من جانبه وفقاً لاتفاق السلام الذي أبرمته مع الولايات المتحدة الأمريكية في فبراير 2020. وبالطبع، فإن التنظيم يسعى عبر ذلك إلى الحفاظ على علاقاته مع الحركة، على أساس أن محاولاته تأكيد عدم قدرتها على إدارة شئون الدولة أو السيطرة على التنظيمات الأخرى أو منعها من استهداف المصالح الأمريكية، من شأنها فرض تداعيات سلبية على العلاقات بين الطرفين في المرحلة الحالية.

والاحتمال الثاني، أن يكون الظواهري قد توفى فعلاً. ووفقاً لذلك، فإن التنظيم يسعى إلى إخفاء خبر الوفاة لاعتبارين هما:

1- تقليص احتمالات التعرض لانشقاقات محتملة، خاصة من قبل أفرعه المتبقية بدول المنطقة، على غرار الانشقاقات التي حدثت عامى 2014 و2015، ولاسيما في ظل استمرار نشاط تنظيم "داعش" سواء في أفغانستان أو بعض تلك الدول، حيث يعتبر الأخير المستفيد الأول من الانشقاقات المحتملة التي قد يتعرض لها الأول.

2- احتواء أزمة الخلافة التي قد تنشب في مرحلة ما بعد رحيل الظواهري، ولاسيما بعد مقتل أبو محمد المصري وأبو مصطفى المصري خلال العام الماضي في ايران وأفغانستان، وهما من القيادات التي كانت مرشحة لخلافة الظواهري، إلى جانب سيف العدل، وهو أحد أبرز المرشحين لتولي منصب زعيم التنظيم. وهنا، فإن التنظيم ربما يحاول التمهل قبل إعلان الوفاة، إلى حين ترتيب عملية نقل القيادة إلى أحد المرشحين المحتملين من أجل احتواء أية صراعات قد تنشب وتؤثر على تماسكه وهيكله التنظيمي.

وربما يكون ذلك مرتبطاً بتحسب قيادات التنظيم من بروز دعوات لـ"تدويل منصب القيادة"، حيث اقتصر منصب زعيم التنظيم على قيادات عربية في الفترة الماضية، وهو ما قد لا يلقى دعماً خلال المرحلة القادمة، لاسيما أن بعض أفرع التنظيم قد ترى أنها باتت الأجدر بتولي هذا المنصب، على ضوء العمليات الإرهابية النوعية التي تقوم بها، مثل تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" في منطقة الساحل الأفريقي.

إجمالاً، يمكن القول إن الفيديو الأخير للظواهري، والذي يعد تكراراً لكلمة سبق أن ألقاها الأخير وبالعنوان نفسه، في 27 يوليو 2010، يفرض مزيداً من الشكوك والجدل حول بقاءه على قيد الحياة أو وفاته، وهو ما يعني في كل الأحوال أن التنظيم ربما يكون مقبلاً على استحقاقات مهمة، لاسيما في ظل تراجع دوره مقارنة بـ"داعش"، واحتمالات تأثر علاقاته مع "طالبان" بوصول الأخيرة مجدداً إلى السلطة في كابول.

طباعة
أحمد كامل البحيري

باحث متخصص في شئون الإرهاب - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية