امل مختار

باحثة في شئون التطرف والعنف - برنامج دراسات الإرهاب والتطرف - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

ما بين سبتمبر 2001، وسبتمبر 2021، شهد العالم "حرب الأعوام العشرين على الإرهاب". حرب أخذ قرار بدايتها الرئيس الأمريكى الجمهورى جورج دبليو بوش، وتشارك فى قرار الاستمرار فيها رئيسان، هما: الديمقراطى باراك أوباما والجمهورى دونالد ترامب، إلى أن شرع الأخير فى خطوات إنهائها، والتى أتمها الرئيس الديمقراطى الحالى جو بايدن. حرب استهلكت 6.4 تريليون دولار، بدأت من أفغانستان وانطلقت إلى العراق، ثم ألقت بتبعاتها على منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا الدول العربية، وقد أسفرت عن خسائر فادحة فى الأرواح، وألقت بظلال قاتمة على الأمن والاستقرار والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحقوق الانسان، خاصة النساء والأطفال.

دارت الحرب فى إطار من أطروحات نظرية وفكرية أمريكية حول مزاعم بالقدرة على القضاء النهائى على تنظيمات الإرهاب العالمى (القاعدة آنذاك) وحركة الإرهاب المحلى (طالبان)، وذلك من خلال "حرب استباقية" تهدف إلى إسقاط الحكومات "الديكتاتورية" فى أفغانستان والعراق واستبدالها بحكومات "ديمقراطية" ترفض احتضان الإرهاب!، و"إعادة بناء الدول الفاشلة"، وتحويل حياة الأفغان والعراقيين إلى الأفضل عبر العيش فى مجتمع حر وديمقراطى يراعى معايير الحوكمة والشفافية ليكون بمنزلة النموذج الذى تسعى دول الشرق الأوسط لتكراره، لأنه هو النموذج الوحيد الضامن لتحقيق السلام فى المنطقة والعالم! ومن ثم، تبوير الحواضن الشعبية للإرهاب، وهو ما سيؤدى فى النهاية إلى ضمان عدم تكرار الهجوم الإرهابى الذى وقع فى 11 سبتمبر!

إذا كنا بصدد القيام بعمل تقييم لمنطقية اتخاذ قرار الحرب، وقياس جدوى الاستمرار فيها لمدة عشرين عاما، لابد لنا من إلقاء ضوء سريع على تصريحات رؤساء الحرب الأربعة، وهم الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين خلال العقدين الماضيين.

القرار الأمريكى فى خطابات "رؤساء الحرب"

"قررت ألا أُطيل هذه الحرب وهذا الانسحاب إلى ما لا نهاية"، كلمة قالها الرئيس الأمريكى الرابع فى الحرب على الإرهاب، جو بايدن، فى خطاب الانسحاب الذى ألقاه فى 31 أغسطس 2021، متجاهلا أن الحرب الأمريكية قد طالت بالفعل وأصبحت الحرب الأطول فى تاريخ الولايات المتحدة. ربما كانت الجملة الصحيحة فى خطابه، هى: "لم يعد لدينا هدف واضح فى مهمة مفتوحة فى أفغانستان، وأرفض إرسال جيل آخر من أبناء وبنات أمريكا لخوض حرب، كان يجب أن تنتهى منذ فترة طويلة".وهو اعتراف من رئيس حالى ونائب سابق فى إدارة الرئيس الأمريكى الثانى فى تلك الحرب، الديمقراطى باراك أوباما، بأن استمرار تلك الحرب كان خطًأ! ولكن لم يكمل بايدن ليوضح من يتحمل أعباء ذلك الخطأ؟

فى خطابه يوم 16 أغسطس 2021، صرح بايدن: "أريد تذكير الأمريكيين كيف وصلنا إلى هنا، وما هى مصالح أمريكا فى أفغانستان...مهمة أمريكا فى أفغانستان التى بدأت قبل عقدين من الزمان لم يكن من المفترض أن تكون بناء دولة أو خلق ديمقراطية مركزية... مصلحتنا الوطنية الحيوية الوحيدة فى أفغانستان تبقى اليوم كما كانت دائمًا، منع هجوم إرهابى على وطننا". على الرغم من أن كلمة معلن الحرب، الرئيس الأسبق بوش الابن، فى نهاية 2001، عقب إسقاط حكومة طالبان جاء فيها أن الهدف الأمريكى لم يكن فقط طالبان والقاعدة، إذ قال: "بجهود جيشنا وحلفائنا والمقاتلين الأفغان الشجعان وصل حكم طالبان لنهايته..لكن مسئولياتنا تجاه الشعب الأفغانى لم تنته بعد، نحن نعمل على عهد جديد من حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية فى ذلك البلد".

وفى خطاب الانسحاب، صرح بايدن: "سنلاحق الإرهاب، حيث هو اليوم، وليس حيث كان قبل عقدين"، مضيفاً: "بالنسبة لتنظيم داعش خراسان لم ننتهِ معكم بعد". وهو ما يعنى أن محاربة تنظيم القاعدة وحركة طالبان لم تعد تمثل أولوية الأمن الأمريكى، على الرغم من اعتراف بايدن، فى يوليو 2021، بأن "طالبان وصلت فى الوقت الحالى إلى أقوى مستوى لها عسكريا منذ عام 2001". كما أنه ليس خفيا أن تنظيم القاعدة ما زال موجودا وفاعلا.

المفارقة أنه إذا عدنا بضع سنوات إلى الخلف، سنتذكر كلمات أوباما فى عام 2016، التى قال فيها: "كرئيس ركزت استراتيجيتنا على تدريب القوات الأفغانية وتعزيزها......لقد طردنا تنظيم القاعدة من معسكراته وساعدنا الأفغان للإطاحة بـطالبان وإقامة حكومة ديمقراطية". فى ذلك التوقيت كان جو بايدن نائبا للرئيس الأمريكى الأسبق أوباما. فإذا كان أوباما قد صرح أمام مواطنيه أنه نجح فى القضاء على مصدر الإرهاب الرئيسى طالبان وأضر بالقاعدة، كما أنه نجح فى إقامة حكومة ديمقراطية، فى حين يصرح خلفه بعد خمس سنوات أن أى من هذه الإنجازات لم تتحقق، فهنا يثور التساؤل: من يحاسب رئيسين أمريكيين من نفس الحزب وعملا معا فى نفس الفترة على إعلان تصريحات متضاربة بهذا القدر عن نتائج وأهداف حرب، أنفق عليها المواطن الأمريكى من ضرائبه، وأنفق فيها المواطن الأفغانى من أمنه وحياته واستقراره وموارده!

فى خطاب إعلان الحرب على العراق فى 19 مارس 2003، قال رئيس الحرب الأول جورج دبليو بوش: "بدأت القوات الأمريكية بعمليات عسكرية لنزع أسلحة العراق، وتحرير شعبه، والدفاع عن العالم فى وجه خطر كبير... إن مساعدة العراقيين على إقامة دولة موحدة مستقرة حرة سيتطلب التزاما طويلا منا.... آتون للعراق ليس لدينا أى هدف إلا إزالة التهديد وإعادة حكم ذلك البلد لأهله.. سنعود حين نحقق أهدافنا .. بإسقاط نظام خارج على القانون ويهدد السلام بأسلحة دمار شامل". وهذا دليل آخر أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت نظرية التدخل العسكرى فى شئون الدول بهدف إعادة بناء الدول الفاشلة –من وجهة نظرها– باعتبار تلك الدول مهددا للسلام والأمن العالمى.

فى خطاب حالة الاتحاد، فى 28 يناير 2003، تمهيدا لإعلان الحرب على العراق، كان مسيطرا على كلمة بوش الابن أفكار حول التدخل تحت ذريعة البعد الإنسانى فى الحرب على العراق، وحماية حقوق وحريات وكرامة العراقيين، كلمات حول محور الشر وإرباكه، تصورات عن ربط الحرب على الإرهاب بالحرب على الدول غير الديمقراطية: "لقد كرس مؤسسونا هذا البلد لقضية كرامة الإنسان، وحقوق كل إنسان، وإمكانيات كل حياة. تقودنا هذه القناعة إلى العالم لمساعدة المنكوبين، والدفاع عن السلام، وإرباك مخططات الأشرار......يجب أن نتذكر أيضًا دعوتنا كدولة مباركة هى جعل هذا العالم أفضل.... واليوم، فإن الخطر الأكبر فى الحرب على الإرهاب، هو الأنظمة الخارجة على القانون التى تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية. يمكن لهذه الأنظمة أن تستخدم مثل هذه الأسلحة للابتزاز والإرهاب والقتل الجماعي.....والليلة لدي رسالة لشعب العراق الشجاع والمضطهد: عدوكم لا يحيط ببلدكم؟ عدوك يحكم بلدك. ويوم إبعاده هو ونظامه عن السلطة سيكون يوم تحريركم.....وكما نفعل نحن وشركاؤنا فى التحالف فى أفغانستان، سنجلب للشعب العراقى الغذاء والأدوية والإمدادات؟ والحرية".

سبق أن أكد بوش على هذا البعد الإنسانى والحق فى التدخل لفرض الديمقراطية وتوفير مناخ من الحرية لمكافحة الإرهاب، بل ويبشر بتكرار نموذج أفغانستان، ومن بعده العراق بعد التحول الى الديمقراطية ليكونا نماذج تحفز على تحقيق تحولات ديمقراطية فى دول إسلامية أخرى. فى خطابه أمام الأمم المتحدة فى الذكرى الأولى لأحداث سبتمبر فى عام 2002، قال: "إن حرية الشعب العراقى قضية أخلاقية كبرى وهدف استراتيجى كبير... يمكننا أن نصل إلى مستقبل مختلف تماما، ويمكن لشعب العراق التخلص من أسره، كما يمكنه أن ينضم يوما الى دولة أفغانية ديمقراطية، وإلى دولة فلسطينية ديمقراطية بما يحفز تحقيق إصلاحات فى أنحاء العالم الإسلامى".

فى الذكرى الأولى لغزو العراق فى 19 مارس 2004، صرح بوش فى خطابه: "إن بزوغ المؤسسات الديمقراطية فى أفغانستان والعراق هو خطوة عظيمة فى اتجاه هدف له أهمية مستدامة بالنسبة للعالم. لقد شرعنا فى تشجيع الإصلاحات والديمقراطية فى الشرق الأوسط الكبير كبديل للتعصب والغضب والإرهاب ...... إن معركتنا هى من أجل إقامة عراق حر. وإن معركتنا هى من أجل تحقيق النجاح فى إقامة أفغانستان حرة. وإن معركتنا هى الحرب على الإرهاب".

فى كل هذه الخطب لمعلن الحرب الرئيس بوش دلالات واضحة على أن الولايات المتحدة حشدت العالم خلف مزاعم محاربة الإرهاب، من خلال الحرب الاستباقية على الأنظمة السلطوية، ونشر الديمقراطية، وإعادة بناء الدول، وهو ما يجعل تصريح رئيس الانسحاب، جو بايدن، بأن كل هذه المزاعم لم تكن أهدافا أمريكية، أمر يثقل من "كشف حساب" جدوى الحرب على الإرهاب.

كشف حساب لحرب الأعوام العشرين

جاءت أحداث 11 سبتمبر لتكون المسوغ الفعلى لانطلاق الولايات المتحدة لتنفيذ نظرياتها عن مواجهة الإرهاب من خلال "الحرب الاستباقية"، و"نشر الديمقراطية"، و"إعادة بناء الدول". تحت وطأة الصدمة تقبّل الرأى العام الأمريكى إطلاق يد حكوماته المتعاقبة لتنفيذ تلك النظريات بمنتهى الرعونة على دول بعينها. تقبّل الرأى العام أن يغض الطرف أو أن يتوقف عن التفكير أو التمحيص فى كم كبير من التضليل الإعلامى، فقد كانت الصدمة أكبر من قدرة خروج أصوات تفند تصريحات أو قرارات الإدارات الأمريكية. وكانت نبرة الغضب والرغبة فى الانتقام أكبر من وقوف أى من دول العالم أمام قرارات الولايات المتحدة العسكرية أو العقابية ضد ما سمته "محور الشر". كانت مقولة "من ليس معنا فهو ضدنا" أكثر الجمل "السلطوية" التى أطلقتها حكومة أكبر "ديمقراطية" فى القرن العشرين. أمام هذا التسلط، صمت العالم ليتابع "الحرب الكبرى" التى أدارتها الولايات المتحدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب".

على أساس تلك المنطلقات الفكرية التى أشرنا إليها، دخلت القوات العسكرية الأمريكية إلى أفغانستان وأسقطت حكومة طالبان فى نهاية عام 2001، ثم دخلت العراق وأسقطت حكومة صدام حسين فى مارس 2003. وفى أغسطس 2021، شهدنا انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من أفغانستان. كما أن العام الحالى أيضا 2021 سيشهد فى أكتوبر القادم الانسحاب العسكرى الأخير من العراق التى دخلتها القوات الأمريكية منذ 17 عاما. انتهت الحرب الأمريكية وخلفت وراءها أفغانستان تحت سلطة طالبان كما كانت قبل 20 عاما، لكن مع عدد من القتلى بين المدنيين والعسكريين الأفغان، وصل إلى نحو 117 ألف شخص، ونحو 5.3 مليون نازح ولاجئ أفغانى، و14 مليون شخص يعانون من الجوع، وسيطرة زراعة الأفيون على 80% من مساحة الأرض الزراعية فى أفغانستان، فضلا عن معدلات متدنية للدولة على مؤشرات الحوكمة والتنمية والشفافية والفساد، إلى جانب كم هائل من الأسلحة الأمريكية فى يد حركة طالبان بعد فرار الجيش النظامى الأفغانى، وتهديدات باستمرار الحرب الأهلية بين طالبان وقوى تحالف الشمال!

أما العراق فقد خاض 17 عاما من الحرب والإرهاب الطائفى، أودت بحياة 207 آلاف عراقى، ونزِوح أكثر من 9 ملايين عراقى خارج الدولة، وتراجع حاد للدولة على المؤشرات الدولية، إلى جانب تجذير الهوية الطائفية نتيجة قوانين المحاصصة، ورسوخ وجود الميليشيات المسلحة، سواء السنية أو الشيعية.

إذا كان العالم منذ 20 عاما عانى حالة من الإرهاب الذى فرضته الحكومة الأمريكية ضد كل من يحاول مناقشة حق الولايات المتحدة فى التدخل العسكرى لاحتلال الدول، وإسقاط الحكومات، وحل المؤسسات، وكتابة الدستور، وفرض رؤيتها على ملايين المواطنين خارج حدودها، وفرض "الديمقراطية" المزعومة تحت خرافة "المسئولية الحضارية"، فاليوم بعد هذا الانسحاب وهذا الفشل فى تحقيق أى من أهداف التدخل، يحق لنا التساؤل عن منطقية القرار وجدوى الاستمرار؟ ولأن المشكلة تعدت الإخفاق فى تحقيق الأهداف إلى التفاقم فى الأضرار الناجمة، فإنه يصبح لنا الحق أيضا فى تقديم كشف حساب لما خلفته الحرب الأمريكية على الإرهاب.

وإن كان هذا النقاش وذلك البحث يدور جغرافيا فى الدولتين المعنيتين تحديدا بالحرب الأمريكية على الإرهاب خلال العقدين الماضيين: أفغانستان والعراق، إلا أن تقييم جدوى اتخاذ قرارات التدخل العسكرى والاستمرار فيها تتعدى قياس النجاح والفشل، وكشف حساب الأضرار على أفغانستان والعراق والولايات المتحدة فقط، لتطول نطاق جغرافى أوسع بكثير، حيث إن الأضرار الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى لحقت بهذه الدول كانت بمثابة الحجر الذى يلقى فى المياه فيخلف وراءه دوائر أوسع. فالتدهور الأمنى والاقتصادى والاجتماعى الكبير ترك أثاره فى دول الجوار ووصل الى أوروبا، حيث عانى العديد من الدول من أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين. كما نتج عن الوجود الأمريكى فى الدولتين حالة واسعة من التجنيد المتزايد داخل تنظيمات الإرهاب العالمى، واتساع نطاق ظاهرة المقاتلين الأجانب من دول عربية وإسلامية وغربية أيضا، فضلا عن تكاثر تلك التنظيمات الإرهابية ونمو أجيال جديدة منها أكثر عنفا من تنظيم "القاعدة".

وقد كان عام 2011، وهو عام الاحتجاجات العربية المتتالية، كاشفا عن مقدار تلك التداعيات التى خلفها الاحتلال الأمريكى للعراق على وجه الخصوص، حيث أصبح العراق البيئة الحاضنة لمخاض تنظيم "داعش" من رحم تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين، حيث نما "داعش" على مشاعر الغضب الشعبى، وبقايا المؤسسات الأمنية العراقية المنحلة، وتعميق الهوية الطائفية والمظلومية السنية. فبعد 2011، أخرجت البيئات العربية ما كان بجعبتها من الخلايا النائمة للتنظيمات الدينية المتطرفة العنيفة التى ظلت تتكاثر وتنمو على مشاعر الغضب ضد الاحتلال الأمريكى فى المنطقة، وظلت بعض كوادرها تتواصل وتتدرب داخل أفغانستان والعراق، فأصبحت الدول العربية التى خرجت بها تلك الاحتجاجات بؤر جديدة للصراع، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وسقوط الضحايا، وخروج النازحين واللاجئين، وهو الأمر الذى يفسر أن الدراسات العلمية الغربية تقدر تكاليف الحرب على الإرهاب بـ 6.4 تريليون دولار، وليس فقط 2.2 تريليون دولار، وهى تكلفة الحرب الأمريكية على أفغانستان، حيث تدخل معها نفقات الحرب فى العراق وباكستان وسوريا أيضا. كما أن تلك الدراسات تحمل الحرب على الإرهاب المسئولية عن وجود 37 مليون لاجئ ونازح فى العالم، لأنها تضم إلى جانب نازحى الدولتين -العراق وأفغانستان- نازحين من دول عربية وشرق أوسطية أخرى خلال الحرب العشرينية على الإرهاب.

سيظل الحديث ممتدا، فكشف الحساب الاقتصادى ينتهى بسرد بعض الأرقام، وكشف الحساب السياسى بدأ وسيمتد لفترة طويلة، بطول فترة تأثيره فى مستقبل استقرار دول المنطقة. أما كشف الحساب "الفكرى" لم يبدأ بعد، وفى ظنى أنه سيمتد لفترة أطول بكثير ... كشف حساب لنظريات تم صكها فى معامل الولايات المتحدة وخرجت لاختبارها فى أفغانستان والعراق، ونطاقها الجغرافى الشرق الأوسط.

اليوم، تستعد دول مثل روسيا والصين، لمحاكمة النظريات الأمريكية وطرح بديلها عن "النموذج" للتدخل فى شئون الدول، لكن تظل الدول المعنية بالخسارة الكبيرة، وهى الدول التى وقع عليها الاختبار والتجربة، لم تقدم موقفها الواضح من "محاكمة" النظريات الأمريكية الكبرى.

ما بدأنا به فى عددنا الجديد من مجلة "المشهد" هو تقييم لمنطقية القرار وجدوى الاستمرار لمدة عقدين من الزمان فى الحرب على الإرهاب فى أفغانستان والعراق، ومحاولة تقديم كشف حساب مختصر عن التكاليف والنفقات والضحايا والآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والآثار على الحريات والحقوق داخل الدول، وللحديث بقية عن مناقشة ومحاكمة النظريات والأفكار الأمريكية التى قتلت وهجرت الملايين من البشر، وهدمت دولا ومؤسسات، وخلفت آثارا مدمرة سيظل صداها لفترات طويلة فى المستقبل، كما فعلت قنبلتها النووية فى هيروشيما ونجازاكى.

________________________________

يمكن الاطلاع وتحميل نسخة من العدد الثاني من مجلة "المشهد" علي الرابط التالي:

http://acpss.ahram.org.eg/ui/front/PreviewPDF.aspx?issue=2