مقالات تحليلية

التداعيات الاقتصادية المحتملة للهجمات في الخليج وبحر العرب

طباعة

شهدت الآونة الأخيرة تصاعداً في الهجمات على السفن وناقلات النفط البحرية في الخليج وبحر العرب، وهى الهجمات التي بدأت تستهدف النقل البحري في المنطقة منذ بضعة أعوام. فخلال الأيام القليلة الماضية، وتحديداً في 29 يوليو الفائت (2021)، تعرضت ناقلة نفط لهجوم في بحر العرب، يُعتقد أنه باستخدام طائرة بدون طيار تحمل متفجرات، مما أسفر، لأول مرة منذ بدء هذه الهجمات، عن مقتل أفراد من طاقم الناقلة، التي تديرها شركة مملوكة لرجل أعمال إسرائيلي. وفي 3 أغسطس الجاري، أشارت تقارير إلى تعرض ناقلة نفط أخرى لعملية احتجاز من قبل مسلحين في خليج عمان، استمرت لعدة ساعات قبل مغادرة المسلحين للناقلة. وفي حين لم يتم الإعلان عن الجهات المسئولة عن هذه الهجمات، إلا أن المسئولين في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسرائيل، قد اتهموا إيران صراحة بالوقوف وراء هذه الهجمات على حركة النقل البحري في المنطقة، بل وألمحوا إلى وجود أدلة في حوزتهم على ضلوع إيران في هذه الهجمات، وهو ما نفاه المسئولون الإيرانيون حتى الآن.

 وتأتي هذه الهجمات بعد شهرين تقريباً من غرق أكبر السفن الحربية في البحرية الإيرانية، "خارج"، في خليج عمان أيضاً، في ظروف ما تزال غامضة، بعد اشتعال النيران بها بشكل مفاجئ. وقبل ذلك في شهر إبريل الماضي، تعرضت سفينة إيرانية أخرى، يعتقد أنها تابعة للحرس الثوري، لهجوم في البحر الأحمر، قبالة السواحل اليمنية، لم يتم كذلك الإعلان عن الجهة المسئولة عنه، وإن كانت إيران قد اتهمت إسرائيل بالوقوف ورائه.

انعكاسات متوقعة

على عكس المتوقع، لم تسفر هذه الهجمات حتى الآن عن ارتفاع في أسعار النفط العالمية، بسبب مخاوف حدوث اضطراب محتمل لحركة النقل البحري للنفط من الخليج العربي، بل وعلى العكس شهدت أسعار النفط تراجعاً بـ 3% تقريباً، من 75 دولاراً للبرميل، سعر سلة أوبك، في نهاية شهر يوليو، إلى 72.7 دولاراً للبرميل خلال الأيام الأولى من شهر أغسطس. ويرجع ذلك بالأساس إلى تركيز الأسواق العالمية على المخاوف الاقتصادية الأبرز، المتعلقة بتفشي السلالات الجديدة من فيروس كوفيد-19، ومخاطر معاودة الحكومات حول العالم تشديد إجراءات الإغلاق الاحترازية في الأشهر القليلة المقبلة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، والذي شهد خلال عام 2020، ذروة إصابات ووفيات الوباء، وهو ما إن تكرر فسيتسبب في تباطؤ اقتصادي جديد وتراجع في الطلب على النفط، وبالتالي في أسعاره.

وكان سعر برميل سلة أوبك قد انهار خلال العام الماضي بسبب إجراءات الإغلاق العالمية، ووصل إلى 12 دولاراً للبرميل في شهر إبريل، مقارنة بـ70 دولاراً للبرميل في مطلع العام 2020، قبل أن يعاود الصعود مع تخفيف إجراءات الإغلاق، وما صاحبه من بدء في تعافي الاقتصاد العالمي، وزيادة الطلب على الطاقة، وذلك وفقاً لبيانات منظمة أوبك.

وعلى الرغم من التأثير المحدود، حتى الآن، للهجمات في الخليج وبحر الحرب على أسعار النفط، مقارنة بتطورات وباء كوفيد-19، إلا أنه من غير المستبعد أن تؤدي المزيد من التفاعلات والتصعيد إلى تحريك أسعار النفط في الفترة المقبلة، خاصة في ضوء تصاعد لغة الاتهامات، والتهديدات المتبادلة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل وقوى غربية من ناحية، وإيران من أخرى، بالرد العنيف والتصعيد، بسبب الهجمات على السفن والناقلات التابعة للطرفين في الخليج وبحر العرب. وقد تُترجم هذه التهديدات إلى زيادة فعلية في وتيرة الهجمات في المنطقة وحدتها، بما قد يتسبب في اضطراب حركة النقل البحري، أو على الأقل يجبر الأسواق العالمية على إضافة هامش مخاطر، وهو ما سيدفع في الحالتين إلى ارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا أثبتت مخاوف السلالات الجديدة من كوفيد 19 عدم صحتها، ولم تُترجم إلى إجراءات إغلاق جديدة، وهو ما سيخفف من ضغط الانخفاض على أسعار النفط، ويفسح المجال أمام المزيد من الصعود في الأسعار مع تصاعد التوتر في المنطقة.

وفي حالة تفاقمت التوترات والهجمات بالفعل وتسببت في ارتفاع أسعار النفط، فمن المُتوقع أن يفرض ذلك تداعيات ممتدة على سوق الطاقة، والبلدان المصدرة للنفط، وفي مقدمتها بلدان الخليج العربي، في صورة تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة. فبصورة مبدئية، يعد السعر الحالي للنفط، الذي وصل كما تمت الإشارة إلى 75 دولاراً للبرميل قبل أيام، سعراً مرتفعاً من الأساس، وهو الأعلى منذ عام 2018، وبالتالي، فإن مزيد من الارتفاع سيعزز من جاذبية بدائله من مصادر الطاقة المتجددة، سواء الألواح شمسية، أو بطاريات الليثيوم الكهربائية، أو طاقة الرياح، وغيرها، والتي تراجعت تكلفتها وبالتالي أسعارها بوتيرة غير مسبوقة خلال العقد الأخير، مدفوعة بالتطورات التقنية، وهو ما جعلها أكثر تنافسية واقتصادية في مقابل النفط، حتى بدون الدعم الحكومي الذي يحظى به قطاع الطاقة المتجددة في بلدان عديدة، وهو ما سيخفض بالتالي من حصة النفط في تركيبة الطلب على الطاقة عالمياً.

ويضاف إلى ذلك، أن المبادرات المناخية الدولية والإقليمية خلال الأعوام الماضية، قد دفعت عدداً من البلدان والتكتلات إلى التعهد بخفض الاعتماد على النفط ومصادر الطاقة الكربونية، بما في ذلك منع السيارات العاملة بالوقود النفطي تماماً خلال السنوات المقبلة، وهو ما ينذر بمزيد من تراجع الطلب على النفط مستقبلاً لصالح الطاقة المتجددة، بما يؤثر على خيارات البلدان المصدرة للنفط في الوقت الحالي.

وإلى جانب التأثير المحتمل لتصاعد الهجمات المتبادلة في الخليج وبحر العرب، على أسعار النفط، فمن المحتمل كذلك أن تؤدي هذه الاضطرابات وعدم اليقين المتعلقين بتدفق النفط من المنطقة، إلى سعي مستوردي نفط الشرق الأوسط إلى تأمين بدائل له، لتحصين اقتصاداتهم من مخاطر اضطراب حركة نقل النفط بسبب الهجمات، حتى وإن لم يرتفع سعره. ومن المحتمل أن تلعب هذه المخاوف الدور الأكبر لدى بلدان شرق آسيا، التي تعتمد على النفط من الشرق الأوسط بصورة رئيسية، وتستورد 77% من إجمالي صادرات الشرق الأوسط النفطية، وفي مقدمتها الصين، المستورد الأول عالمياً لنفط الشرق الأوسط، وفقاً لبيانات منظمة أوبك.

 وتعد مثل هذه المخاوف، والحاجة إلى ضمان الأمن الطاقوي، دافعاً رئيسياً بالفعل للاستراتيجية الصينية الطموحة للطاقة المتجددة، والتي يأتي في مقدمة أهدافها تقليل اعتماد الاقتصاد الصيني على الواردات النفطية من المناطق غير المستقرة، وأبرزها الشرق الأوسط، وكذلك إفريقيا، وهي الاستراتيجية التي وضعت الصين بالفعل في مقدمة بلدان العالم في استخدام الطاقة المتجددة في عدد كبير من المجالات، أبرزها استخدام السيارات الكهربائية، التي يتواجد نصف إجمالي عددها العالمي تقريباً، في طرقات الصين وحدها، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية.  

خاتمة:

مع زيادة الهجمات على السفن والناقلات في الخليج وبحر العرب، والتهديدات بمزيد من التصعيد والعنف، بين إيران من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل وقوى غربية من أخرى، فإن الخاسر الأكبر سيكون على الأرجح بلدان الخليج التي تعتمد على تدفق النفط من هذه المنافذ البحرية، كموردها الاقتصادي الرئيسي، والذي قد يتضرر الطلب عليه في حالة تفاقم التوتر في المنطقة، لصالح البدائل المتجددة، وذلك من بوابة زيادة أسعار النفط من ناحية، وحاجة المستوردين إلى تقليل الاعتماد على تدفقات نفط الخليج غير المستقرة من ناحية أخرى.

ومن المحتمل كذلك، أن تعزز هذه المخاطر والأضرار المحتملة على الصادرات النفطية، من نشوب خلافات أخرى، على غرار الخلاف السعودي الإماراتي في اجتماعات مجموعة أوبك والذي أعلن عن التوصل إلى حل وسط بشأنه في 14 يوليو الفائت. وجاء ذلك الخلاف على خلفية رغبة الإمارات في زيادة إنتاجها النفطي، حتى ولو كان ذلك على حساب انخفاض أسعار النفط، بسبب إدراكها مخاطر صعود الطاقة المتجددة وتراجع الطلب المستقبلي على النفط، وبالتالي الحاجة إلى ضخ أكبر كمية ممكنة في الوقت الحالي، وذلك في مقابل رغبة السعودية في الحفاظ على مستوى أسعار مرتفع نسبياً لتحقيق أهداف موازنتها المالية الداخلية، التي ترتبط بأسعار النفط بصورة لصيقة.  

وبغض النظر عما ستؤول إليه الجولات المقبلة المحتملة من هذه الخلافات، سواء بزيادة الإنتاج النفطي أو الحفاظ على المستويات الحالية، فعلى الأرجح ستعاني كافة الاقتصادات النفطية من تراجع إيراداتها في المستقبل القريب. ففي حين تسارع التحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة خلال الأعوام الأخيرة، كخيار اقتصادي وبيئي أكثر كفاءة من النفط، فإن التوترات في الشرق الأوسط، وبصورة خاصة ما يؤثر منها مباشرة على حركة نقل النفط إلى العالم، تُسرِّع من هذا التحول، وتقدم دفعة إضافية للبدائل المتجددة، على حساب الطلب على النفط، والاقتصادات المعتمدة على صادراته، خاصة في الشرق الأوسط غير المستقر.

طباعة
حسين سليمان

باحث اقتصادي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية