مقالات تحليلية

تونس على أعتاب مرحلة جديدة

طباعة

قرر الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 يوليو الجاري (2021)، تجميد عمل البرلمان لمدة شهر وإعفاء الحكومة من مهامها، مستنداً على الفصل 80 من الدستور التونسي الذي ينص على أن: لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب.

ولذا لم يحل رئيس الجمهورية مجلس نواب الشعب إنما جمّد عمله لمدة شهر واعتبر أن أداء البرلمان مثل خطراً داهماً على كيان الوطن، وهو تفسير لم يكن محل توافق من أغلب فقهاء القانون الدستوري في تونس.

ورغم حرص جميع الأطراف التونسية على الاستناد على الدستور في مواقفها بما فيهم الرئيس، إلا أن الأزمة التونسية تظل بالأساس سياسية، واتضحت ملامحها عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2019.

التجربة التونسية: نجاحات كبيرة وتعثرات واضحة

اتضح منذ الانتخابات الرئاسية التونسية التي جرت في 2019 وجود حالة من الرفض للطبقة السياسية الحاكمة، ممثلة في الأحزاب المدنية الليبرالية واليسارية وأيضاً التيار الإسلامي ممثلاً في حركة النهضة، وأسفرت هذه الانتخابات عن فوز ساحق لقيس سعيّد، وهو أستاذ قانون دستوري قادم من خارج الطبقة السياسية ولا ينتمي لأى حزب سياسي.

وقد كرّست هذه الانتخابات معانٍ جديدة للتصويت العقابي الذي اعتاد أن يذهب، في كثير من التجارب، للإسلاميين عامة والإخوان خاصة، وجاءت انتخابات الرئاسة التونسية وأكدت على اكتساح مرشح مدني من خارج المنظومة الحزبية لانتخابات الرئاسة، وهى تجربة تحسب للشعب التونسي وتجعلها تتقاطع مع بعض التجارب العالمية التي يتمكن فيها مرشح قادم من خارج "الماكينة الحزبية" والطبقة السياسية التقليدية من تحقيق نجاح كبير بعد أن سئم الناس من سيطرة الأحزاب التقليدية على المشهد السياسي والحزبي.

وقد أجريت الانتخابات البرلمانية في أعقاب الرئاسية، وأسفرت عن وجود برلمان منقسم، حيث لم تنجح حركة النهضة في الحصول على أغلبية مطلقة، إذ حصلت على 54 مقعداً من أصل 217، يليها حزب قلب تونس (38 مقعداً)، ثم التيار الديمقراطي الاجتماعي (22 مقعداً)، يليه ائتلاف الكرامة (21 مقعداً)، ثم الحزب الدستوري الحر (16 مقعداً)، وتحيا تونس (14 مقعداً)، ثم حصلت باقي القوى على ما بين مقعد و4 مقاعد بما فيها حزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والذي اختفي تقريباً من الساحة السياسية.

ولم تدم كثيراً اللحظة المبشرة لمشهد انتخابات الرئاسة، حيث دخلت البلاد في أزمات متتالية نتيجة ضعف الصلاحيات الممنوحة للرئيس في الدستور، مقارنه بالنظم الرئاسية الديمقراطية في العالم كله، وهو نقاش سبق وطرحه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حين طالب قبل رحيله بتعديل الدستور، ثم دعا رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى التخلي عن منصبه وهو ما رفضه وأعاد تشكيل حكومته بالتحالف مع حركة النهضة.

والحقيقة أن أى مقارنة بين الصلاحيات الممنوحة للرئيس في النظام التونسي ونظم رئاسية أخرى مثل فرنسا والولايات المتحدة، ودول أمريكا الجنوبية، سيتضح منها أنها أقل بكثير. وأى قراءة للفصول من 77 إلى 82 ومن 87 إلى 89 من الدستور التونسي ستكشف أن صلاحيات الرئيس المنتخب من الشعب محدودة خاصة في الشئون الداخلية، وأن صلاحيات رئيس الوزراء المنتخب من البرلمان أكبر من الرئيس. 

فطالما انتخب الرئيس مباشرة من الشعب فهذا يعني أنه رأس السلطة التنفيذية وأننا أصبحنا أمام نظام رئاسي بامتياز، أما إذا انتخب الرئيس من البرلمان فهذا يعني أننا أمام نظام برلماني يقوده رئيس الحكومة ويصبح دور رئيس الجمهورية رمزياً.

وقد عمّق من أزمة صلاحيات الرئيس المحدودة في الدستور التونسي إصرار حركة النهضة على اختيار رئيس حكومة مقرب منها والتمسك بالوزراء المحسوبين عليها مهما كان سوء أدائهم، حيث دخلت في صراع مفتوح مع الرئيس وتمسكت بالوثيقة الدستورية التي تنص على محدودية صلاحيات الرئيس ورفضت تعديلها ودافعت عن النظام البرلماني، وفي الوقت نفسه دعمت انتقال تركيا إلى النظام الرئاسي على يد الحليف الإقليمي رجب طيب أردوغان في مفارقة لافتة.

مقدمات الأزمة

تصاعدت حدة التوتر في الأشهر الأخيرة داخل أركان النظام السياسي التونسي وخاصة مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والصحية واتضاح حجم التخبط وسوء الأداء بين أطراف النخبة السياسية التونسية في التعامل مع هذه الأزمات.

وقد شغل تفكير حركة النهضة ومعها أطراف داخل النخبة البرلمانية الحاكمة تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية بدلاً من مواجهة تداعيات جائحة كورونا، فتقدم نوابها في شهر مايو الماضي  بمشروع قانون لتعديل القانون الانتخابي الحالي، وتحويل صلاحية الدعوة للانتخابات أو الاستفتاء من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة، وهو تحول يقضي على ما تبقى من الصلاحيات المحدودة لرئيس الجمهورية، ويعني عملياً التحول نحو النظام البرلماني رغم أن رئيس الجمهورية منتخب مباشرة من الشعب، بما يعني أنه يجب أن يتمتع بصلاحيات مستقرة كما في النظم الرئاسية.

وقد قرر رئيس الحكومة (المُعفى من منصبه) هشام المشيشي إجراء تعديل وزاري دون الرجوع للرئيس أقال فيه وزير الداخلية المقرب من قيس سعيّد، وهو ما اعترض عليه الأخير ورفض استقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية، وظل الأمر معلقاً حتى اندلاع الأزمة الأخيرة وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه.

كما شهدت البلاد أيضاً "مكايدة سياسية" بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية حين أقدم الأول على إقالة وزير الصحة ليس بسبب عدم كفاءته أو فشله في مواجهة جائحة كورونا وإنما بسبب مكايدة رئيس الجمهورية، وقال: "إن وزير الصحة اتخذ قرارات شعبوية وإجرامية"، وإنه عاين بنفسه "سوء التسيير في وزارة الصحة".

والحقيقة أن قرار رئيس الحكومة بإقالة وزير الصحة برجع لكون الوزير "محسوباً" على الرئيس ودعم قراره باستدعاء الجيش لمواجهة الجائحة في بلد تدهور فيه الوضع الصحي، إذ بلغ عدد الإصابات 550 ألف واقتربت الوفيات من 20 ألف (عدد سكان تونس حوالي 12 مليون نسمة) وبلغت نسبة المُطعَّمين ما يقرب من مليون شخص وهى أفضل من بعض البلاد العربية ولكنها أقل بكثير من المأمول.

والحقيقة أن ما شهدته تونس منذ الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2019 كان عبارة عن محاولات "استعراض صلاحيات" بين الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، وهو ما عطّل أداء النظام السياسي وأصابه بالشلل التام وأدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

خريطة طريق جديدة

قرارات الرئيس قيس سعيّد يمكن فهمها من الناحية السياسية أكثر من الناحية القانونية والدستورية. فقد وجد الرئيس نفسه يقود نظاماً سياسياً بالشراكة مع رئيس آخر هو رئيس الحكومة، وأن قدرته على اتخاذ قرارات تنفيذية منسجمة مع كونه رئيساً منتخباً من الشعب بأغلبية كاسحة (75%) تكاد تكون معدومة نتيجة تغول كل من رئيس البرلمان ورئيس الحكومة على صلاحياته المعروفة في كل النظم الرئاسية الديمقراطية.

والمؤكد أن هذا الصراع الفج بين الرئيسيين (رئيس الحكومة والجمهورية) مسئول عنه بشكل أساسي الدستور التونسي الذي قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية حتى أصبحت أقل من صلاحيات رئيس الحكومة وخاصة فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، وهو أمر غير وارد في النظم الرئاسية التي ينتخب فيها رئيس الجمهورية بشكل مباشر من الشعب، حيث يشكل الرئيس الحكومة ويعرضها على البرلمان من أجل نيل الثقة، في حين حرم الدستور التونسي رئيس الجمهورية من أن يكون له رأى في وزراءه وأن يعينهم ويعفيهم في ظل رقابة السلطة التشريعية.

أزمة تونس هى في جوهرها أزمة دستورية، حاول الرئيس أن يواجهها بإجراءات استثنائية من أجل انتزاع بعض الصلاحيات المتعارف عليها في النظم الرئاسية الديمقراطية، وأيضاً وقف تربص الأحزاب، وخاصة حركة النهضة، بالمنظومة السياسية برمتها ومسئوليتها عن حالة الشلل التي أصابتها.

إن انتخاب رئيس من الشعب "منزوع الصلاحيات" كارثة على النظام السياسي، لأن ما يعتبره بعض التونسيين تململاً من جانب قيس سعيّد من محدودية صلاحياته وسعيه لتوسيعها منذ انتخابه في 2019 أمر لا يرجع لشخصه إنما لكونه منتخباً مباشرة من قبل ملايين من أبناء الشعب، فالطبيعي أن تكون لديه صلاحيات تنفيذية كبيرة ينظمها الدستور والقانون.

إن أمام الرئيس التونسي فرصة حقيقية لكى يتجاوز هذه الأزمة بتحويل الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها إلى خريطة طريق اتضحت بعض ملامحها في مواقف الاتحاد التونسي للشغل، وأهمها إجراء استفتاء على تعديل الدستور يضع البلاد إما أمام نظام رئاسي أو شبه رئاسي وأن يكون رأس السلطة التنفيذية هو الرئيس المنتخب من الشعب.

ولكى يحول قراراته الاستثنائية إلى آلية لتغيير النظام السياسي وتجديده، فإن أمام الرئيس أقل من شهر، ونظراً لأنه ليس له ظهير حزبي فقد اعتمد على الصلاحية الوحيدة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية التونسي مثل كل النظم الرئاسية في أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولذا فإن الجيش يخضع لأوامره مباشرة. وفي الوقت نفسه، فإن الجيش محدود العدد وبعيد عن السياسة والاقتصاد والحكم وبالتالي من غير الوارد أن يتدخل مباشرة في العملية السياسية، كما أن حركة النهضة التي عارضت قراراته سبق وأن قدمت في 2013 تنازلات تحت الضغط الشعبي والجماهيري، فضلاً عن أنها تراجعت عن المظاهرة التي كانت تنوي القيام بها أمام البرلمان، ومن الوارد أن تضطر إلى قبول شروط جديدة للعبة السياسية يكون فيها رئيس الجمهورية المنتخب رأس النظام السياسي ويُقرِّب تونس من النظم الرئاسية ويبعدها عن هذا النظام العجيب الذي ينتخب فيه الرئيس "منزوع الصلاحيات" مباشرة من الشعب.

فرصة الرئيس التونسي كبيرة في أن يستثمر هذه اللحظة ويحول الإجراء الاستثنائي إلى آلية لتجديد النظام السياسي وتعديل الدستور وقانون الانتخابات حتى تستكمل البلاد مسار بناء دولة القانون.

طباعة
د. عمرو الشوبكي

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية