مقالات تحليلية

شروط أساسية لنجاح مهمة المبعوث الأممي الجديد لليمن

جاسر الشاهد * 1535 29-7-2021
طباعة

مع اقتراب تولي السويدي هانز جروندبرج مهامه كمبعوث أممي رابع لملف اليمن، تثور التساؤلات حول إمكانية نجاحه فيما فشل فيه سابقوه وإنهاء الحرب الممتدة لأكثر من ست سنوات في اليمن. من هذا المنطلق، طالبت كتابات عديدة في الفترة الأخيرة الأمم المتحدة بإعادة تقييم استراتيجية التفاوض والوساطة وتبني مقاربة جديدة. وحذر المتخصصون من أن اتباع نفس المنهج للمبعوثين السابقين لن يؤدي إلى تحقيق أي تقدم. إلا أن قدرة المبعوث على صياغة مقاربة جديدة للأزمة اليمنية تواجه عدة صعوبات تتعلق بسياق عمل البعثة الأممية، وربما يكون من المفيد مناقشة بعض النقاط في هذا الإطار.

النقطة الأولى، تتعلق بالأوضاع الميدانية وتأثيرها على سيرعملية التفاوض؛ فالأوضاع الميدانية حالياً في اليمن تشجع جماعة أنصار الله (جماعة الحوثي) على الاستمرار في العمليات العسكرية وتقويض أي مبادرات للتسوية السلمية يقوم بها المبعوث الأممي. ذلك أنه بعد السيطرة على العاصمة صنعاء وأجزاء من شمال البلاد، يحاول الحوثيون حالياً السيطرة على محافظة مأرب آخر معاقل القوات الحكومية والغنية بالنفط والغاز. ولا ترغب قوات جماعة الحوثي في الاستجابة لمبادرات وقف إطلاق الناراستناداً إلى أن السيطرة على مأرب سيفرض واقعاً ميدانياً جديداً يمنحها اليد العليا خلال عملية التفاوض لاحقاً.

وانطلاقاً من هذه القناعة، لم تتجاوب جماعة الحوثي مع مبادرة المبعوث الأممي ذات الأربع نقاط، وطالبت بتأجيل محادثات وقف إطلاق النار إلى ما بعد التوصل إلى اتفاق منفصل بشأن مطار صنعاء ومطار الحديدة، في حين أصر الجانب الحكومي على تضمين كل هذه الأمور في اتفاق واحد. ومما لا شك فيه أن سير العمليات العسكرية حالياً وإصرار جماعة الحوثي بدعم من إيران على السيطرة على آخر المعاقل الحكومية لن يساعد جهود المبعوث الأممي على تحقيق وقف قريب لإطلاق النار وبدء عملية سياسية.

النقطة الثانية، تتعلق بعدم تجاوب أطراف الصراع مع إجراءات بناء الثقة المتدرجة؛ فقد تفرض الحروب المعقدة، مثل تلك التي يشهدها اليمن، تبني استراتيجية للوساطة تقوم على إقناع الأطراف بتنفيذ إجراءات بناء ثقة أولية يمكن البناء عليها لتشجيع الأطراف بالتدريج على الانخراط في التفاوض على القضايا الكبرى. إلا أن تجربة اليمن أثبتت في السنوات الست الأخير- كما أكدت عدة تحليلات- أن هذا المنهج لم يؤت ثماره؛ فلم تستطع اتفاقية استكهولم الموقعة عام 2018 بين الحكومة المعترف بها وجماعة الحوثي تحقيق وقف دائم لإطلاق النار رغم نجاحها المحدود وقتها في تجنيب الطرفين مواجهة دامية في الحديدة. ولم تتمخض نتائج استكهولم في الواقع سوى عن تبادل الأطراف لعدد من الأسرى والذي اُعتبر إجراء بناء ثقة محدود دون الوصول إلى حل للمشاكل الأساسية. بل إن بعثة الأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ اتفاق الحديدة (UNMHA) لم تتمكن من ممارسة مهامها في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولم تستطع لجان تنسيق إعادة الانتشار –وهي آلية المراقبة لتنفيذ وقف إطلاق النار في الحديدة- العمل مرة أخرى بعد تعليق الحكومة لمشاركتها فيها منذ مارس 2020. كما لم يتمكن المبعوث من تمرير مبادرته المكونة من أربع نقاط لوقف إطلاق النار في أنحاء البلاد، وفتح مطار صنعاء، ورفع القيود عن عملية شحن السفن في الحديدة، وبدء عملية سياسية. وبالتالي، فإن منهج الاعتماد على تحقيق تقدم متدرج في إجراءات بناء الثقة كمقدمة لتحقيق اختراق في القضايا الأساسية لم ينجح في تحقيق أهدافه. يُضاف إلى ذلك أن اتباع استراتيجية الحل من أعلى إلى أسفل، والتركيز على الوساطة بين طرفين لم تنجح في تحقيق أي تقدم. وبالتالي، يقع على عاتق المبعوث مراجعة هذه الاستراتيجيات والخروج بتصور جديد تتجاوب معه مختلف القوى الفاعلة في الصراع محلياً وإقليمياً. وربما يساعد المبعوث في هذا الأمر معرفته بآليات الصراع وأسباب فشل مبادرات الوساطة من خلال عمله خلال الفترة الماضية كسفير للاتحاد الأوروبي في اليمن.

وتتصل النقطة الثالثة بفكرة تزايد احتمالات التقسيم في اليمن؛ ففي حين يحاول المجتمع الدولى والأمم المتحدة حل الأزمة في اليمن وفق مرجعية الإبقاء على دولة موحدة، يرى العديد من المراقبين أن اليمن متجه إلى سيناريو التفتيت، أو في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً التقسيم إلى دولتين في الشمال والجنوب؛ فالعديد من التقارير تؤكد أن فكرة إنشاء دولة مستقلة في الجنوب والعودة إلى وضع ما قبل عام 1990 تلقى تأييداً من المواطنين في الجنوب وبعض الأطراف الخارجية. ورغم تحالف قوات الجنوب مع القوات الحكومية في الحرب ضد الحوثيين في مأرب، إلا أن كل الأطراف تدرك الطبيعة المؤقتة لهذا التحالف وأنه بمجرد انتهاء الحرب سيحاول المجلس الانتقالي الجنوبي اتخاذ الخطوات اللازمة لبناء مؤسسات مستقلة. وتظهر هذه التفاعلات الكامنة بين الشمال والجنوب من حين لآخر في الاحتكاكات بين الطرفين والتي لم تفلح اتفاقية الرياض لعام 2019 في حلها بصورة نهائية.

في الوقت نفسه، تشير سيطرة الحوثي على صنعاء ومناطق من الشمال إلى احتمال قيام دولة يسيطر عليها الحوثي في الشمال. والأغلب أن هذا التصور لن يحظى بموافقة الأطراف الفاعلة في الأزمة -وخاصة المملكة العربية السعودية- التي لن تمرر فكرة قيام دولة يحكمها تنظيم موالي لإيران على حدودها الجنوبية. كما أن الولايات المتحدة أيضاً التي اتخذت خطوات لتجفيف مصادر تمويل جماعة الحوثي وصعدت من انتقاداتها لانتهاكها لحقوق الانسان لن تقبل بها كنظام شرعي يحكم دولة في شمال اليمن. وتظل المفارقة في هذه النقطة أن المبعوث الجديد مطالب بالتوصل إلى اتفاق بين الأطراف يقوم على مبدأ وحدة اليمن بينما تدل كل المؤشرات على أرض الواقع على اتجاه اليمن نحو التقسيم بفرض الأمر الواقع.

وبناءً على ما سبق، فإن قدرة المبعوث الجديد على النجاح في تطوير مقاربة جديدة والوصول إلى تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة يتوقف على تغيير بعض عناصر سياق التفاوض ومنها:

1- إيجاد الوسائل الكفيلة لإقناع جماعة الحوثي بالتعاون مع جهود الوساطة للمبعوث. وتتباين الرؤى في الكتابات المختلفة حول تحقيق هذا الأمر؛ فالبعض يطالب بالعمل على استغلال احتمال التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران للحصول على تنازلات منها بشأن التسوية في اليمن، في حين ذهب البعض إلى أنه يجب تضمين الملف في المفاوضات لتشمل جزءاً حول القضايا الإقليمية. في المقابل، ترى بعض التقارير أنه يجب على قوات التحالف التصعيد عسكريا ضد جماعة الحوثي في مأرب لمنع توسعها، وحتى ترسخ في اعتقادها أنها لن تستطيع الحصول على مكاسب أكثر على الأرض، وأنه عليها استكمال عملية التفاوض السياسي.

2- تطويرمقاربة سياسية واستراتيجية تفاوضية للأزمة اليمنية تحظى بقبول الأطراف الإقليمية والدولية، وتستند على تكثيف الحوار مع الجماعات المختلفة في اليمن لتشملالجنوبيين والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المرأة، والاستفادة من مبادرات الوساطة المحلية التي استطاعت التوصل إلى اتفاقات حول بعض العناصر الأساسية لاتفاق سلام محتمل.

3- البحث في إمكانية إصدار مرجعية دولية مختلفة من القرارات تأخذ في الاعتبار التطورات الميدانية الحالية والحاجة إلى إشراك أطراف أخرى في عملية التفاوض؛ فالقرارات الدولية التي تأسست عليها الجهود الأممية، خاصة قرار مجلس الأمن رقم 2216، لم تساعد في توفير الإطار التفاوضي المناسب لعمل البعثة الأممية. وقد ذكر تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر في 18 يونيو 2021، أن تفسير القرار 2216 مثل عائقاً لحدوث تقدم نحو تسوية سياسية، وأن الكثير من المراقبين والسياسيين طالبوا باستبداله[1].

4- الاستفادة من الزخم الدبلوماسي لسياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في ضوء تعهد الرئيس جو بايدن في بداية ولايته بإنهاء الحرب في اليمن، وتعيينه تيم ليندركينج كمبعوث أمريكي خاص. يُضاف إلى ذلك التنسيق مع روسيا التي كثفت مباحثاتها مؤخراً مع مختلف الأطراف ومنهم على ناصر محمد الرئيس الأسبق وقادة المجلس الإنتقالي الجنوبي ثم أخيراً طارق صالح ابن شقيق الرئيس اليمني سابقاً ورئيس المجلس السياسي للمقاومة الوطنية.

5- محاولة تحقيق تقدم ملحوظ في ملف المساعدات الإنسانية، والعمل على فصلها عن المسار السياسي حتى يمكن تحقيق بيئة مناسبة للمفاوضات بين مختلف الأطراف في بلد دائماً ما يُوصف بأنه يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم.


[1] للاطلاع على نص التقرير انظر:

International Crisis Group, “A New UN Envoy is an Opportunity for a New Approach in Yemen”,Commentary, 18 June 2021. Available at:https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/yemen/new-un-envoy-opportunity-new-approach-yemen

طباعة
جاسر الشاهد

باحث في الدراسات الأمنية