مقالات تحليلية

مغزى تجدد قصف المصالح الأمريكية فى العراق

طباعة

تجددت فى 7 يوليو عام 2021 الجارى عمليات استهداف المصالح العسكرية الأمريكية فى العراق من قبل الميليشيات الشيعية المسلحة الموالية لإيران؛ حيث تم قصف مطار أربيل بطائرة مسيرة ما أدى إلى وقوع خسائر مادية كبيرة فى القاعدة العسكرية الأمريكية الموجودة به، بخلاف الاستهدافات الصاروخية السابقة التى تعرض لها المطار نفسه عدة مرات كان أقربها فى إبريل الماضى. كما تم استهداف قاعدة عين الأسد فى محافظة الأنبار، والسفارة الأمريكية فى المنطقة الخضراء. الاستهدافات تمت عبر عدة ضربات متتالية على مدى يومى 8 و9 يوليو الجارى، ما يشير إلى حالة من التصعيد الخطير والممنهج فى المواجهات بين إيران وبين الولايات المتحدة مسرحه الساحة العراقية بصورة تتجاوز حد الثأر الذى تروج له الميليشيات العراقية المسلحة، رداً على الضربة العسكرية الأمريكية التى وجههتها إدارة الرئيس الأمريكى "جوزيف بايدن" للحشد الشعبى وتحديداً اللواء 16 المتمركز عند الحدود العراقية- السورية فى 28 يونيو 2021، والتى فاقت فى حجم خسائرها الضربة التى وجهتها للمنطقة نفسها فى 26 فبراير من العام المذكور.   

ويلاحظ هنا أن استهداف المصالح الأمريكية فى العراق لم يعد أمراً فريداً فى نوعه ولا مستحدثاً، فعلى مدى العامين الماضيين رفعت إيران من وتيرة الضغط على الوجود الأمريكى فى العراق من آن لآخر انعكاساً لمسار ونمط العلاقات بينهما، وذلك على وقع المتغيرات التى تشهدها ملفات المصالح الإيرانية فى المنطقة، ودرجة تعارضها مع المصالح الأمريكية. لكن الجديد فى الأمر هو "سياق المتغيرات الدولية والإقليمية" الذى تتم فيه الاستهدافات الأخيرة، وتحديداً التطورات التى تشهدها مفاوضات البرنامج النووى الإيرانى فى فيينا من ناحية، والمتغيرات الناتجة عن فوز إبراهيم رئيسى بمنصب الرئاسة فى إيران من ناحية ثانية، فضلاً عن تطورات المشهد السياسى العراقى الداخلى تحسباً للانتخابات البرلمانية فى أكتوبر القادم، ومسعى الحكومة لفتح بعض ملفات الفساد من ناحية ثالثة.

متغيرات جديدة ساحتها العراق

يبدو أن الاستهداف العسكرى المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران داخل العراق أخذ فى التصاعد، بالرغم من أن الإدارة الأمريكية الجديدة أعلنت مراراً اعتمادها على الدبلوماسية المتعددة كأدوات لسياستها الخارجية لمقاربة قضايا الشرق الأوسط، إلا أنها لا تتوانى عن استخدام القوة العسكرية من آن لآخر كأداة ردع لخصمها الإقليمى الإيرانى فى المنطقة، لاسيما بعد أن وجهت إيران 6 هجمات عسكرية بطائرات مسيرة ضد أهداف أمريكية فى العراق على مدى الفترة من إبريل إلى يوليو من عام 2021 الجارى، حيث جاء رد الفعل الأمريكى قوياً عبر استهداف الميليشيات العراقية المسلحة التابعة للحشد الشعبى - والموالية تدريباً وتمويلاً للحرس الثورى الإيرانى – فى منطقة الحدود العراقية السورية في 28 يونيو من عام 2021 الجارى للمرة الثانية، ما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة - وإن كانت مختلفة فى معالجتها للعلاقة مع إيران عن سابقتها التى مارست سياسة "ضغوط قصوى" ضدها- لن تقف مكتوفة الأيدي ضد استهداف مصالحها فى العراق من قبل طهران، وهو ما يعنى أن الأخيرة قد أساءت تقدير رد فعل الإدارة الأمريكية الجديدة على تحركاتها المعادية لمصالحها فى العراق؛ من منطلق اعتقادها (أى طهران) أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستتراجع إلى حد كبير عن مزيد من الانخراط فى قضايا الشرق الأوسط، لصالح مزيد من الاهتمام بمنطقة آسيا والمحيط الهادى التى تتعارض مصالحها فيها بقوة مع كل من الصين وروسيا. والدليل على إساءة تقدير طهران رد الفعل الأمريكى أن الضربة العسكرية الأمريكية الأخيرة ضد فصائل الحشد الشعبى فى 28 يونيو الفائت نتج عنها خسائر ميدانية ومادية وبشرية كبيرة فاقت كثيراً الخسائر الناتجة عن الضربة الأولى للفصائل نفسها فى الموقع نفسه خلال فبراير الماضى.      

كما يشير فوز إبراهيم رئيسى بمنصب الرئاسة فى إيران، وهو من داخل المعسكر الدينى المحافظ المتشدد، إلى بروز متغير جديد فى العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيؤثر بالضرورة على تعاطيات الطرفين مع مصالح كل منهما فى العراق. فمن ناحية رغبت إدارة الرئيس بايدن - بتوجيهها الضربة العسكرية لفصائل الحشد فى 28 يونيو الفائت- في توجيه رسالة للرئيس الإيرانى المنتخب فى 18 يونيو 2021، الذى سيتولى مهامه رسمياً فى 5 أغسطس المقبل، مفادها أن وصول رئيس "متشدد" إلى السلطة فى طهران سيقابله مزيد من الحزم والتشدد من قبل واشنطن. لكن فى المقابل أبدت إيران تشدداً واضحاً رداً على تلك الضربة بضربات متعددة باستخدام الطائرات المسيرة على مطار أربيل وقاعدة عين الأسد والسفارة الأمريكية فى الأسبوع الأول من يوليو الجارى؛ وهو ما يعنى أن كلا الطرفين على استعداد واضح لممارسة مزيد من التصعيد ضد مصالح كل منهما داخل العراق، وإن كانت الضربات الأمريكية تركز على منطقة تواجد فصائل الحشد الشعبى بالقرب من الحدود العراقية مع سوريا، بينما شملت الضربات التى توجهها الميليشيات العراقية بدعم إيران معظم المصالح الأمريكية فى العراق.

هذا بخلاف ما أعلنه رئيسى فى تصريحاته عقب إعلان فوزه، بأنه سيعمل على ترقية الدور الإقليمى لإيران فى المنطقة، وسيواصل دعم الفصائل الشيعية فى مناطق النفوذ الإيرانى فى العراق وسوريا تحديداً لما يمثلانه من مجال حيوى واستراتيجى لمسار المشروع الإقليمى الإيرانى، بل وإعلانه أن ثمة قضايا إقليمية تهتم بها إيران وتدخل فى حيز مصالحها الإقليمية الإستراتيجية باتت "غير قابلة للتفاوض". وتتخوف الحكومة العراقية المقبلة على انتخابات تشريعية فى أكتوبر القادم من تصريحات رئيسى وانعكاساتها على عدة ملفات داخل العراق منها: حالة الدعم الإيرانى المادى والتدريبى والعسكرى لميليشيات الحشد الشعبى الموالية لها والمتوقع أن تأخذ فى التزايد المستمر، بما يعنيه ذلك من مزيد من الانفلات الأمنى، ومزيد من الاستقواء بالسلاح على هيبة الدولة وعلى مؤسساتها. أيضاً ما يوفره وجود رئيس "دينى محافظ متشدد" فى إيران من دعم لقوى سياسية عراقية مماثلة من القوى والأحزاب السياسية الدينية المتشددة بما ينذر بعودة تلك القوى إلى تصدر المشهد السياسى فى العراق خلال الانتخابات البرلمانية القادمة. ويعنى ذلك النكوص عما تم تحقيقه خلال الدورات الانتخابية الماضية، والتى أقصت إلى حد ما صقور القوى السياسية الدينية من السلطة، ومنعتهم كذلك من الاستحواذ على العملية السياسية بالكامل. هذا بخلاف السياسات المتوقع أن تمارسها إيران فى ظل رئيسى عبر أذرعها السياسية وميليشياتها العسكرية العراقية الولائية ضد حالة "التوازن الإستراتيجى" التى تمارسها حكومة الكاظمى الحالية فى علاقاتها الخارجية مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بما قد يهدد عودة العراق إلى محيطه العربى والذى تتجه إليه بغداد بخطى تدريجية ثابتة ومتوازنة.

كما تعد عملية التفاوض بشأن البرنامج النووى الإيرانى فى فيينا، وعودة الولايات المتحدة المحتملة إليه أحد المتغيرات المهمة فى عملية الاستهداف العسكرى المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران فى العراق، حيث يؤثر الواقع الميدانى بين الطرفين الأمريكى والإيرانى - سواء فى العراق أو سوريا أو فى منطقة الحدود بينهما – على مسار المفاوضات الجارية فى فيينا بشأن البرنامج النووى لإيران، كما يتأثر هذا الواقع الميدانى بدوره بالمسار التفاوضى نفسه؛ أى أن ثمة عملية "تأثير وتأثر" متبادلة بين واقع المواجهة الميدانى بين إيران والولايات المتحدة فى العراق، وبين مسار التفاوض بشأن البرنامج النووى الإيرانى فى فيينا. فحالة التصعيد الميدانية الأخيرة تقوض بالضرورة من فرص استمرارية التفاوض الذى وصل إلى جولته السادسة دونأن يحقق نتائج ملموسة يعتد بها فعلياً، لاسيما بعد حالة التشدد التى أبدتها إيران بشأن رفض تجديد اتفاقها مع وكالة الطاقة الذرية والمنتهى فى 24 يونيو 2021، ثم إبداء مرونة تجاهه بإعلانها فى 29 يونيو الفائت أنها بصدد احتمال تجديد الاتفاق التقنى مع الوكالة.

وفى الوقت نفسه، ثمة تزايد فى حالات الاستهداف العسكرى بين الميليشيات التابعة لإيران فى العراق وبين الولايات المتحدة رافقت عملية التفاوض فى فيينا من باب محاولة الطرفين الضغط على بعضهما البعض. فحالة التشدد الإيرانى فى مفاوضات فيينا التى رافقتها مطالب إيرانية برفع العقوبات وغض الطرف عن مشروع إيران الإقليمى وعن دعمها لأذرعها العسكرية فى العراق وسوريا واليمن ولبنان، دفعت إدارة بايدن إلى التأكيد على أنها ستعمل بقوة على "مواجهة نشاط إيران وزعزتها لاستقرار المنطقة". ومن الملاحظ أيضاً أن حالة التصعيد الميدانى بين الطرفين فى العراق كانت أحد الأسباب وراء تراجع وتأخر جولات الحوار فى فيينا؛ حيث ترفض إدارة بايدن استخدام إيران لميليشياتها فى العراق كأداة ضغط على مصالحها هناك، بهدف دفع واشنطن – تحت ذلك الضغط- إلى العودة إلى الاتفاق النووى معها دون أن تنال تلك العودة من مصالح إيران فى المنطقة ككل. وتؤكد واشنطن فى الوقت نفسه على أن أداتها الدبلوماسية فى التعامل مع إيران - عبر آلية التفاوض بشأن البرنامج النووى - لن تمنعها من استهداف الميليشيات التابعة لإيران عسكريا، سواء فى العراق أو فى سوريا.

تأثير الانتخابات

كذلك، تعد الانتخابات التشريعية العراقية القادمة فى أكتوبر 2021 من أهم المتغيرات فى معادلة الاستهداف العسكرى المتبادل بين إيران والولايات المتحدة داخل العراق، حيث تسعى طهران عبر الهجمات العسكرية على المصالح الأمريكية إلى إبراز أولاً مدى عجز حكومة الكاظمى - التى تحظى برعاية واشنطن - عن حماية مصالح حليفها الدولى الأول. وترغب ثانياً فى التأثير على المشهد السياسى الانتخابى المقبل من خلال المطالبة بتأجيله حتى إبريل عام 2022، ومن خلال التأكيد على عجز الحكومة عن توفير حالة من الاستقرار الأمنى التى تمكن من إتمام العملية الانتخابية المزمعة. وتحاول ثالثاً التأثير على الناخب العراقى نفسه وحمله على إعادة انتخاب التيارات الدينية المتشددة فى الانتخابات المقبلة، على اعتبار فشل التيارات المعتدلة والمستقلين فى إنجاح مسيرة التغيير التى طالبت بها الحركة الاحتجاجية فى أكتوبر 2019. سواء من ناحية الإصلاح السياسى والمؤسسى ومحاربة الفساد المالى والإدارى، أو من ناحية استقلالية القرار السياسى العراقى بعيداً عن التأثير الإيرانى.

ويلاحظ أن التصعيد العسكرى الذى أبدته بعض فصائل الحشد الشعبى العراقية، وتحديداً حزب الله وكتائب سيد الشهداء ضد الوجود الأمريكى فى العراق، جاء بعد زيارة حسين طائب رئيس استخبارات الحرس الثورى الإيرانى للعراق فى 6 يوليو الجارى واجتماعه بقادة تلك الفصائل، وهو ما يشجع تلك الفصائل على الاستمرار فى مواجهة الدولة عبر الأداة العسكرية. وهذا يعنى وصول بعض الميليشيات العسكرية العراقية المسلحة إلى مستوى عالٍ من تحدي الدولة وهيبتها، مدعومة براعيها الإقليمى الإيرانى. كما يلاحظ أن مسار التصعيد مع الولايات المتحدة على الساحة العراقية جاء انعكاساً لوتيرة مسار التفاوض بشأن البرنامج النووى الإيرانى فى فيينا.

المعطيات السابقة تشير إلى أن حالة التصعيد المسلح بين إيران والولايات المتحدة فى العراق آخذة فى التصاعد وبقوة خلال المرحلة القادمة، انتظاراً لتعاطيات الرئيس الإيرانى الجديد إبراهيم رئيسى مع مجمل متغيرات العلاقة بين الطرفين ومن بينها الحالة العراقية. كما أن حالة الاستقواء بإيران التى تبديها الفصائل العراقية الشيعية المسلحة، والتى تتعمد إضعاف الأمن والاستقرار فى الدولة، من شأنها فرض متغيرات ميدانية جديدة فى مواجهة الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق عبر معادلة أمنية تمثل الحكومة العراقية فيها الطرف الأضعف.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية