أحمد عليبة

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

يعكس البيان الصادر عن اجتماع مجلس الأمن الدولي على المستوى الوزاري برئاسة فرنسا، منتصف يوليو الجاري، تنامي المهددات الأمنية على الساحة الليبية، حيث تناول المجلس خمسة ملفات أمنية رئيسية هى: استمرار الانقسام العسكري، واستمرار عمليات توريد الأسلحة إلى ليبيا وعبرها إلى دول الجوار، وتزايد تدفق الجماعات المسلحة والمرتزقة الأجانب، وتهريب المهاجرين واللاجئين والاتجار بالبشر عبر ليبيا، وتزايد خطر التنظيمات الإرهابية.

أما على المستوى السياسي، فقد كشف البيان عن أن الليبيين لم يحرزوا أى تقدم فيما يتعلق باستحقاقات العملية السياسية، مشيراً في هذا السياق إلى العراقيل التي تواجه ثلاثة ملفات رئيسية وهى: المصالحة الوطنية، والقاعدة الدستورية وقانون الانتخابات، والموازنة المالية والأموال المجمدة، مشدداً على أن موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر المقبل هو موعد نهائي غير قابل للتأجيل. 

في المقابل، أغفل مجلس الأمن ملف القواعد الأجنبية في ليبيا، على الرغم من إشاراته الواضحة إلى أن تنامي المهددات الأمنية، لاسيما تصاعد دور المرتزقة والجماعات المسلحة من خارج ليبيا، يؤثر على سيادة البلاد واستقرارها، وهو ما لا يقل خطورة إن لم يكن يزيد في حالة القواعد الأجنبية، ما يعكس دلالة على سياسة انتقائية لتفادي الخوض في هذا الملف، حيث من المؤكد أن إثارته كانت ستعوق تمرير البيان الختامي، عبر الفيتو الروسي، خاصة أن الولايات المتحدة لا تثير حالة التواجد العسكري التركي في ليبيا، إلا في سياق الإشارة إلى وجود روسي يتمثل في مجموعات فاجنر.

 كما أشار البيان إلى القلق من الأثر الانتشاري للجماعات المسلحة والمرتزقة الأجانب وعمليات تدفق الأسلحة على دول الجوار الليبي، إلا أن تركيزه على منطقة الساحل هو صيغة فرنسية بطبيعة الحال في ظل ما تشهده مناطق النفوذ الفرنسي من توترات أمنية.

المواقف الدولية: توافقات الحد الأدنى

من الواضح أن القوى الدولية المنخرطة في الملف الليبي أصبح لديها قدرة على إدارة معادلات الاشتباك فيما بينها، بحيث باتت القرارات والمواقف الدولية مكررة فيما يخص الملف الليبي، لكن من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن حسابات القوى الدولية على المستوى العملي أوسع من الملف الليبي، ويمكن القول أن هذه الحسابات ترتبط بتشابكات أوسع في ملفات دولية أخرى، منها، على سبيل المثال، الإشارة الفرنسية إلى منطقة الساحل، حيث أن هناك تقديرات فرنسية لدور روسي في هذه المنطقة، وهناك أيضاً تنسيق أمريكي – تركي في الملف الأفغاني في ضوء الانسحاب الأمريكي من هناك، فضلاً عن التشابكات المعقدة بين روسيا وتركيا في سوريا ودول آسيا الوسطي مؤخراً بعد أزمة ناغورني كراباخ، وانعكاس فائض هذه التشابكات من ساحة لأخرى، وفي محصلة هذه التشابكات يمكن تصور أن الأطراف تعتمد توازنات ومقايضات في ظل صعوبة الفصل بين كافة هذه الملفات التي يوجد بينها قواسم مشتركة على مستوى الأطراف والمصالح بنسب مختلفة.

فيما يخض الحالة الليبية، فإن حدود توافق الحد الأدنى قائمة بين تلك القوى، فيما يتعلق بالعناوين السياسية والأمنية، فكافة الأطراف تصر على عدم تجاوز عتبة المهلة الزمنية لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في 42 ديسمبر المقبل، كما تحث الأطراف الليبية على تجاوز حالة الانسداد السياسي في ظل صراعات المحاور بين القوى الليبية، لكن على المستوى العملي لا يمكن استبعاد دور تلك القوى من اتهامات عرقلة المشهد السياسي والأمني، بل يمكن القول إن هناك سباقاً بين كافة الأطراف الدولية المنخرطة في ليبيا على هندسة المشهد المستقبلي بما يخدم مصالحها. على سبيل المثال، تشير بعض التقارير الروسية إلى أن موسكو متحمسة لترشيح سيف الإسلام القذافي، فى حال تمكنت من رفع القيود عنه، بينما سيكون خيارها المفضل المشير خليفة حفتر إذا ما ترشح للرئاسة، وتترجم موسكو هذه الخيارات بالتأكيد على عدم استبعاد قيادة الجيش الوطني أو النظام السابق من العملية السياسية، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مناسبات متعددة.

في المقابل، لا يبدو أن واشنطن تدعم هذا التوجه، وكان إفصاح حفتر عن دور "أفريكوم" ضد الجيش الليبي خلال معركة طرابلس مؤشر فى هذا السياق، فقد جاءت هذه التصريحات قبيل جولة الملتقى السياسي الأخيرة في أعقاب (برلين 2)، في 27 يونيو 2021، على الرغم من أن هذه التصريحات ربما كانت أكثر ملائمة لو طرحت خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي.

 كذلك بالنسبة لتركيا، لا يبدو أن أياً من خيار حفتر أو القذافي الابن ملائم لها، حيث لا تزال تراهن على دور لتنظيم الإخوان المسلمين، وتترجم هذه المواقف في صعوبات تمرير القاعدة الدستورية بصيغة تسمح بقبول ترشح العسكريين، كما تظهر في تعطيل مسار المصالحة الوطنية مع النظام السابق، فضلاً عن عرقلة توحيد المؤسسة العسكرية، حيث لا تزال تركيا تنتهك العديد من بنود قرار وقف إطلاق النار، مثل عملية تدريب العسكريين، أو دورة تبديل المرتزقة الأجانب، بالإضافة إلى التمسك بمشروعية وجودها العسكري في ليبيا.

على الصعيد الأمني، يبدو بيان مجلس الأمن عبارة عن خطاب تكراري يفتقر إلى الأدوات والآليات، التي يتم التعامل معها بشكل انتقائي أيضاً، خلال المرحلة السابقة، فقد قامت الولايات المتحدة بشكل منفرد بتعزيز الوضع الأمني على الحدود الليبية مع دول الجوار مثل تونس والجزائر عبر  نظام مراقبة الحدود، لكن هذا النظام لم يتم تفعيله في الحدود الجنوبية التي تشهد حالة من الفوضى الأمنية في ظل انتشار ظواهر التسلح والمرتزقة والميليشيات العابرة للحدود بين ليبيا ودول الساحل، وخلال الشهرين الأخيرين حذرت تلك الدول في مؤتمرين على التوالي من تصدير الساحة الليبية للفوضى، لكن من دون تسوية صراعات النفوذ بين القوى الدولية صاحبة المصالح في تلك المناطق لن يتم حسم هذا الملف بالتبعية. بل على العكس من ذلك هناك فرصة مثالية لتنامي وتطور هذه الظواهر في المستقبل. 

صراعات المحاور الداخلية: إجادة إضاعة الفرص

هناك عدد من الدروس المستفادة من الخبرة الليبية عبر دورات الانتقال السياسي المتعددة. أحد تلك الدروس يشير إلى أنه مهما توافر الحد الأدنى من التوافق الدولي على خريطة الانتقال السياسي، فإنه لا يمكن تجاوز خريطة التعقيدات الليبية، فقد استغرقت عملية التوصل لقرار وقف إطلاق النار 9 أشهر بين مؤتمر "برلين 1" في 19 يناير 2020 وإعلان اللجنة العسكرية المشتركة للقرار في 23 أكتوبر 2020، كذلك فشل الملتقى السياسي في حسم الخلافات بين القوى الليبية حول القاعدة الدستورية عقب مؤتمر "برلين 2"، كما لا يعتقد أن بيان مجلس الأمن (15 يوليو 2021) سيتم ترجمته على الفور ويدفع الأطراف إلى حسم تلك الخلافات تحت الضغط الدولي، ما يعني أن توافر الحد الأدنى الدولي إن لم يعادله توافق الحد الأدنى على الساحة الداخلية فلا يمكن تجاوز العراقيل والعقبات.

لا يمكن الجدل بشأن توافر الحد الأدنى من التوافق بين أغلب المحاور السياسية المحلية في ليبيا على إجراء الانتخابات في موعدها، لكن لا يوجد هامش توافق على التفاصيل فى أىٍ من الملفات ذات الصلة، ويمكن التوقف أمام عبارة جوهرية في هذا الصدد وردت في إفادة للمبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيش، حيث أشار إلى أن معظم من تحاور معهم أكدوا على التزامهم بإجراء الانتخابات في موعدها، إلا أنه استدرك بقوله: "أخشى أن العديد منهم ليسوا مستعدين للمضى قدماً في ترجمة أقوالهم إلى أفعال"، وهو ما يعكس عدم الثقة أو انعدام المصداقية في المواقف المعلنة من جانب الأطراف.

كذلك، يصعب المجادلة في القول بأن محصلة كافة التشابكات بين الملفات السياسية والأمنية في ليبيا تتعلق بالصراع على السلطة، في كافة المراحل الانتقالية السابقة، فقد كان بإمكان الليبيين تشكيل سلطة من خلال صفقات سياسية، مع تغير قواعد لعبة التوافق في كل مرة، ففي المرحلة الحالية تمكن الملتقى السياسي من إنجاز عملية تشكيل السلطة على قاعدة "المحاصصة المركبة" التي راعت الحسابات الجهوية والسياسية وتوازنات القوى، لكن الانتخابات المقبلة لن تتم بهذه الصيغة، فمنصب الرئاسة سيشغله شخص واحد، وليس ثلاثة أشخاص كما هو الحال بالنسبة للمجلس الرئاسي حالياً، وهو ما يعكس سبب الخلاف بين الأطراف على آلية انتخابه وصلاحياته، كذلك بالنسبة للحكومة ستكون إفرازاً للانتخابات التشريعية التي يفترض أن تتنافس فيها الأحزاب.

ووفقاً لهذا السياق، فإن صراعات المحاور تبدو أكثر حدة في المشهد الراهن، لسبب جوهري يصعب تفاديه، وهو "تعارض المصالح"، فالأطراف المعنية بصياغة قواعد العملية السياسية، عبر البرلمان أو المجلس الأعلى للدولة، أو المشاركين في منحها صك المشروعية عبر الملتقى السياسي، هم أنفسهم مرشحون أو ممثلون للقوى التي ستترشح في الانتخابات المقبلة، وبالتالي يسعى كل طرف إلى هندسة المخرجات لصالحه، وهو ما يفسر صعوبة التوافق على القاعدة الدستورية، لاسيما ما يتعلق بتراتبية الاستحقاقات (الاستفتاء على الدستور – الانتخابات الرئاسية والتشريعة بالتزامن أم بشكل منفصل- آلية انتخاب الرئيس وصلاحياته)، فرئاسة مجلس الدولة التي يملثها القيادي الإخواني خالد المشري تصر على إجراء الاستفتاء أولاً  قبل الانتخابات، أو المقايضة بصيغة أخرى لاختيار الرئيس بنظام القائمة، وكلاهما يرفضه رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي قد يتجه للترشح في الانتخابات المقبلة على منصب الرئيس أيضاً، كذلك بالنسبة لشروط الترشح على منصب الرئاسة، هناك سوابق يتمسك بها الأطراف، فعلى سبيل المثال، ترشح كل من المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان وأسامة جويلي – آمر غرفة العمليات المشتركة بالمنطقة الغربية- على قوائم اختيار السلطة الانتقالية الحالية دون التقدم باستقالتيهما، وهو ما يفسر تمسك المشير حفتر بالترشح في الانتخابات المقبلة دون التخلي عن منصبه العسكري.

فى الأخير، يمكن القول إنه بشكل عام لا يحدث أى اختراق في المشهد الليبي دون توافر الحد الأدنى من التوافق على المستويين الدولي والمحلي، كما يصعب الفصل بين تلك الملفات بالنظر إلى تشابكاتها المعقدة وتداعيات تأثير بعضها على البعض الآخر. وعلى المدى المنظور، سيكون من الصعوبة بمكان تجاوز حالة الانسداد السياسي دون التوصل إلى صفقات سياسية بين المحاور المتعارضة، وأى تقارب سيكون كاشفاً عن خريطة التكتلات في الانتخابات المقبلة، لكن في المرحلة التالية إذا ما تم تجاوز هذا الانسداد سيكون المحك الحقيقي هو القبول بمخرجات العملية السياسية، حتى لا يعود الجميع إلى المربع الأول، أى مربع الصراع المسلح، وهو احتمال وراد، خاصة وأنه سيكون من الصعوبة بمكان في ظل ضيق السقف الزمني إنجاز أىٍ من الملفات الأمنية وبالتالى فإن أدوات الصدام قائمة ومؤشرات الصراع وفق قواعد اللعبة السياسية لم تتغير هى الأخرى.