مقالات تحليلية

سد النهضة: لماذا مجلس الأمن وما هى المسارات المحتملة؟

طباعة

مع بروز اتجاهات سلبية من جانب بعض الدول الأعضاء فى مجلس الأمن خلال الجلسة الافتتاحية التى ناقشت ملف سد النهضة، تصاعدت الأسئلة بشأن جدوى اللجوء إلى المجلس للمرة الثانية فى هذه المرحلة من أزمة سد النهضة، وتأثير هذه الخطوة على مجمل الموقف المصرى السودانى المشترك.

فى هذا السياق، يمكن القول إنه يكاد يكون من المتفق عليه فى السلوكيات الدولية أنه يتم اللجوء إلى الوساطات بجميع أنواعها لحل أى نوع من النزاعات فى المجالات المختلفة، وهو سلوك خبرته الإنسانية عبر تاريخها الطويل، ونظمته فى العصر الحديث فى أطر متعددة على المستوى الدولى كان آخرها منظمة الأمم المتحدة، وآليتها الأهم مجلس الأمن، وذلك بهدف عدم الانزلاق إلى عوالم الفوضى وتهديد السلم نتيجة تضارب المصالح بين الدول.

وقد لجأت دولتا الممر والمصب لنهر النيل (مصر والسودان) لمجلس الأمن بعد أن استنفدتا جميع أشكال وأطر الحوار مع إثيوبيا، بهدفين أساسيين: الأول، هو وضع المجتمع الدولى ممثلا فى مجلس الأمن أمام مسئولياته فى حفظ الأمن والسلم الدوليين. والثاني، إبراء الذمة بشأن مستقبل هذه الأزمة المرشحة لتكون عنوانا لتصاعد التوتر فى ثلاث مناطق حاكمة للمصالح الدولية، هي: حوض النيل، والقرن الإفريقي، والبحر الأحمر.

تعنت إثيوبي

فى المقابل، فإن المقاومة الإثيوبية القوية لعرض الأزمة على مجلس الأمن تعود إلى أمرين: الأول، محاولة استبعاد أى وجود دولى مستقل عن أطراف الصراع، وذلك نتيجة التقرير الصادر بشأن سد النهضة فى مايو 2013، وهو التقرير المنبثق عن اللجنة الدولية التى تم تكوينها نتيجة للمباحثات التى تمت بين الأطراف على المستوى الفنى فى نوفمبر 2011، حيث تم الاتفاق على تكوين لجنة دولية لتقييم مشروع سد النهضة تكون عضويتها من خبيرين من السودان، وخبيرين من مصر، وأربعة خبراء دوليين فى مجالات هندسة السدود وتخطيط الموارد المائية والأعمال الهيدرولوجية والبيئية والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للسدود من ألمانيا وفرنسا وجنوب إفريقيا.

وقد خلصت هذه اللجنة إلى تقرير شامل فى مايو 2013 تضمن تحفظات واضحة تتعلق بسلامة السد والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على الفئات الفقيرة فى مناطق إنشاء السد، وتحفظات تتعلق بتأثيره على الموارد المائية لدولتى المصب وقلة تدفق المياه إليهما، وهذه أمور طبقا لتقرير اللجنة تحتاج إلى مزيد من الدراسات التفصيلية من جانب الحكومة الإثيوبية لمنع الآثار السلبية للسد.

والثاني، طبيعة نفوذ إثيوبيا داخل الاتحاد الإفريقى كدولة مقر له، وعدم امتلاك الاتحاد آليات ضغط عليها كالعقوبات مثلا، وهو ما وضح خلال العام الأخير على الأقل حينما توافرت نية حقيقية من جانب الكونغو، الرئيس الحالى للاتحاد الإفريقي، لحل الأزمة. ولكن الرفض الإثيوبى كان واضحا، أيضا مع وجود مبادرات أمريكية تم تناولها فى جلسة مباحثات عقدت أخيرا بين وزراء الرى فى الدول الثلاث بكينشاسا، وذلك على الرغم من أن مبادئ عدم الإضرار بمصر قد تعهدت بها إثيوبيا فى اتفاق 1993 الموقع بين مصر وإثيوبيا، الذى ينص فى مادته الخامسة على امتناع الطرفين عن القيام بأى نشاط بشأن مياه النيل من شأنه التسبب فى أى ضرر ملموس لمصالح الطرف الآخر.

الجهود المصرية لحل الأزمة

لعله من الأهمية بمكان استعراض حالة «الصبر الإستراتيجي» الذى مارسته مصر فى هذه الأزمة ومحاولات احتواء غالبية محطات التعثر فى المباحثات بين الأطراف، وصولا لمرحلة التدويل عبر محطتى واشنطن ومجلس الأمن، فيما يمكن أن نطلق عليه إبراء الذمة إزاء النطاقين الإفريقى والدولي، حيث حاولت القاهرة احتواء الموقف الإثيوبى منذ وقت مبكر، لنفى الأطروحات الإثيوبية بشأن رفض مصر التنمية فى إثيوبيا. من هنا، فإنه مع توقف المباحثات بين الأطراف ثمانية أشهر تم اختراق الموقف بلقاء عُقد بين الرئيس عبد الفتاح السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى السابق هيلى ديسالين فى مالابو بغينيا، حيث اتفقا على أن تتم المباحثات تحت رعايتهما الشخصية فى مايو 2014، على أن تكون اللجنة من العناصر الوطنية للدول الثلاث دون وجود أى عناصر من الجانب الإقليمى أو الدولى تقوم بأدوار تقييم مواقف بين الأطراف أو حتى تقريب وجهات النظر، وانتهى الأمر بالتوقيع على اتفاق إطارى للمبادئ فى مارس 2015 من عشرة بنود تضمن ضرورة الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.

وقد أسفر هذا الاتفاق عن عقد الاجتماع الرابع على مستوى وزراء الرى فى البلدان الثلاثة بالخرطوم فى أغسطس 2014، وتم خلاله الاتفاق على آلية لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية بشأن سد النهضة. وقد وقع الجانبان على البيان الختامى برعاية سودانية، الذى نص على تشكيل لجنة خبراء رباعية من الدول الثلاث بجانب الاستعانة بشركة استشارية دولية لإجراء الدراستين الإضافيتين للسد.

وتم الاتفاق على اختيار 7 مكاتب استشارية للقيام بالدراسات، ولكن الاستقرار على اثنين منها استغرق أكثر من عام، حيث عُقد فى ديسمبر 2015 اجتماع بهذا الشأن تم فيه بحث النقاط الخلافية بين المكتبين الاستشاريين المستقر عليهما وعرض السيناريوهات المختلفة لحل الأزمة، تمهيدا لعرضها على وزراء المياه فى مصر والسودان وإثيوبيا لاتخاذ القرارات المشتركة لحلها والبدء فى تنفيذ الدراسات الفنية للمشروع.

وفى هذا السياق، رفضت مصر قيام مكتب بمفرده بتنفيذ الدراسات الفنية الخاصة بسد النهضة طبقا للاقتراح الإِثيوبي، متمسكة بما تم الاتفاق عليه خلال اجتماعات الجولة الخامسة للجنة الوطنية الثلاثية فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا فى أبريل 2015، حيث تم اختيار مكتبين، وليس مكتبا واحدا هما «بى. آر. إل» الفرنسى و«دلتارس» الهولندى لتنفيذ الدراسات بنسبة 70 % للأول و30 % للثاني.

وفى ضوء هذه الأزمة، تم عقد الاجتماع رقم 13 من مباحثات سد النهضة، يومى 27 - 28 ديسمبر 2015، لبحث الشواغل المصرية من سد النهضة. وأسفر الاجتماع عن التوقيع على وثيقة الخرطوم التى تُعد وثيقة قانونية وملزمة للدول الثلاث، والتى تضمنت الرد على جميع الشواغل التى أثارتها الدول الثلاث، وتم اختيار مكتب «ارتليا» الفرنسى بدلا من المكتب الهولندى المنسحب «دلتارس» ليعمل مع المكتب الفرنسى «بى آر.إل» بنسبة 30٪ للأول و70 % للأخير. وقد تم الاتفاق على خريطة طريق مستقبلية، بهدف سرعة إتمام الدراسات الفنية على أن يكون التوقيع على عقد الأعمال الاستشارية فى الأول من فبراير 2016 فى الخرطوم، بحضور الوزراء بالدول الثلاث، على أن تنتهى الدراسة المائية خلال فترة لا تتجاوز 8 شهور. وقد انعقدت اللجان فى نوفمبر عام 2016 دون البت فى العروض الفنية والمالية لمكتبى الاستشارات.

ومع تعقد مسار المباحثات المصرية- الإثيوبية بشأن سد النهضة، أعلنت القاهرة فى يناير 2018 عن رغبتها فى مشاركة البنك الدولى فى أعمال اللجنة الثلاثية، التى تبحث فى تأثير إنشاء السد على دولتى المصب- مصر والسودان- حيث يتمتع البنك الدولى بخبرات فنية واسعة، تمكنه من تيسير عمل اللجنة الثلاثية. ولكن تم رفض المقترح المصرى من الجانب الإثيوبى بينما لم يتفاعل السودان مع المبادرة المصرية ولم يقدم رأيا واضحا تجاهها.

وهكذا، لم يتم الاتفاق مع المكاتب الاستشارية حتى اللحظة الراهنة، وأصبحنا أمام مشكلة أن الشركة الإنشائية باتت بلا مراجعة استشارية، وليس هناك رقم لمعامل أمان هذا السد الذى تنقسم وجهات النظر حوله بين أنه مهدد بالتصدع، نتيجة ضغوط المياه على إنشاءات هندسية على فالق أرضي، وبين صلاحية السد دون الاستناد لدراسات، وهو ما يجعل كلا من السودان ومصر أمام «قنبلة مائية» تهدد الأمن الإنسانى للبلدين فى حالة انهيار السد.

وقد امتد هذا الموقف الإثيوبى الرافض للوجود الدولى حتى أكتوبر 2019، حينما فشلت المباحثات، وطلبت مصر وساطة دولية طبقا للبند العاشر من إعلان المبادئ الموقع فى مارس 2015 بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا.

الاتجاه نحو التدويل

مع تغير نظام الحكم فى السودان، ونجاح الثورة السودانية، بدأت الخرطوم فى إعادة النظر فى تداعيات سد النهضة على الصعيد الفنى واتجهت إلى بلورة موقفها بناءً على دراسات بهذا الشأن. ومع وضوح الضرر عليها انخرطت فى استكشاف عمق الموقف الإثيوبي. ومن هنا تبلور تقارب مصري- سودانى نجح فى حث الولايات المتحدة الأمريكية على ممارسة ضغوط على إثيوبيا التى انخرطت فى مباحثات فى واشنطن، تحت رعاية أمريكية بدءا من نوفمبر 2019، كان مقررا لها الاستمرار شهرين فقط ولكنها امتدت ثلاثة أشهر وبلورت مسودة اتفاقية وافقت عليها أديس أبابا بالفعل، ولكنها انسحبت من التوقيع عليها فى فبراير 2020 فى خطوة لم تكن مبررة أحرجت الوسيط الأمريكى إلى حد قول الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب إنه لن يستغرب إذا قامت مصر بعمل عسكرى ضد السد.

وقد وضحت الغايات النهائية للأغراض الإثيوبية فى تصريحات المسئولين الإثيوبيين فى أعقاب الملء الأول للسد فى أغسطس 2020، وهو ما أبرزه وزير الخارجية سامح شكرى فى كلمته أمام مجلس الأمن، حين رصد المقولات الإثيوبية بأن نهر النيل قد تحول إلى بحيرة إثيوبية، وأن مصر تستند إلى اتفاقات استعمارية لفرض إرادتها على دول حوض النيل. وقد تكرر هذا المضمون فى خطاب وجهته الغرفة البرلمانية الثانية فى إثيوبيا إلى البرلمان العربي، احتجاجا على قراره الصادر فى 31 أكتوبر 2019 بالتضامن مع مصر فى حماية حقوقها فى مياه النيل، وتبنت أديس أبابا التوجه نفسه ضد الجامعة العربية مع انخراطها فى حل الأزمة واتخاذها موقفا متضامنا مع كل من مصر والسودان وتشكيلها أخيرا لجنة عربية لمتابعة عملية الإسناد لموقف كل من مصر والسودان خاصة من مجلس الأمن بقيادة ممثلها السفير ماجد عبد الفتاح.

المسارات المحتملة

وضح خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس الأمن وجود مقاومة كبيرة لانخراط المجلس فى حل أزمة سد النهضة، وذلك لسببين: الأول، هو عدم الرغبة فى تصوير الأزمة على أنها مُهدِدَة للأمن والسلم الدوليين، واعتبارها أزمة قابلة للحل تحت مظلة الاتحاد الإفريقي. والثاني، الترويج إلى أن الأزمة فنية وليست سياسية، وذلك مخافة أن تشكل سابقة يتم الاعتماد عليها فى التفاعل مع مشكلات مماثلة لدول مؤثرة فى النظام الدولي، كالصين التى لديها مشكلات فى بحر الصين الجنوبى خصوصا مع التصعيد الأمريكى ضدها هناك بسبب إنشائها مجموعة من السدود على الجزء العلوى من نهر ميكونج الذى تشارك فى حوضه 6 دول، بينما يشكل موقف الولايات المتحدة علامة استفهام كبرى بين وعودها للانخراط لحل الأزمة، وبين تصنيفها للأزمة على أنها صراع جيو-سياسى بين كل من مصر وإثيوبيا، وهو اتجاه تتبناه بعض الدول متجاهلة الأبعاد القانونية والإنسانية لهذه الأزمة والمؤثرة على نحو 150مليون نسمة.

على أى حال مع وجود مشروع قرار لتونس هو محل توافق من جانب كل من مصر والسودان، ويطالب بإيقاف الملء الثانى للسد، والعودة للمفاوضات تحت سقف زمنى لا يتجاوز 6 أشهر، ومع تواصل حالة التضاغط بشأن بلورة موقف لمجلس الأمن، سيكون على المجلس اتخاذ قرار فى غضون هذا الأسبوع، إما بقبول مشروع القرار مع إدخال تعديلات عليه، أو الاكتفاء بمجرد بيان يحث الأطراف على العودة للمفاوضات.

وطبقا لمخرجات هذه التضاغطات يمكن القول إن ثمة مسارات ثلاثة محتملة يمكن أن تتجه الأزمة إلى أحدها: الأول، الاستمرار فى المفاوضات تحت مظلة أفق يُقزِّم الأزمة فى إطار الصراع الجيو- سياسي، وهو تصنيف يضر الشعبين المصرى والسوداني. والثاني، التوقف عن المفاوضات والدخول فى صراع مفتوح مع إثيوبيا ليس بالضرورة أن يأخذ شكل الصراع العسكرى المباشر. والثالث، اللجوء إلى المقاربات الخشنة لتحريك الموقف الدولى وإجباره على التدخل باعتبار الأزمة مُهدِدَة للأمن والسلم الدوليين وليست صراعا جيو-سياسى بين دولتين.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 12 يوليو 2021.
طباعة
د. أماني الطويل

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة فى الشئون الأفريقية