مقالات تحليلية

خريطة الأزمات ومستقبل الدولة في إثيوبيا

أحمد عسكر * 2022 9-7-2021
طباعة

حازت أزمة إقليم تيجراى منذ اندلاعها في نوفمبر 2020 على اهتمام إقليمي ودولي واسع، إلا أنها واحدة ضمن مستنقع من الأزمات المتعددة تواجهها الدولة الإثيوبية منذ سنوات؛ إذ تشهد سلسلة من التوترات والنزاعات والصراعات في مختلف أرجائها بين القوميات والعرقيات وبين كافة الأقاليم الإثيوبية، والتي تعكس بطبيعة الحال المخاوف من تدهور أركان الدولة الإثيوبية مما قد ينذر بتفككها مستقبلًا، وما ينطوي عليه من زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بشكل عام، وهو أمر يجد مقاومة من جانب القوى الدولية الفاعلة حمايةً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.  

صراعات متعددة


 

تواجه إثيوبيا في الوقت الراهن أزمات متعددة الأبعاد والاتجاهات، وذات سمات سياسية واقتصادية وأمنية وجغرافية واجتماعية عديدة. فعلى الرغم من أن الفيدرالية العرقية تمثل إحدى الطرق لمعالجة الملفات الشائكة الخاصة بقضايا العدالة والحقوق العرقية، إلا أن الفيدرالية في التجربة الإثيوبية قد أضحت دافعًا لزعزعة الاستقرار الداخلي. لذلك، تأتي موجة الأزمات والصراعات في الداخل الإثيوبي كنتيجة طبيعية للتحديات التي طالما تراكمت طوال العقود الماضية في ظل فشل الحكومات الإثيوبية المتعاقبة في إيجاد سبل لمعالجتها للحيلولة دون تفاقمها. وتتمثل أبرز تلك الأزمات والصراعات على الساحة الإثيوبية في:

1- حرب الرؤى حول مستقبل إثيوبيا: تنقسم الساحة السياسية الإثيوبية حول شكل النظام السياسي في الدولة خلال المرحلة المقبلة، فهناك اتجاه يضم نخب أمهرة والنخب الحضرية - وهي حليف قوي لآبي أحمد بعد تحوله عن قومية أورومو التي ينتمي إليها والتي دعمت وصوله للسلطة- يدعو إلى إعادة النظام المركزي في البلاد تحت شعار "اجعل إثيوبيا عظيمة مرة أخرى"، ويعتبر الفيدرالية سببًا رئيسيًا لكل المشكلات السياسية وعدم الاستقرار في البلاد، وأن الدستور الفيدرالي هو سبب تراجع مشروع بناء الأمة الإثيوبية الموحدة. وفي رؤيته، فإن استمرارية إثيوبيا ووحدتها واستقرارها إنما تعتمد أساسًا على تطهيرها من جبهة تحرير تيجراي وإرثها السياسي، وهو ما يبرر تورط ميلشياتها في الحرب الأخيرة على تيجراي في إطار سعيها للانتقام منها. وتهدف نخبة أمهرة بالأساس إلى استعادة الاحتكار السياسي والثقافي لإثيوبيا خاصة في ضوء علاقتها القوية مع حليفها آبي أحمد. ويشكل هذا الاتجاه تهديدًا وجوديًا لإثيوبيا كونه يفرض هوية أحادية في بلد متنوع عرقيًا بشكل كبير.  

في المقابل، هناك اتجاه آخر يفضل استمرار الفيدرالية، ويتمسك بمنح الحكومات الإقليمية المزيد من الحكم الذاتي وتقرير المصير والاستقلال عن السلطة المركزية إذا لزم الأمر. ويرى أن استقرار ووحدة البلاد يعتمد على الالتزام بالدستور الاتحادي والنظام الفيدرالي. كما يرى أنصاره أن تحركات قومية أمهرة تهدف إلى جعل إثيوبيا أمهرة أخرى[1].

2- الصراعات الحدودية: وهى صراعات تضرب كافة الأقاليم الإثيوبية دون استثناء، وقد استمرت رغم الجهود التفاوضية المبذولة لتسويتها، إلا أنها تسببت في سقوط قتلى ونزوح الآلاف من المواطنين إلى مناطق أخرى، إذ يتصاعد النزاع بين ولايتي عفار والصومال الإثيوبي على الأراضي المتنازع عليها، وهو ما دفع المجلس الانتخابي الوطني الإثيوبي لإلغاء إجراء الانتخابات في 30 مركز اقتراع بالمنطقة، وفي مناطق نزاعات أخرى مثل تيجراي وغيرها. وهناك نزاع آخر على الموارد والأراضي الزراعية بين منطقة هراري والصومال الإثيوبي، وهو ما يتسبب في اندلاع اشتباكات مسلحة بين المجموعات المسلحة من الجانبين. كما أن هناك نزاعًا تاريخيًا بين إقليمي أوروميا والإقليم الصومالي الإثيوبي على الموارد والأراضي. فيما استطاع إقليم أمهرة ضم بعض الأراضي في غرب وجنوب شرق تيجراي خلال الحرب الأخيرة، الأمر الذي قد يدفع نحو نشوب حرب جديدة بين الجانبين[2]. كما اندلع صراع "كيميس" Kemise في منطقة أورومو الخاصة في إقليم أمهرة منذ يناير 2021، حيث سيطر مقاتلو أورومو على بعض البلدات مثل أتاي في مارس 2021، وسط اتهامات متبادلة بين جيش تحرير أورومو وميلشيات أمهرة أدت لاشتباكات عسكرية في نفس الشهر في مناطق North Shewa zone وAtaye وKemise.

3- النزاعات العرقية: تتفاقم التوترات العرقية في كثير من المناطق الإثيوبية مثل أوروميا وتيجراي وبني شنقول-جوموز والعفر والإقليم الصومالي الإثيوبي وأمهرة خاصة في مناطق جنوب "ولو" ومنطقة أورومو الخاصة وشيوا الشمالية، ويتورط في تلك المواجهات السكان المحليون والميلشيات المحلية وبعض القوات الخاصة التابعة للإدارات الإقليمية، ويتم استخدام المدفعية الثقيلة في بعض تلك المواجهات[3]، مما يتسبب في سقوط عشرات القتلى ونزوح الآلاف، الأمر الذي يفاقم التوترات السياسية والأزمات الإنسانية في البلاد بسبب الحاجة إلى المياه والغذاء والمأوى والرعاية الصحية.

وقد جاء مقتل مغني الأورومو هاتشالو هونديسا -وهو أيقونة شعبية بين شباب قومية أورومو- في 29 يونيو 2021 وسط موجة الاحتجاجات التي اندلعت في الإقليم ضد سياسات النظام الحاكم؛ لتبدأ سلسلة من أعمال العنف العرقية في مناطق متفرقة من أوروميا مثل أوروميا الوسطى والشرقية، وشرق Arsiوغربها ومناطق شيوا الشرقية بما في ذلك باتو، حيث دار قتال بين جبهة تحرير أورومو والقوات الحكومية الإثيوبية التي اتخذت بعض الإجراءات التعسفية مثل قتل 178 شخص، واعتقال 9000 آخرين منهم بعض قيادات أورومو مثل جوار محمد، مدير شبكة أوروميا الإعلامية، وبيكيلي جربا، أحد قادة مؤتمر أورومو الفيدرالي، بالإضافة إلى فرض حظر التجول في الإقليم وقطع شبكة الإنترنت، وطرد أكثر من 1700 مسئول حكومي من بينهم ليما ميجرسا، وزير الدفاع السابق، والذي لعب دورًا محوريًا في صعود آبي أحمد للسلطة[4].

وفي جلسة للبرلمان الإثيوبي في أبريل 2021، اتهم ممثلو حزب الازدهار في منطقة أوروميا قوات أمهرة بتنفيذ عمليات تطهير عرقي ضد شعب أورومو في شمال شيوا. كما أشارت بعض وسائل الإعلام الدولية خلال حرب تيجراي إلى جريمة التطهير العرقي ضد قومية تيجراي على يد القوات الحكومية الإثيوبية، وهو ما انعكس سلبًا على الوضع الإثيوبي على الساحة الدولية، ويهدد قدرتها على تلقي المساعدات الدولية خلال الفترة المقبلة مما يفاقم من أزماتها الاقتصادية. 

4- أعمال العنف: بلغ عدد أحداث العنف في إثيوبيا خلال الفترة من أبريل 2018 إلى يوليو 2021 نحو 1628 حادثة، والتي أسفرت عن مقتل نحو 13 ألف شخص في أنحاء البلاد. فهناك العديد من المناطق التي تشهد موجات من العنف مثل أوروميا وبني شنقول-جوموز وأمهرة وتيجراي والإقليم الصومالي وعفار والمناطق الجنوبية مثل ولايتا وغيرها. كما شهدت الساحة الإثيوبية تصاعدًا لعدد من الحركات المسلحة في بعض المناطق مثل جيش تحرير أورومو الذي صنفته الحكومة الفيدرالية كتنظيم إرهابي، وحركة تحرير مورو الإسلامية.

ويشن جيش تحرير أورومو هجماته خلال الشهور الأخيرة في بعض المناطق مثل WollegaوArsi وBale، كما دخلت بعض قواته إلى منطقة أمهرة، ووصلت بالقرب من العاصمة أديس أبابا مما يهدد بمواجهات عسكرية مع الجيش الإثيوبي في حال تصاعدت التوترات مع الحكومة الفيدرالية. وأطلق آبي أحمد في أواخر ديسمبر الماضي عملية عسكرية جديدة تستهدف منطقة بني شنقول في غرب البلاد التي تشهد موجات عنف عرقي، كما وجّه بنشر قوات عسكرية في منطقة Metekel الريفية التي شهدت مواجهات عنيفة بين جماعتي قمز وأمهرة، لاسيما أن الأخيرة تسعى لضم المنطقة، وهو ما أدى إلى اشتعال الاشتباكات المسلحة في المنطقة خوفًا من تصعيد القوات الإثيوبية عملياتها في بني شنقول[5].

5- العنف الديني: يمثل البعد الديني أحد دوافع الصراعات في إثيوبيا التي شهدت العديد من أحداث العنف الديني خلال السنوات الأخيرة والتي طالت أنحاء متفرقة من إثيوبيا لاسيما في شرق البلاد، إذ تزايدت الهجمات ضد الكنائس والمساجد، كما برز التنافس على بناء دور العبادة والاحتفالات بالطقوس الدينية، الأمر الذي دفع الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية للدعوة لتنظيم تظاهرات واسعة النطاق في شمال البلاد في سبتمبر 2019 ردًا على تصاعد أعمال العنف الطائفي من جانب بعض الحركات المسلحة في بعض المناطق مثل أوروميا وتيجراي[6].

6- سياسات النظام الحاكم: تعمد هذا النظام إقصاء القوى السياسية التي تحولت إلى خصوم لآبي أحمد باستثناء حلفائه من أمهرة، فقد حاول التخلص من بعضها مثل جبهة تحرير تيجراي، وقام باعتقال عدد من رموز المعارضة السياسية في البلاد مثل قادة أورومو، فضلًا عن التضييق على بعض الأحزاب السياسية ذات التوجه الفيدرالي مثل جبهة تحرير أورومو ومؤتمر أورومو الفيدرالي اللذين قررا عدم خوض الانتخابات الأخيرة في أوروميا، وهو ما يعزز حالة الاستقطاب في المشهد السياسي الإثيوبي.

7- حق تقرير المصير: تظل المادة 39 من الدستور الفيدرالي الإثيوبي التي تمنح الأقاليم والقوميات الإثيوبية الحق في الحكم الذاتي والانفصال في بعض الأحيان، مصدر تهديد للاستقرار الداخلي في البلاد، ومثار قلق بالنسبة لنظام آبي أحمد، الأمر الذي قد يدفعه إلى إجراء تعديلات مستقبلًا عقب تجديد ولايته بعد فوزه المرجح بالانتخابات الحالية. ففي جنوب إثيوبيا، تطالب قومية ولايتا بالحكم الذاتي خاصة بعد نجاح قومية سيداما في إقامة إقليمها الذاتي، وقد صوت مجلس ممثلي منطقة ولايتا بالإجماع لصالح الحكم الذاتي في 19 ديسمبر 2018، إلا أن الحكومة الفيدرالية قد تغاضت عنه ولم يتم إحالته إلى المجلس الانتخابي الوطني، فانطلقت بعض التظاهرات التي أفضت إلى أعمال عنف مما دعا السلطات الأمنية إلى اعتقال عدد من المتظاهرين والمسئولين المحليين في المنطقة[7].

ومع تشكيل منطقة الجنوب الغربي التي تضم Dawro, Bench Sheko, Sheka, West Omo, Keffa بعد موافقة المجلس الاتحادي في 30 سبتمبر 2020، ظهرت بعض الجماعات العرقية في الجنوب الإثيوبي مثل Gamo وOmotic والتي تسعى إلى إقامة حكم ذاتي[8]. كما تشهد بعض الأقاليم سعى بعض القوميات التي تضمها نحو الحصول على الحكم الذاتي مثل قومية "كيمنت" Qemant وهي أقلية عرقية في غرب أمهرة التي بدأت تعلن عن مطالبها في أواخر 2018 مما أدى إلى اندلاع بعض الاشتباكات المسلحة واتهام قادة أمهرة لقادة الإثنية بتلقي الدعم من جبهة تحرير تيجراي لإثارة النزعة الانفصالية[9].

8- الحرب في تيجراي: تكبد نظام آبي أحمد العديد من الخسائر عقب هزيمته في حرب تيجراي على المستويين الداخلي والدولي، خاصة أنها تسهم في تآكل شعبيته وتزايد الشكوك حول قدرات الجيش الإثيوبي، فضلًا عن حجم الضغوط الدولية التي يتعرض لها النظام الإثيوبي بسبب الاتهامات الموجهة له بانتهاك حقوق الإنسان في الإقليم، وهو ما قد يفتح المجال أمام تصعيد جبهة تحرير تيجراي وصولًا إلى المطالبة بالانفصال عن إثيوبيا في حال عدم التوصل لحل سياسي أو اندلاع الحرب مجددًا بين الطرفين. 

9- تشكيل القوات شبه العسكرية والميلشيات المحلية في الأقاليم: تعد تلك القوات بمثابة جيوش موازية في البلاد يمكن أن تشكل تهديدًا واضحًا في حال اندلاع صراع بين الحكومة المركزية وإدارات الأقاليم مثل أزمة تيجراي، كما تبرز بعض الحركات المسلحة في البلاد مثل جيش تحرير أورومو، وحركة تحرير مورو الإسلامية، وتنظيم شباب قيرو Qeerroo. وعلى سبيل المثال، تقدر أعداد تلك القوات في أوروميا بحوالي 30 ألف مقاتل وأقل منها في منطقة أمهرة[10]. ويعزز تشكيلها زعزعة الاستقرار الداخلي في البلاد في ضوء تصاعد التوترات والصراعات بين الأقاليم الإثيوبية.

10- تنامي النفوذ السياسي لأمهرة: استطاع آبي أحمد إعادة تشكيل تحالفاته الداخلية بإقصاء قومية أورومو التي ينتمي إليها لصالح حليفه الجديد أمهرة الذي اكتسب نفوذًا ملحوظًا بعد الحرب على تيجراي خاصة بعد الاستيلاء على بعض الأراضي بجنوب وغرب الإقليم[11]. كما نجح آبي أحمد في توظيفها من خلال القوات الخاصة والميلشيات المحلية في تأجيج وإخماد بعض النزاعات الدائرة في بعض المناطق مثل Metekel وبني شنقول-جوموز وغرب أوروميا، وهو ما يفاقم من حدة الصراعات بين القوميات والأقاليم الإثيوبية نتيجة التنافس والخلافات التاريخية بينها وشعور بعضها بالمظلومية التاريخية مثل أورومو.

11- التهميش السياسي والاقتصادي: وهو مرتبط بمظالم الجماعات العرقية تاريخيًا في البلاد مثل أورومو، وبعض المناطق الإثيوبية على غرار الريف، في ظل محدودية الموارد وعدم الاستفادة من الاستثمارات الزراعية، وارتفاع قيمة الضرائب التي تُحصِّلها حكومة أديس أبابا، وهو ما يغذي من عدم المساواة في الفرص الاقتصادية بين الريف والحضر. يأتي ذلك وسط تراجع واضح للاقتصاد الإثيوبي لأسباب متعددة منها عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، وتفشي جائحة كوفيد-19 التي عطلت الاقتصاد الدولي وأدت لتراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية، فقد تزايد إجمالي الدين العام الإثيوبي من 13.7 مليار دولار في عام 2011، إلى 54.7 مليار دولار في عام 2020[12]. كما تعاني البلاد من معدلات تضخم عالية خلال الفترة الأخيرة، ونقص في النقد الأجنبي، فضلًا عن القطاعات غير النظامية والسوق السوداء التي تتعاظم أنشطتها، الأمر الذي يهدد بانهيار قدرات الاقتصاد المتراجع بطبيعة الحال.

12- عسكرة المجتمعات المحلية: فمع نشوب كل صراع، يشرع النظام الحاكم في إنشاء مراكز قيادة للطوارئ في أنحاء البلاد ليتمكن من نشر القوات العسكرية على نطاق واسع جغرافيًا بهدف إخماد أية احتجاجات أو اضطرابات مستقبلية[13]. في حين أطلق بعض المسئولين الحكوميين مثل ديميكي ميكونن، نائب رئيس الوزراء، دعوة إلى تسليح المدنيين بالتزامن مع تصاعد التوترات السياسية والحركات المسلحة، وهو ما يمثل أرضًا خصبة لاندلاع حرب أهلية في البلاد[14].

إخفاق سياسات نظام آبي أحمد

فشل آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، خلال السنوات الثلاث الماضية في إحداث تحول جذري بشأن إدارة معضلة التعددية العرقية في البلاد التي تضم أكثر من 100 مجموعة عرقية، والتي انعكست بدورها على تدهور العلاقات بين معظم الأقاليم الإثيوبية التي تطورت إلى مواجهات عسكرية بينها بسبب تفاقم الخلافات الحدودية بينها والصراعات على الموارد الطبيعية والأراضي والمياه والغذاء؛ مما يؤثر سلبًا على حالة الاستقرار والأمن في الداخل الإثيوبي. فمنذ تنصيب آبي أحمد رئيسًا للوزراء في البلاد في 2018، تشهد إثيوبيا موجات من أعمال العنف والصراعات السياسية والعرقية وعمليات النزوح واللجوء بشكل واسع النطاق، على نحو تسبب في تزايد عدد من يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة إلى 16 مليون إثيوبي، وذلك بالرغم من حالة التفاؤل التي صاحبت صعود آبي أحمد للسلطة في عام 2018، وشروعه في اتخاذ جملة من الإجراءات فيما عرف بالإصلاحات الشاملة التي لم تعكس سوى نهج جديد يسعى من خلاله إلى التخلص من خصومه السياسيين أيضًا في سبيل تنفيذ مشروعه السياسي حول مستقبل النظام السياسي في البلاد الذي يركز بشكل أساسي على التحول من الفيدرالية إلى دولة مركزية يحكمها نظام رئاسي ويتزعمها حزب الازدهار الحاكم، وهو النظام الذي تتصاعد حدة الخلافات بين القوى السياسية في إثيوبيا بشأنه، على نحو يثير قلق القوميات الإثيوبية في البلاد، التي تخشى تقليص نفوذها وسلطاتها لصالح توسيع سلطات الحكومة الفيدرالية؛ وهو أمر من شأنه زعزعة الاستقرار في الداخل الإثيوبي، ومقاومة المعارضة لسياسات النظام الحاكم، بشكل بدا جليًا في عدة مواقف مثل تأسيس حزب الازدهار في ديسمبر 2019، والموقف من الانتخابات الأخيرة، وخروج إدارة إقليم تيجراي عن السيطرة منذ نوفمبر 2020، وهو ما يدفع الصراعات السياسية في إثيوبيا نحو المزيد من التأزم بما قد يهدد مستقبل الوحدة الإثيوبية.

مستقبل غامض

يهدد استمرار الصراعات بشكل واضح مستقبل الوحدة الإثيوبية، خاصة في ظل تلويح بعض الأقاليم، لاسيما تيجراي، باحتمال الانفصال عن الدولة الإثيوبية، مستغلة المادة 39 من الدستور الفيدرالي، الأمر الذي يهدد بتفكك الدولة الإثيوبية إلى دويلات صغيرة، واشتعال حرب الكل ضد الكل في الداخل، مما يسهم في تأزيم الأوضاع.

وقد تؤدي تلك التطورات الداخلية إلى وضع نهاية لمستقبل آبي أحمد السياسي في البلاد، لاسيما أن الخبرة التاريخية -مع الأخذ في الاعتبار التغيرات التي طرأت على المستويين الداخلي والدولي- تشير إلى نجاح مانجستو هيلا ماريام في الخروج منتصرًا من التهديدات الداخلية والخارجية التي أرهقت النظام الحاكم آنذاك في أواخر سبعينيات القرن الماضي، إلا أن المقاومة من جانب القوى السياسية والحركات المسلحة قد نجحت في إسقاطه في النهاية، ليتم التخلص من حكمه في البلاد في أوائل التسعينيات، لتدخل إثيوبيا حقبة تاريخية جديدة سيطرت فيها جبهة تحرير تيجراي على السلطة لمدة ثلاثة عقود تالية قبل إجبارها على الخروج من دائرة الحكم هى الأخرى في عام 2018.

وإجمالًا، تبدو إثيوبيا مقبلة على مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والأمني عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات والتي يتوقع أن يحصد معظم مقاعدها حزب الازدهار الوليد بزعامة آبي أحمد، والتي قد ترفضها المعارضة السياسية، وتفتح الباب أمام المزيد من التوترات إلى جانب سلسلة الصراعات الدائرة في معظم الأقاليم الإثيوبية، بالتوازي مع تصاعد نشاط بعض الحركات المسلحة في بعض المناطق الإثيوبية، فضلًا عن الاختلافات العميقة بين آبي أحمد وحلفائه ومعظم القوى والحركات السياسية بشأن شكل النظام السياسي الإثيوبي مستقبلًا.


[1]. OP-ED: ENDING ETHIOPIA’S ARMED CONFLICTS: A MODEST PROPOSAL, Addis Standard, 15 December 2020, available at: https://bit.ly/2SVt2X4

[2]. Kjetil Tronvoll, Ethiopia: Tigray, Sudan, Amhara… The multiple crises of Abiy Ahmed, The Africa Report, 5 April 2021, available at: https://bit.ly/3jSxj8H

[3]. René Lefort, Ethiopia’s war in Tigray is ‘but the tip of the iceberg when it comes to conflicts ravaging the country’, The Africa Report, 30 April 2021, available at: https://bit.ly/3AFanQw

[4].  Morris Kiruga, Ethiopia: Turmoil over Hachalu’s burial reignites mass Oromo protests, The Africa Report, 2 July 2020, available at: https://bit.ly/36mt25r

[5].  Noé Hochet-Bodin, Après le Tigré, de nouveaux fronts s’ouvrent pour l’Ethiopie, Le Monde, 4 janvier 2021: https://bit.ly/2THJRp2

[6]. THE ROLE AND RELEVANCE OF RELIGION IN ETHIOPIA’S CURRENT CONFLICTS, Addis Standard, 6 November 2019, available at: https://bit.ly/3yA38qV

[7]. Mulugeta G Berhe, Ethiopia’s political crisis is playing out in the regions, The Africa Report, 31 August 2020, available at: https://bit.ly/3qQIUH0

[8]. Bereket Eshetu Messele, Splitting Ethiopia’s Southern Nations Region into four could promote peace, The Africa Report, 27 October 2020, available at: https://bit.ly/3qTnWHr

[9]. Bridging the Divide in Ethiopia’s North, International Crisis Group, 12 JUNE 2020, available at: https://bit.ly/3wmd1qJ

[10]. René Lefort, Ibid,.

[11]. Noé Hochet-Bodin, Après le Tigré, de nouveaux fronts s’ouvrent pour l’Ethiopie, Le Monde, 4 janvier 2021: https://bit.ly/2THJRp2

[12]. Federico Rogai, Ethiopia’s debt problem should not be overshadowed by its political instability, The Africa Report, 18 May 2021, available at: https://bit.ly/2UzVazG

[13]. BEYOND TIGRAY, CONDEMNING POLITICAL VIOLENCE AND CONFLICTS THROUGHOUT ETHIOPI, Addis Standard, 12 June 2021, available at: https://bit.ly/3xrP6ro

[14]. Mistir Sew, Ethiopia: A nine-point plan to restore stability, The Africa Report, 22 April 2021, available at: https://bit.ly/3hpCqvG

طباعة
أحمد عسكر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية