متابعات تحليلية

دلالات وتداعيات مقتل أبو بكر شيكاو على أمن منطقة الساحل

بسمة سعد * 4227 26-6-2021
طباعة

منذ سنوات عدة وتحديداً منذ عام 2016، تخوض جماعة بوكوحرام تحت زعامة أبو بكر شيكاو معارك دامية مع ولاية داعش في غرب أفريقيا المتمركزة حول بحيرة تشاد، بعدما سحب تنظيم داعش الرئيسي البساط من تحت أقدام أبوبكر شيكاو- الذي تمكن من إعادة هيكلة وتطوير الجماعة عقب مقتل مؤسسها محمد يوسف في عام 2009، وسبق أن أعلن مبايعته لتنظيم داعش في عام 2015- وذلك بتنحيته واختيار أبو مصعب البرناوي زعيماً لولاية داعش، وهو ما فتح أمامه جبهة قتال جديدة في حربه من أجل البقاء، بجانب ما تتعرض له الجماعة من ضربات أمنية وعسكرية، أضعفتها وقوّضت من قوتها وصلابتها، وانتهت بمقتله خلال مواجهات دامية بينه وبين ولاية داعش في 7 يونيو الجاري (2021)، وهو ما أكده زعيم الجماعة الجديد باكورا مودو في 16 من الشهر نفسه.

مقتل أبو بكر شيكاو.. الأسباب والدلالات

أسباب ودلالات عدة تنعكس في حادثة مقتل أبو بكر شيكاو على أيدي مقاتلي ولاية داعش في غرب أفريقيا، في ظل ما تعانيه منطقة الساحل من اضطرابات أمنية وسياسية، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- تداعيات النهج الأيديولوجي لشيكاو: عقب مقتل محمد يوسف مؤسس جماعة بوكوحرام في عام 2009، وتولى أبو بكر شيكاو زعامة الجماعة، عمل الأخير على إعادة بناء الجماعة وعولمة أهدافها بما يمكنها من جذب عدد كبير من المقاتلين، وتوفير الموارد والدعم اللازمين؛ حيث حرص على إقامة صلة بين الجماعة وباقي التنظيمات الإرهابية، بدايةً بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وانتهاءاً بتنظيم داعش اللذين وفرا للجماعة التدريب والدعم المالي وعززا من المهارات القتالية لعناصرها، إلى جانب اتساع نطاق ونمط عمليات الجماعة، بتنفيذ عدد من العمليات الإهابية في كل من الكاميرون والنيجر وتشاد[1]، وتوسع دائرة الاستهداف لتضم إلى جانب القوات الأمنية والعسكرية، المساجد والكنائس والقادة الدينيين والسياسيين والمنظمات الدولية، وكذلك المدنيين؛ كاستهداف مقر الأمم المتحدة في العاصمة النيجيرية أبوجا في 26 أغسطس 2011 والتي مثلت لحظة فارقة في تاريخ الجماعة، ناهيك عن اختطاف أكثر من 200 فتاة من مدينة تشيبوك في أبريل 2014، وحرق قرى مسيحية كاملة في نيجيريا، وتنفيذ عمليات إرهابية في مناطق مكتظة بالسكان سقط خلالها عدد كبير من المدنيين، صُنِّفت على إثرها الجماعة في عام 2015 بالجماعة الأكثر دموية في العالم، متفوقة بذلك على تنظيم داعش.

ونتيجة لتعمد أبو بكر شيكاو استهداف المدنيين في ممارسة وصفها تنظيم داعش بـ"الانحراف عن الجهاد الحقيقي للتنظيم"[2] الذي أعلن أبو بكر شيكاو مبايعته له في عام 2015، توترت العلاقة بين الجماعة وتنظيم داعش، انتهت بعزل الأخير للأول في عام 2016 وتنصيب أبو مصعب البرناوي زعيماً لولاية داعش في غرب أفريقيا ISWAP، وهو ما سطر بداية ضعف جماعة بوكوحرام لعدة اسباب: أولها، أن الخلاف بين الجماعة وتنظيم داعش تسبب في تشكيك المجتمعات الأفريقية في أهداف الأولى وما تطلقه من مزاعم لاستقطاب الشباب، مما أثر على معدل تدفق الموارد المادية والمالية والبشرية للجماعة. وثانيها، أن الانقسام وما شهدته الجماعة من انشقاقات أصاب تماسك وثبات الجماعة بشكل واضح باعتبارهما مرتكزات رئيسية لقوة وصلابة أي تنظيم. وثالثها، أن هذا الانقسام تسبب في دخول جناحى الجماعة في ما يُسمى بـ"الاقتتال الذاتي" على مدار سنوات ممتدة استنزف قدرات الجماعة وأضعفها، وذلك تزامناً مع ما تواجهه من ضربات عسكرية من قوات مجموعة الساحل الخمس والقوات المشتركة المتعددة الجنسيات. كما يبدو أن حالة الضعف التي وصلت إليها الجماعة تسببت مع الوقت في تغيير ولاء كبار قادة الجماعة لصالح ولاية داعش في غرب أفريقيا، بعدما أفاد موقع Hum Angle أن هجوم ولاية داعش الأخير على الجماعة والذي أدى لمقتل شيكاو تم بمساعدة كبار قادة جماعة بوكو حرام[3].

2- تواضع  القدرات الأمنية والعسكرية الأفريقية لمواجهة التنظيمات الإرهابية: دلالة مهمة يكشفها مقتل أبو بكر شيكاو على أيدي مقاتلي ولاية داعش في غرب أفريقيا تتمثل في أنه على الرغم من تكاتف وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لمحاربة جماعة بوكو حرام إلى جانب غيرها من التنظيمات الإرهابية، عبر عدة أطر تنظيمية سواء المتعلقة بمجموعة الساحل الخمس، أو قوة المهام المشتركة المتعددة الجنسيات المنوط بها التصدي للتنظيمات الإرهابية في بحيرة تشادوغيرهما، إلى جانب ما يبذله الجيش النيجيري من جهود للتصدي لها، إلا أن جميعها عجزت عن القضاء على أبو بكر شيكاو، الذي جاء مقتله على أيدي مقاتلي ولاية داعش في غرب أفريقيا، وهو مثلما يُشير لضعف وهشاشة الاستراتيجيات الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وغياب التنسيق والتعاون الأمني والاستخباراتي والمعلوماتي بين دولها، والافتقار للموارد المالية واللوجيستية الداعمة لخططها، فإنه يكشف كذلك ضعف وهشاشة القوات الأمنية والعسكرية النيجيرية، وافتقارها للموارد اللوجيستية والمعلوماتية اللازمة التي تمكنها من مراقبة مراكز انتشار وحركة تنقل التنظيمات الإرهابية، ناهيك عن حاجتها لرفع كفاءة وقدرات قواتها، وضرورة العمل على تقييم وإعادة النظر في ما تستند إليه من تكتيكات وخطط استراتيجية لمكافحة الإرهاب، مما يجعل القوات في موضع الهجوم وليس الدفاع في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وهو ما يتطلب تخلي الجيش النيجيري عن استراتيجية الانسحاب من القرى والقواعد الأصغر المنتشرة على أطراف نيجيريا للاحتماء في ما يُسمى بـ"المعسكرات الكبرى" المعتمدة منذ عام 2019[4]، والتي أتاحت للتنظيمات الإرهابية الانتقال بحرية عبر الحدود وتكوين شبكة من العلاقات مع غيرها من التنظيمات الإرهابية المنتشرة في منطقة الساحل، وتعزيزها بالموارد اللوجيستية والمالية والبشرية اللازمة .

3- تفوق سياسة "استمالة العقول والقلوب" لداعش في منطقة الساحل: على العكس من جماعة بوكوحرام، انتهج تنظيم داعش سياسة "استمالة العقول والقلوب" التي ساهمت في الحفاظ على نقاط تمركز ونطاق انتشار تنظيم داعش في منطقة الساحل، بل وسحب البساط من تحت أقدام التنظيمات الإرهابية المنافسة مثلما هو الحال مع جماعة بوكوحرام، عبر توظيف البيئة الأمنية والسياسية والاقتصادية التي ترسخ من حالة السخط الشعبي من الحكومات، إلى جانب حرص التنظيم على تقديم الخدمات الأساسية للسكان القاطنين في مناطق نفوذه، لذا حرص مقاتلو ولاية داعش في غرب أفريقيا على توجيه رسائل إلى السكان بأنهم طالما يقومون بتنفيذ تعليمات التنظيم ويدفعون ما يسمى بـ"الخوة" فإنهم لن يتعرضوا لإجراءات عقابية، وهو ما يبدو أنه ساعده على استقطاب مقاتلين جُدد لصفوفه، وضخ مزيد من الموارد المالية التي تساعده على مواصلة نشاطه[5].

تداعيات مقتل شيكاو على أمن منطقة الساحل

استناداً لما تعكسه حادثة مقتل أبو بكر شيكاو من دلالات، وما تقدمه الساحة الأمنية والسياسية في منطقة الساحل الأفريقي من معطيات عدة، يمكن تلمس أبرز انعكاسات مقتل زعيم جماعة بوكوحرام على أمن منطقة الساحل، فيما يلي:

1- تزايد نفوذ تنظيم داعش في منطقة الساحل: كان لافتاً أن مقاتلي ولاية داعش في غرب أفريقيا قاموا -في استعراض للقوة- بإعدام 10 من قادة بوكوحرام، بينما فضل 30 من قادة الجماعة الانضمام لولاية داعش[6]، في خطوة حملت عدة رسائل: أولها، موجهه لمقاتلي جماعة بوكوحرام المرابطين في معاقل الجماعة الممتدة على الحدود مع الكاميرون والنيجر لمنحهم فرصة القبول بأحد الخيارين، إما الانضمام لولاية داعش في غرب أفريقيا، أو مواجهة نفس مصير القادة الـ10 الذين لقوا حتفهم على أيدي مقاتلي داعش. وثانيها، موجهة للقاطنين في مناطق نفوذ جماعة بوكوحرام، وتؤكد على أن صلابة تنظيم داعش وقوته هى ما مكنته من القضاء على أبو بكر شيكاو، الذي عجز الجيش النيجيري عن التصدي له، مما يعزز من صورته لدى المواطنين باعتباره "الحصن الأول" للدفاع عنهم، ويُترجم للتنظيم في مكاسب بشرية ومالية وموارد لوجيستية. وثالثها، موجهة للجيش النيجيري ومفادها التأكيد على ضعف وهشاشة الخطط والاستراتيجيات الأمنية والعسكرية، وأن تنظيم داعش يتسم بقوة وصلابة وتماسك ومهارات قتالية عالية، يفتقد إليها الجيش النيجيري، في محاولة لإحراج الأخير، وغيره من القوات النظامية الإقليمية والدولية المنوط بها مكافحة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل.

ترتيباً على ما سبق، خاض تنظيم داعش معارك دامية ضد معاقل الجماعة على الحدود مع الكاميرون والنيجر، خلال الفترة الماضية، مما يُشير إلى اتساع نطاق نفوذه في منطقة الساحل، ويُعطي انطباعاً بأن المكاسب التي تحققت في أفريقيا قد عوضت بعض خسائر تنظيم داعش الرئيسي في الشرق الأوسط، وهو ما يفتح له المجال للتنسيق والتعاون مع غيره من التنظيمات الإرهابية، كما يفرض مزيداً من الضغوط الأمنية على الجيش النيجيري وغيره من الجيوش النظامية في تشاد والنيجر والكاميرون ومالي، لاسيما في ظل ما تواجهه بلدان منطقة الساحل من تحديات أمنية وسياسية.

ومع ذلك، تتوقع اتجاهات عديدة أن يكون لأنشطة تنظيم داعش في المنطقة سقف محدود سوف يحرص على عدم تخطيه[7]، حتى لا يوفر حافزاَ قوياً لدى الجيوش للتصدي له واستعادة المناطق التي سيطر عليها كما هو الحال مع هجمات بوكو حرام  في عام 2015، وحتى يتمكن من الحفاظ على مكاسبه الميدانية، وحتى لا يثير استعداء التنظيمات الإرهابية المنافسة له في المنطقة، مما يفتح أمامه جبهات قتالية جديدة تعمل على تشتيت مقاتليه.

2- انخراط مزيد من القوى الدولية والإقليمية في المنطقة تحت شعار "مكافحة الإرهاب": تشير التحركات الأخيرة في منطقة الساحل ودعوات فرنسا للمجتمع الدولي لتقاسم عبء التحديات الأمنية في منطقة الساحل، إلى أنه من المتوقع أن تنخرط مزيد من القوى الدولية وكذلك الإقليمية في المنطقة، انطلاقاً من ضرورة التكاتف وتكثيف الجهود لوضع حد لتنامي تنظيم داعش في منطقة الساحل، باعتبار أن ما تفرضه العمليات الإرهابية من اضطرابات وتوترات في المنطقة يجعل منها قناة أساسية لضخ مزيد من المهاجرين إلى أوروبا، ناهيك عن كونه بمثابه فرصة للقوى الدولية والإقليمية للبحث عن موطئ قدم لها في المنطقة الغنية بالعديد من الثروات الطبيعة، أبرزها النفط والفوسفات والكبريت.

خلاصة القول، يبدو أن منطقة الساحل الأفريقي مقبلة على مرحلة حرجة تعاني خلالها من أزمات وتوترات سياسية وأمنية، مما يفرض على دولها تحمل مسئوليتها الكاملة لمعالجة ما تواجهه من تحديات على المستوى الوطني والإقليمي، بما في ذلك العمل على رفع كفاءة وقدرات الجيوش، وإعادة هيكلة الخطط والاستراتيجيات الوطنية والإقليمية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، بما يمكنها من فك الارتباط ولو على مستوى الإمدادات بين التنظيمات الإرهابية وبعضها البعض، ناهيك عن ضرورة إيلاء اهتمام بالغ بالآليات الاقتصادية والاجتماعية لمعالجة ما تواجهه المجتمعات الأفريقية من تحديات، لاسيما القاطنة في المناطق الحدودية،  والحرص على التوصل لتسوية سياسية بدلاً من توظيف الآليات الأمنية والعسكرية في معالجة الأزمات السياسية التي تواجهها المنطقة. 


[1]- Alex Thurston, If Boko Haram’s Leader Is Dead, What’s Next for Northeastern Nigeria?, law Fare, 30 May 2021.

https://www.lawfareblog.com/if-boko-harams-leader-dead-whats-next-northeastern-nigeria

[2]- لماذا تتصدر "بوكوحرام" الجماعات الأكثر دموية في العالم؟!، مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، 2018، ص 87.

[3]- Rise of Isis means Boko Haram’s decline is no cause for celebration, The guardian, 22 May 2021.

https://www.theguardian.com/world/2021/may/22/rise-isis-means-boko-haram-decline-no-cause-celebration

[4]- Boko Haram leader is dead, rival Daesh in West African Province confirms, Arab News, 6 June 2021.

https://www.arabnews.com/node/1871636/world

[5]- تنظيم الدولة الإسلامية بصدد التفوق على بوكو حرام في شمال شرق نيجيريا،مونت كارلو الدولية، 4 يونيو 2021.

https://cutt.us/yzMEA

[6]- تنظيم الدولة الإسلامية بصدد التفوق على بوكو حرام في شمال شرق نيجيريا، فرانس24، 4 يونيو 2021.

https://cutt.us/8YfGb

[7]- حمدي عبدالرحمن، غياب شيكاو: هل يعني صعود داعش في نيجيريا؟، قراءات أفريقية، 9 يونيو 2021.

https://cutt.us/T0wrA

طباعة
بسمة سعد

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية