د. أميرة عبد الحليم

خبيرة الشئون الأفريقية بالبرنامج الأفريقى - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

ربما لم يكن من المتوقع أن تشهد مالى، تلك الدولة التى اعتبرتها الدول الغربية خلال العقدين السابقين على عام 2012 نموذجاً لـ"الديمقراطيات الناشئة"، وعانت من تداعيات خطيرة على خلفية انقلاب عام 2012، انقلابين عسكريين متتاليين خلال الأشهر التسعة الأخيرة، وأن تصبح الأداة الوحيدة للتعبير عن الرأى والسيطرة على مقاليد الحكم فى البلاد هى "القوة"، فتصبح المؤسسة العسكرية الفاعل الرئيسى بل وربما الوحيد فى مجريات الأحداث، حيث يطرح المشهد الأمنى والسياسى فى مالى خلال العقد الأخير العديد من التساؤلات حول أسباب الانقلابات العسكرية المتتالية التى تتعرض لها مالى، ومآلات الاستقرار فى هذه الدولة، والتداعيات التي ستفرضها الاضطرابات المتلاحقة التى تتعرض لها على الأمن والاستقرار فى الدول المجاورة لها، وكذلك المسارات المستقبلية المحتملة للتطورات فى مالى وخاصة عقب الانقلاب العسكرى الأخير. وللبحث عن إجابات لهذه التساؤلات يمكن مناقشة عدد من القضايا كما يلى: 

الانقلابات العسكرية والغضب الشعبى

تعرضت مالى منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960 لخمسة انقلابات عسكرية، ارتبطت فى مجملها بتدخل الجيش للاستجابة للغضب الشعبى من السياسيين، أو ما أطلقوا عليه "انقلابات تصحيحية" تنفذ إرادة الشعب وتضع البلاد على المسار الصحيح بعد الاحتجاجات الشعبية، كما أبدى قادة الانقلابات، في أحيان عديدة، مرونة بالغة فى الاستجابة للمطالب الدولية والإقليمية للعودة بالبلاد إلى المسار الديمقراطى. وفى المقابل، أيدت قوى المعارضة بعض الانقلابات وأبدت استعدادها للتعاون مع قادتها العسكريين، إلا أن انقلاب مايو الأخير لم يأت كرد فعل على استياء شعبى بل جاء كأحد مظاهر الصراع بين المدنيين والعسكريين، ومحاولة كلا الطرفين الانفراد بالسلطة وتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة.    

ففي عام 1991، أطاح أمادو توماني توري بموسى تراوري على وقع ثورة شعبية ضد الحكم الاستبدادي، وأطلق عليه أنصاره لقب "جندي الديمقراطية"، وقد سلّم السلطة إلى حكومة انتقالية، حيث تم انتخاب ألفا عمر كوناري رئيساً للبلاد عام 1992، وهو المنصب الذي شغله لفترتين. ثم تم انتخاب توري رئيساً في عام 2002 ومرة أخرى في عام 2007. ودعم العديد من الماليين انقلاب عام 2012 لأنهم اعتبروه مناوئاً للفساد والمحسوبية، حيث أطاح النقيب أمادو سانوجو بتوري، مؤكداً أن الجيش بحاجة إلى إزاحة السياسيين من السلطة لوقف التقدم السريع لتمرد الطوارق المدعوم من الجماعات الإرهابية.

وفى إطار الضغوط التى مارستها الدول المجاورة لمالى وكذلك المنظمات الإقليمية والدولية المعارضة لهذا الانقلاب وفرضها عقوبات على مالي، تخلى سانوجو عن السلطة لرئيس الجمعية الوطنية ديونكوندا تراوري، الذي أصبح الرئيس المؤقت لمالي، حتى أجريت الانتخابات في يوليو وأغسطس 2013 التى فاز فيها إبراهيم بوبكر كيتا بمنصب الرئيس.

وفي أغسطس 2020، تدخل الجيش مرة أخرى بعد احتجاجات شعبية دعت إلى استقالة كيتا. وقاد أعضاء تجمع القوى الوطنية M5-RFP، وهو تحالف من المجتمع المدني والزعماء الدينيين والمعارضين ويمثل حركة المعارضة الرئيسية فى البلاد، الاحتجاجات ضد كيتا، وألقى باللوم عليه في الفساد والمحسوبية وتفاقم الهجمات الإرهابية في شمال ووسط مالي. وبدعم من الاحتجاجات الشعبية، أطاح عدد من القادة العسكريين بالرئيس وقوبل الجنود بالحشود المبتهجة في باماكو. وفرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) عقوبات، لكن سرعان ما رفعتها عندما نصّب القائد العسكرى عاصمى غويتا حكومة انتقالية.

وفى 24 مايو الماضى، أقدم رئيس المجلس العسكرى ونائب الرئيس الانتقالى العقيد عاصمى غويتا على إقالة كل من الرئيس باه نداو ورئيس الوزراء مختار آوانى فى النظام الانتقالى، وقام بالاستيلاء على السلطة والقضاء على الملامح المدنية للحكومة الانتقالية، وذلك رداً على محاولة  الرئيس تقليص عدد الأعضاء العسكريين فى الحكومة الانتقالية، وتشكيل حكومة جديدة، ودون استشارة نائب الرئيس الانتقالى غويتا وحلفائه، مما اعتبره الأخير محاولة لتهميش المجلس العسكرى. وفى محاولة لإضفاء ملامح الدعم الشعبى للانقلاب الأخير، دعا المجلس العسكرى  قادة تجمع القوى الوطنية للمشاركة فى الحكومة الجديدة، حيث لم يشارك التجمع فى إجراءات الانتقال السياسى على الرغم من أنه كان فى قلب انقلاب أغسطس 2020. إلا أن هذا التحرك لم يلق قبول معظم الماليين ومنظمات المجتمع المدنى التى لا تجد مبرراً للإطاحة بالرئيس والحكومة الانتقالية الجديدة وأعلنت رفضها الاستيلاء على السلطة بالقوة.

مناهضة الوجود العسكرى الفرنسى

يبدو أن نتائج الانقلاب الأخير قد توافقت مع المصالح الفرنسية، حيث تدخلت القوات الفرنسية فى مالى منذ يناير 2013، وخلال ثمانى سنوات لم تتمكن من تحقيق أهدافها والقضاء على الجماعات الإرهابية، بل إن الأخيرة نجحت في الانتشار فى دول منطقة الساحل المختلفة وأصبحت الدول المجاورة لمالى الأكثر تأثراً بنمو جماعات غالبيتها تنتمى إلى تنظيم "القاعدة"، وأخرى أصبحت خلال العامين الأخيرين تبايع تنظيم "داعش".

وأمام هذا المشهد الأمنى شديد التعقيد، وعلى الرغم من النجاحات التى حققتها القوات الفرنسية خلال العام الماضى، وتمكنها من قتل عدد من قادة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسهم عبد المالك دوركدال زعيم تنظيم "القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى"، إلا أن حالة الاستنزاف التى تعرضت لها القوات الفرنسية خلال الأشهر الأخيرة دفعت المسئولين الفرنسيين للتحدث كثيراً عن تخفيض قوات بلادهم فى منطقة الساحل، بل والتخطيط للانسحاب بشكل كامل فى مرحلة لاحقة.

وعقب الانقلاب الأخير فى مالى، علّقت فرنسا عملياتها العسكرية مع الجيش المالى، وفى تطور لاحق أعلن الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون أن عملية "برخان" التى تضم 5100 جندى فرنسى وتشمل 6 دول ستنتهي، ليصير الوجود الفرنسي جزءاً من القوة الدولية "تاكوبا" التي أطلقتها فرنسا فى يوليو 2020 والتي تتكون من وحدات من دول الساحل وبعض الدول الأوروبية.

وعلى الجانب الآخر، طرح الانقلاب الأخير فى مالى وجهة نظر ترى أن الانقلاب على الرئيس الانتقالى باه نداو جاء على خلفية حمايته للمصالح الفرنسية فى البلاد، وهو ما انعكس على تشكيل الحكومة الجديدة، فى حين يرفض المجلس العسكرى الوجود العسكرى الفرنسى، على الرغم من أن بعض المعلومات تشير إلى وجود قنوات تواصل بين رئيس المجلس عاصمى غويتا والقواعد العسكرية الفرنسية والأمريكية فى الساحل الأفريقى.

وفى الوقت الذى خرجت مظاهرات فى العاصمة المالية باماكو عقب الانقلاب الأخير تطالب بخروج القوات الفرنسية من البلاد، بدأت الدعوة تتزايد لتأسيس علاقات استراتيجية مع روسيا، على خلفية ما أشارت إليه وسائل إعلام فرنسية وتقارير حول العلاقات المتميزة  بين المجلس العسكري الجديد والأخيرة، حيث تلقى عاصمى غويتا ووزير الدفاع ساديو كامارا تدريبات عسكرية فيها، إلا أن العديد من المحللين يرون أنه من الصعوبة استبدال الوجود الفرنسى فى أفريقيا بنظيره الروسى، وأن روسيا لديها نشاط محدود فى مالى ودول الساحل الأفريقى الأخرى، وأن الحماسة التى ظهرت تجاه روسيا فى أفريقيا تعود إلى مساعدة الروس للنظام الحاكم فى سوريا ضد التدخل الأجنبى، وأن الافارقة ينتظرون دوراً مماثلاً لروسيا فى القارة.

أبعاد متعددة للانسحاب

يُلقي الانسحاب الفرنسى (المحتمل) من الساحل الأفريقى الضوء على العديد من الأبعاد، التي يتمثل أهمها في مدى جاهزية الجيوش الأفريقية، وخاصة الجيش المالى، للاستمرار فى محاربة الجماعات الإرهابية التى طورت من قدراتها وعملياتها وزادت أعدادها، خلال السنوات الأخيرة،  فتحولت منطقة الساحل الأفريقى إلى مركز لاستيعاب الإرهابيين القادمين من دول الشرق الأوسط. وعلى الرغم من الجهود الأفريقية لتقليص مستوى التدخلات الأجنبية فى القارة وتطبيق شعار "حل المشكلات الأفريقية بآليات أفريقية"، وهو ما يتوافق مع التصورات الفرنسية الأخيرة للخروج من الساحل الأفريقى، إلا أن نقص التمويل وتراجع قدرات الجيوش الوطنية يمثلان عقبتين كبيرتين أمام التقدم الأفريقى فى هذا المسار.

ووفقاً لاتجاهات عديدة، فإن السياسة الفرنسية تجاه الأحداث فى مالى تتسم بازدواجية ملحوظة، خاصة عند مقارنتها بردود الفعل الفرنسية حول ما شهدته تشاد مؤخراً من انقلاب قام به الجيش التشادى للاستيلاء على السلطة بتنصيب ابن إدريس ديبى البالغ من العمر 37 عاماً كخليفة لوالده عقب مقتل الأخير على أيدى الإرهابيين، حيث تمثل تشاد وجيشها حليفاً رئيسياً لفرنسا فى حربها ضد الإرهاب فى الساحل الأفريقى. فقد حضر الرئيس الفرنسى ماكرون جنازة ديبي بينما قدمت حكومته مباركتها الضمنية للاستيلاء العسكري على السلطة باسم "الاستقرار"، على حد تعبير وزير الخارجية جان إيف لودريان.

المسارات المستقبلية المحتملة

يطرح المشهد الأمنى والسياسى فى مالى عقب الانقلاب الأخير العديد من السيناريوهات التى لا تخلو من المخاوف من انزلاق هذه الدولة نحو مزيد من الفوضى وربما الانهيار من جراء اعتماد قادة المؤسسة العسكرية والساسة فيها على استخدام القوة لإحداث التغيير أو لتصحيح الأوضاع وتنفيذ أجندة الإصلاح، بعيداً عن الحوار والتفاوض بين أطراف الأزمة المالية المختلفين. ويمكن تناول أبرز تلك المسارات على النحو التالي:

المسار الأول، قيام العقيد عاصمى غويتا بتنفيذ وعوده التى أطلقها عقب الإطاحة بالرئيس الانتقالى، بإجراء الانتخابات المقررة فى موعدها فى فبراير 2022 ولكن تحت رعاية المجلس العسكرى الذى يضم قادة انقلاب أغسطس 2020، وفى ظل مراقبة دولية وإقليمية معتادة. ولكن يظل التساؤل حول مدى قدرة الأطراف الخارجية على ممارسة ضغوط على المجلس العسكرى وقائده من أجل استكمال هذا المسار دون غيره، وخاصة فى ظل ردود الفعل "الخافتة" للقوى الخارجية والتى تراوحت بين التنديد بالانقلاب وتعليق عضوية مالى فى المنظمات الإقليمية والتلويح بفرض عقوبات. 

والمسار الثانى، تمسك قائد الانقلاب ورئيس المجلس العسكرى بالسلطة وتقديمه لتبريرات لتأجيل الانتخابات أو الترشح فيها. فالانقلاب الأخير يؤكد أن المؤسسة العسكرية ستظل تدير المشهد الأمنى والسياسى فى البلاد، وأن المجلس العسكري لم يتخل أبداً عن السلطة للمدنيين. كما أن التعديلات الوزارية التى قام بها الرئيس المقال باه نداو واستبعاده لاثنين من العسكريين من الحكومة الجديدة كانت نتيجة تصاعد الانتقادات لبطء وتيرة الإصلاح والغضب المتزايد من الدور البارز للجيش فى الحياة السياسية. لكن هذا المسار قد يُعرِّض مالي لمزيد من الضغوط والعقوبات من جانب القوى المعنية بالأمن والاستقرار في تلك المنطقة.

والمسار الثالث، سعى التنظيمات الإرهابية إلى استغلال تصاعد حدة التوتر في البلاد من أجل نشر الفوضى، على نحو قد يدفع قوات مجلس السلم والأمن الأفريقى إلى التدخل فى مالى لاستعادة الاستقرار ومحاربة تلك التنظيمات.

في النهاية، تظل التطورات فى مالى غير محسومة، إلا أن عوامل عدم الاستقرار لا تزال تتصدر المشهد السياسى والأمنى مما يحمل تحذيرات خطيرة حول مستقبل هذه الدولة وخاصة فى ظل المشكلات التى يعانى منها الدور الأفريقى فى الحد من الصراعات والتهديدات الإرهابية فى أجزاء واسعة من القارة الأفريقية.