مقالات تحليلية

صراع التحالفات: إرهاصات المشهد الانتخابى فى العراق

طباعة

أعلنت المفوضية العليا للانتخابات العراقية فى مايو الماضى الانتهاء من عملية تسجيل الكيانات المشاركة فى الانتخابات التشريعية فى أكتوبر 2021 المقبل، وتشمل تلك الكيانات الأحزاب والكتل السياسية والمرشحين الحزبيين والمستقلين، وتتضمن كذلك التحالفات الانتخابية التى باتت معلنة رسمياً لخوض غمار الانتخابات، بما يطرح تساؤلات حول شكل خريطة تلك التحالفات الانتخابية، وطبيعة الكتل والقوى السياسية المشكلة لها، وهل تختلف فى طبيعة تكوينها عن التحالفات الانتخابية القائمة على التمايز الطائفى المعهود ما بين شيعة وسنة وكرد، أم أن هناك نوعاً من الاختراق لهذه التركيبة يكون عابراً للطائفية؟، هذا بخلاف طبيعة تعاطى رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمى مع إرهاصات المشهد الانتخابى، والتى بدأها بالإعلان عن عدم مشاركته فيها وسط تكهنات بتعرضه لضغوط قوى سياسية شيعية تتعارض مصالحها مع سياسات معالجته للأوضاع فى العراق.

المشهد الانتخابى يفصح عن تسجيل ما يقرب من 44 تحالفاً انتخابياً يضم مجموعة من الأحزاب والكيانات السياسية يتراوح عددها ما بين 260 – 300 كياناً وحزباً. إلى جانب عدد من المرشحين الحزبيين والمستقلين، وذلك لانتخاب 329 نائباً عبر 83 دائرة انتخابية، وفقاً لقانون انتخابى جديد يقوم على الانتخاب طبقاً للنظام الفردى الذى يحسب الفوز لصالح الكتل أو الأحزاب أو المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، على خلاف الدورات الانتخابية السابقة (أربع دورات انتخابية) التى كانت تحسم فوز الكتل والمرشحين وفقاً لقاعدة "سانت ليجو" التى تعمل بطريقة التمثيل النسبى فى توزيع المقاعد النيابية، والقائمة على احتساب متوسط القاسم الانتخابى للكتل وللقوى والأحزاب السياسية المشاركة فى الانتخابات.         

ثبات التحالفات والتكتلات الشيعية

وفقاً لمعطيات خريطة العملية السياسية فى العراق، والتى ظلت محتفطة، إلى حدٍ كبير، بحالة التمايز الطائفى التى على أساسها يتم تقاسم السلطة السياسية ما بين شيعة وسنة وكرد إلى جانب عدد صغير من الأحزاب ذات الطبيعة الإثنية، يمكن القول إن مشهد التحالفات الانتخابية لم يطرأ عليه تغير حاد عن مثيله فى الدورات الانتخابية السابقة، خاصة داخل التيار السياسى الشيعى، الذى ظل بدرجة كبيرة على ثبات تحالفاته الانتخابية التى خاض بها انتخابات عام 2018، والتى يمكن تفصيلها كالتالى:

1-  كتلة "الفتح": والتى يرأسها هادى العمرى "منظمة بدر"، وقيس الخزعلى "عصائب أهل الحق"، والمكونة من عدة كيانات شيعية ذات مرجعية دينية إسلامية أبرزها حركة "بدر" وحركة "صادقون"- الواجهة السياسية لميليشيا "عصائب أهل الحق"-، هذا التكتل الانتخابى يعد أقوى تكتل شيعى فى التحالفات الانتخابية، كما أنه يرتبط ولائياً بمرجعية قم الإيرانية، ويحظى بدعم سياسى ومادى غير محدود من قبل إيران. إلى جانب تبعية الميليشيات المسلحة، التى تمثل أذرعاً عسكرية لبعض القوى المكونة لذلك التحالف، لسياسات إيران داخل العراق. هذا بخلاف سيطرتها على أوجه النشاط المالى والاقتصادى فى الدولة، ما يوفر لها موارد مالية ضخمة توظفها أيضاً لخدمة سياستها داخلياً وخارجياً.

2-  كتلة "دولة القانون": بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نورى المالكى، ويمثلها الجناح المتشدد من تيار حزب "الدعوة" الإسلامى، ويتحالف معها عدد من الأحزاب الإسلامية الشيعية الصغيرة إلى جانب حركة "إرادة".

3-  تحالف "العقد الوطنى": الذى يتزعمه رئيس هيئة "الحشد الشعبى" الشيعية فالح الفياض، منفصلاً بذلك عن كتلة "الفتح" التى تحالف معها فى انتخابات عام 2018 الماضية.

4-  تيار عمار الحكيم المعروف باسم تيار "الحكمة": شكل تحالفاً انتخابياً تحت مسمى تحالف "قوى الدولة الوطنية" ضم إلى جانبه كلاً من كتلة "النصر" التى تمثل التيار المعتدل من حزب "الدعوة" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادى، وحزب "المؤتمر العراقى".

5-  تحالف "نصحح": والذى يتزعمه "المجلس الإسلامى الأعلى" إلى جانب منظمة "العمل الإسلامى".   

6-  كتلة "سائرون": التى يمثلها تيار الصدر دون أية تحالفات مع غيرها من القوى السياسية الأخرى.

ويلاحظ هنا أن المكون السياسى الشيعى بتحالفاته الانتخابية سالفة الذكر، يظل على حالة التنافس الشيعى- الشيعى التى ظلت تتسم بها العلاقات السياسية داخل ذلك المكون على مدى السنوات العشر الماضية، والتى كانت أكثر بروزاً وحضوراً خلال الانتخابات البرلمانية السابقة (انتخابات عام 2018).

التحالفات الانتخابية السنية

أما بالنسبة للتيار السياسى السنى  فيشهد حراكاً سياسياً انتخابياً مختلفاً، إلى حدٍ بسيط، عما كان عليه وضعه فى الانتخابات السابقة، حيث ينقسم التيار إلى ثلاثة تحالفات انتخابية، يمكن تفصيلها كما يلى:

1-  تحالف "تقدم الوطنى": بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسى، ويضم التيارات السياسية السنية عن محافظة الأنبار، وهى تكتلات حزبية صغيرة يستهدف الحلبوسى الدخول بها فى تحالف انتخابى مؤقت، وربما برلمانى فيما بعد مع القوى الحزبية الكردية، أو بعض القوى الشيعية.

2-  تحالف "عزم العراق": بزعامة خميس خنجر، ويضم كتلة "سنة صلاح الدين"، وحزب "الحل"، وكتلة "سنة ديالى" التى تضم حزب سليم الجيورى الرئيس السابق للبرلمان "التجمع الوطنى للإصلاح". هذا التحالف الانتخابى يعد أقوى تحالف سنى سيخوض غمار الانتخابات المقبلة، ويدخل فى منافسة شديدة مع نظيره تحالف "تقدم الوطنى" على أصوات المكون السنى.

3-  تحالف "المشروع الوطنى للإنقاذ": وهو تحالف انتخابى يمثل التيارات السياسية السنية فى محافظة الموصل وفى مقدمتها "الكتلة الموصلية" بزعامة أسامة النجيفى.

ويلاحظ على التحالفات الانتخابية السنية أن التشرذم لايزال هو السمة الرئيسية لها؛ وهو ما يعنى بالتبعية تفتت أصوات الناخبين السنة بين تلك التحالفات الثلاثة. فضلاً عن استمرار مكونات هذه التحالفات فى البحث عن مصالحها الانتخابية والبرلمانية، وذلك عبر التحالف البرلمانى بعد الانتخابات إما مع بعض التيارات الشيعية، أو مع الأحزاب الكردية، وذلك لتمرير مصالح حزبية، وليس لتبنى استراتيجية تحالفية مع غيرها من القوى تقوم على خدمة مصلحة العراق أولاً والمكون السنى ثانياً، ومن المتوقع أن تكون المنافسة شرسة بين تحالف "عزم العراق" وتحالف "تقدم الوطنى" خاصة وأنهما يتنافسان على أصوات المكون السنى فى محافظة سنية مهمة وهى الأنبار.

التحالفات الكردية

لا يختلف حال المكونات السياسية الكردية فى تحالفاتها الانتخابية اختلافاً كبيراً عن نظيرتيها من المكونات الشيعية والسنية، حيث انتظمت تحالفاتها الانتخابية فى تكتلين: كتلة "تحالف كردستان"، وتضم حزب "الاتحاد الوطنى الكردستانى" وحركة "التغيير". وكتلة "الحزب الديمقراطى الكردستانى". أما "الحركة الإسلامية الكردية" فقد أعلنت مقاطعتها الانتخابات المقبلة لعدم وجود ضمانات حكومية واضحة لنزاهة وشفافية الانتخابات. وتدخل المكونات الكردية الانتخابات المقبلة وسط توجسات من حالة الأوضاع السياسية الناتجة عن استمرارية تحدى الميليشيات الشيعية المسلحة لسلطة الدولة، وما نتج عنها من تهديدات أمنية واضحة استهدفت من خلالها بعض تلك الميليشيات حالة الاستقرار الأمنى النسبى الذى يتمتع به إقليم كردستان.   

تحالفات التغيير "حراك تشرين"

يقصد بتحالفات "حراك تشرين" تلك التكتلات السياسية الصغيرة التى ظهرت نتيجة لحركة الاحتجاجات الجماهيرية التى شهدها العراق فى أكتوبر عام 2019، وأسفرت عن استقالة حكومة عادل عبدالمهدى. وجدير بالذكر هنا أن هذه التحالفات عبرت عن وجود جيل شيعى كامل يرفض الطائفية السياسية والحزبية ويسعى إلى إسقاط النظام السياسى القائم على أساسها. هذه التحالفات يتنازعها مساران: المسار الأول، يرغب فى دخول الانتخابات المقبلة عبر التحالف مع كيانات سياسية قائمة لضمان الحصول على دعم أصواتها الانتخابية. ومسار آخر يطالب بمقاطعة الانتخابات على اعتبار أن الأجواء السياسية والأمنية الحالية لا تبشر – من وجهة نظر الحراك – باحتمالية إجراء انتخابات نزيهة وشفافة ولن تأتى بجديد. والمسار الثانى، يفرض نفسه على حالة التردد التى أبدتها أحزاب الحراك بشأن دخول الانتخابات - على الرغم من التسجيل فى المفوضية - فأعلنت فى مايو 2021 الماضى مقاطعتها الانتخابات نتيجة لعمليات الاغتيال المتتالية التى استهدفت نشطاء من الحراك. ولكن ومع مرور الوقت عادت أصوات من داخل الحراك لتطالب باستمرار المشاركة فى الانتخابات، ومواجهة الأحزاب الكبرى، بالنظر إلى الثقل الجماهيرى الذى باتت تكتسبه من دعم الشارع العراقى؛ لاسيما فى أوساط الشباب الرافضين لسيطرة الأحزاب الدينية التقليدية على الحياة السياسية. كما أن الدفع بفكرة الانتخابات المبكرة التى ستجرى فى أكتوبر القادم كانت بالأساس هى إحدى نتائج حراك تشرين نفسه.    

لكن إلى جانب ما سبق من تحالفات، تأسست تحالفات أخرى عابرة لحالة التمايز الطائفى التى تتسم بها التحالفات سابقة الذكر ومنها؛ "تحالف القوى المدنية" ويضم عدة أحزاب علمانية يتقدمها "الحزب الشيوعى"، و"حزب الأمة"، و"التيار المدنى". وهناك ائتلاف "الوطنية" الذى يتزعمه السياسى الشيعى صاحب التوجهات المدنية إياد علاوى، والتى تسوق نفسها دائماً على أنها كتلة منفتحة على الجميع دون تمييز طائفى.  

غياب الكاظمي

وسط كافة هذه المعطيات، أعلن رئيس الورزاء العراقى مصطفى الكاظمى عدم ترشحه فى الانتخابات المقبلة، فضلاً عن انسحاب تياره السياسى "المرحلة والازدهار" أيضاً، مؤكداً أن دور حكومته فى هذه المرحلة - كحكومة انتقالية - هو تهيئة الأجواء السياسية والأمنية لإتمام العملية الانتخابية بكافة مراحلها. وتعددت التفسيرات بشأن الأسباب الحقيقية وراء مقاطعة الكاظمى للانتخابات، بعضها يشير إلى اتفاق مسبق بين الكاظمى وقوى سياسية وازنة مفاده موافقة تلك القوى على ترأس الكاظمى الحكومة الانتقالية فى مايو 2020، والتمديد له مقابل عدم خوضه الانتخابات البرلمانية المبكرة، وعدم دعمه لأى كتلة تشارك فيها. والبعض الثانى يرجح وجود ترتيبات بينه وبين قوى سياسية شيعية وأخرى كردية طالبته بعدم المشاركة فى انتخابات أكتوبر المقبلة نظير دعم توليه رئاسة الحكومة الجديدة الناتجه عنها. بينما يشير البعض الثالث إلى حسابات الكاظمى السياسية؛ لأنه إذا خاض الانتخابات عبر تياره السياسى "المرحلة والازدهار" فمن المتوقع أن يفشل فى الحصول على أصوات كافية تمكنه من العودة لرئاسة الحكومة. بينما فى حالة تجنبه المشاركة وبقاؤه مستقلاً فمن الوارد وفى ظل مواءمات وتسويات ما بعد الانتخابات أن يأتى رئيساً للحكومة، أو أن يكون أحد مسئوليها. ويدعم هذا الرأى السياسات التى اتخذها الكاظمى مؤخراً بفتح ملفات فساد كانت قد أغلقت سابقاً لكونها تمس قيادات وازنة للأحزاب السياسية الكبرى والمسيطرة على المشهد السياسى العراقى.

ويعنى فتح الكاظمى لملفات فساد لشخصيات وازنة أنه يعيد توظيف تلك الملفات بما يؤثر بصورة غير مباشرة على المسار الانتخابى للتيارات السياسية التى تترأسها تلك الشخصيات أو تنتمى إليها، بما يفتح المجال مجدداً أمام احتجاجات جماهيرية ضد تلك القوى، ويفتح المجال أيضاً لاحتمالية إحداث تغيير فى معادلة الحكم السياسية. ويرى أنصار هذا التصور أن الاستعراض العسكرى الذى قامت به الميليشيات المسلحة أمام مقر اللجنة التى شكلها الكاظمى للنظر فى وقائع الفساد، مثل إدراكاً من قبل القوى السياسية المتهمة بالمسئولية عن انتشار الفساد السياسى والمالى والإدارى، لمساعى الكاظمى الحقيقية ضدها وفقاً لحساباته السياسية.  

تحديات تواجه العملية الانتخابية

المشهد الانتخابى العراقى بالكيفية السابقة يواجه العديد من التحديات النابعة من الأزمات العراقية المتنوعة، وهى تحديات يمكن إجمالها فى الآتى: حالة عدم الاستقرار السياسى المستمرة والدائمة والنابعة من ترسخ الطائفية السياسية، وما نتج عنها من محاصصة يتم على أساسها تقاسم السلطة. كذلك حالة الانفلات الأمنى الناتجة عن استمرار بقاء السلاح خارج المنظومة الأمنية الرسمية للدولة، وفى يد الميليشيات المسلحة التى باتت تمارس أدواراً تناطح بها أدوار الدولة لاسيما فى جانبها الأمنى، بل واتجاهها مؤخراً إلى استهداف الناشطين والكتاب والصحفيين بعمليات اغتيال مسلحة. يضاف إلى ذلك حالة تفشى الفساد بكل أنواعه وعجز كافة الحكومات العراقية بما فيها حكومة الكاظمى المؤقتة عن اتباع سياسات من شأنها معالجة حقيقية وواضحة لهذا الفساد. هذا بخلاف تخوفات من عزوف كبير قد يبديه العراقيون تجاه العملية الانتخابية فى ظل رؤيتهم للأوضاع المتردية والتى لا يغير من شأنها تعاقب الحكومات المختلفة، بالتوازي مع تخوفات أخرى من الدور الذى يمكن أن يلعبه المال السياسى فى توجيه الناخبين من ناحية، وفى تزوير نتائج الانتخابات من ناحية ثانية.

وفى النهاية، يبدو أن العراق مقبلة على مرحلة قد تشهد تراجع قدرة وتأثير الأحزاب والكتل السياسية على تشكيل تحالفات على أسس طائفية محضة، ذلك أن الاحتجاجات الشعبية التى تجتاح العراق من آن لآخر باتت متغيراً جديداً يلقى بتداعياته على الترتيبات والحسابات السياسية لتلك القوى، بما يحد من طموحاتها تجاه ضمان استمرارها فى إدارة السلطة السياسية لسنوات طويلة، خاصة الأحزاب الدينية التى حمَّلها الحراك المسئولية الأساسية عما يواجه العراق من أزمات على مختلف الأصعدة. هذا التغيير – إن حدث – سيتيح لحكومات غير حزبية ذات كفاءات فرصاً أكبر فى إدارة الدولة. ولكن تظل هذه الطموحات رهينة لمدى قدرة الدولة على فرض هيبتها على كل ما دونها من جماعات وميليشيات. فهل تأتى انتخابات أكتوبر 2021 القادمة بنتائج تعكس هذه الطموحات، أم ستظل العراق حبيسة الطائفية بكل أنواعها الدينية والسياسية والحزبية ؟

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية