مقالات تحليلية

الصين والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة: دبلوماسية جديدة في الشرق الأوسط؟

طباعة

في تطور لافت يعكس إصرارها على ممارسة دور أكبر في منطقة الشرق الأوسط، نشطت الدبلوماسية الصينية، بشكل غير مسبوق، في التعامل مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والتي بدأت في 10 مايو 2021، وانتهت بنجاح مصر في الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية. وربما كان السبب المباشر لهذا النشاط الدبلوماسي هو أن الصين كانت تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي، خلال شهر مايو الماضي، ووجدت في هذه الحرب فرصة لتعزيز مكانتها العالمية في ظل التنافس الجيو - سياسي المتزايد مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووسيلة لتعزيز نفوذها السياسي في منطقة الشرق الأوسط، من خلال تسليط الضوء على إمكانية لعبها دور دبلوماسي أكبر لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، سواء في إطار مجلس الأمن الدولي أو من خلال التوسط بين الجانبين.

جهود دبلوماسية متعددة

في هذا السياق، ترأس وزير الخارجية الصيني، وانج يي، جلسة مجلس الأمن الدولي، التي تم تخصيصها لمناقشة الأزمة في قطاع غزة في 16 مايو الماضي. وأثناء هذه الجلسة، طلب وزير الخارجية الصيني من تل أبيب ممارسة "ضبط النفس في استخدام القوة"، ودعا جميع الأطراف إلى وقف العنف ضد المدنيين، والموافقة على وقف فوري لإطلاق النار. وفي إشارة واضحة إلى واشنطن، أكد يي على أن "دولة واحدة" فقط هي المسئولة عن فشل مجلس الأمن في إصدار قرار مشترك للتعامل الفعال مع الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو الأمر الذي يعرقل مجلس الأمن عن لعب دور أكثر فاعلية في حث إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، الخاصة بحل الدولتين، والتوقف عن بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة وعن تهجير الأسر الفلسطينية، ووقف هدم المنازل الفلسطينية، وإنهاء العنف ضد الفلسطينيين، والمحافظة على الوضع التاريخي القائم للأماكن المقدسة في القدس القديمة. كما أكد وزير الخارجية الصيني أيضاً على أن بكين هي "الصديق الحقيقي للشعب الفلسطيني"، مشيراً إلى أن بلاده سوف تضاعف من مساعيها الرامية إلى إيجاد حل دبلوماسي "عادل" للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وفقاً لخطة "النقاط الأربع"، التي أعلنها الرئيس الصيني شي جينبينج عام 2017.

ومن جهة أخرى، تحدث تشاي جون، المبعوث الصيني الخاص لشئون الشرق الأوسط، مع مسئولي وزارات الخارجية الفلسطينية والمصرية والإسرائيلية، خلال ذروة الحرب الإسرائيلية على غزة، لتسريع الوقف الفوري لإطلاق النار، ووقف العنف، وتوفير مزيد من المساعدات للفلسطينيين من جانب المجتمع الدولي، ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة بشكل شامل في أقرب وقت ممكن. كما أشار المبعوث الصيني أيضاً إلى أن بكين "سوف تستضيف ندوات لمناصري السلام الفلسطينيين والإسرائيليين، وسترحب أيضاً بممثلي فلسطين وإسرائيل للحضور إليها من أجل إجراء مفاوضات مباشرة لحل الأزمة بين الجانبين".

ومن ناحيته، أعرب المتحدث باسم الخارجية الصينية عن تقدير بلاده لجهود الوساطة المصرية والأطراف المعنية الأخرى من أجل وقف إطلاق النار، مشيراً إلى

أن بكين على استعداد لبذل قصارى الجهد لتقديم المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين. وفي هذا الإطار، قالت الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي أن بكين ستقدم مساعدات إنسانية طارئة للحكومة الفلسطينية (قيمتها مليونا دولار و200 ألف جرعة لقاح ضد كوفيد - 19) في أقرب وقت ممكن.

انتقاد المعايير المزدوجة بشأن حقوق الإنسان

تأتي الدبلوماسية الصينية النشطة تجاه الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، والتي تتناقض بشكل صارخ مع تعاملها الهادئ والناعم مع الحرب السابقة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في عام 2014، على وقع التنافس الجيو - سياسي المتصاعد بين بكين وواشنطن في العالم، واتهامات الإدارة الأمريكية الجديدة للحكومة الصينية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و"إبادة جماعية" تجاه أقلية الإيجور المسلمة في إقليم سينكيانج الصيني.

ويشير عدد من المراقبين إلى أن "الانتفاضة الدبلوماسية الصينية" في الأزمة الأخيرة هدفت إلى تصوير الصين للعالم باعتبارها دولة مسئولة ومعتدلة، تسعى بجدية لإيجاد حل دبلوماسي سلمي لأزمة إنسانية حادة تؤثر على المسلمين، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي تسببت في هذه الأزمة، بدعمها المطلق لإسرائيل، وعدم الضغط عليها في قضايا مثل القدس الشرقية وبناء المستوطنات اليهودية، فضلاً عن قيام إدارة بايدن مؤخراً بعرقلة عمل مجلس الأمن الدولي، والموافقة على بيع صواريخ دقيقة التوجيه لإسرائيل بقيمة 735 مليون دولار.

وجدت بكين في الحرب الإسرائيلية على غزة فرصة رائعة لفضح "المعايير المزدوجة" التي تتبعها الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن حقوق الإنسان في العالم، مؤكدة على أن واشنطن تتجاهل معاناة المسلمين الفلسطينيين الجسيمة، بينما تدعي اهتمامها بحقوق المسلمين الإيجور. كما ربطت بكين بين الموقف الأمريكي تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة وبين اجتماع افتراضي نظمته الولايات المتحدة الأمريكية، مع المملكة المتحدة وألمانيا وعدد من جماعات حقوق الإنسان، في 12 مايو الماضي، لمناقشة الاتهامات الموجهة لبكين بارتكاب "إبادة جماعية" لأقلية الإيجور المسلمة في الصين. فقد وصفت بكين هذا الاجتماع بأنه ليس إلا "مهزلة سياسية.. وأكذوبة .. وتحيز سياسي سافر"، مشيرة إلى ضرورة أن تعلم الولايات المتحدة الأمريكية أن أرواح المسلمين الفلسطينيين ثمينة بنفس القدر الذي تدعيه بالنسبة لمواطنيها الإيجور المسلمين.

وفي الإطار نفسه، قالت وزارة الخارجية الصينية أنه "ليس من المناسب للولايات المتحدة الأمريكية، التي شنت حروباً في أكثر من 80 دولة ولطخت دماء عدد لا يحصى من الناس، بمن فيهم المسلمين؛ نسب مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان إلى حكومة بكين، لاسيما في معاملتها لمسلمي الإيجور". بل، وغردت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية على حسابها الرسمي على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة  تظهر نسراً (يمثل الولايات المتحدة الأمريكية) وهو يُسقِط صاروخاً على غزة مع تعليق على الصورة يقول: "انظر ما جلبه النسر المدافع عن حقوق الإنسان إلى الناس في غزة".

ومن ناحية أخرى، نشرت وسائل الإعلام الصينية العديد من المقالات التي تتهم واشنطن بتجاهل الحقوق الفلسطينية، وتحملها اللوم عن معاناة المدنيين في غزة. فعلى سبيل المثال، ذكرت صحيفة "جلوبال تايمز" في افتتاحيتها أن الولايات المتحدة الأمريكية "لم تؤجج نيران الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني فحسب، وإنما أظهرت للعالم أيضاً مدى نفاقها، كقوة كبرى رئيسية في العالم، فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان". كما أشارت محطة تلفزيون "CGTN" الصينية الحكومية إلى أن السياسة الأمريكية خلال الحرب الأخيرة على غزة كانت تحت سيطرة "اللوبي اليهودي"، مما أثار رد فعل غاضب من جانب السفارة الإسرائيلية في بكين.
مقاربة صينية جديدة

الدبلوماسية الصينية "النشطة" تجاه الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة تختلف عن الدبلوماسية الصينية "الهادئة" في منطقة الشرق الأوسط، والتي كانت تتسم بمحاولة "النأى بالنفس" و"عدم التورط" في النزاعات الملتهبة التي تعج بها هذه المنطقة، حفاظاً على المصالح الاقتصادية المتنامية مع كافة دول المنطقة. كما كان واضحاً أن السياسة الخارجية الصينية تفضل "الحذر الدبلوماسي" لتجنب الوقوع في "مستنقع" الصراعات الإقليمية المتشابكة في هذه المنطقة المضطربة، طالما لم تتعرض مصالحها الوطنية أو الاقتصادية للخطر (على سبيل المثال: سلامة المواطنين الصينيين المقيمين في المنطقة واستمرار تدفق إمدادات الطاقة). لذلك، نجحت بكين في بناء روابط اقتصادية وسياسية ودبلوماسية قوية مع كافة دول المنطقة. فعلى سبيل المثال، بلغ حجم التجارة بين الصين والدول العربية قرابة 240 مليار دولار، في عام 2020، مما جعلها أكبر شريك تجاري للدول العربية، وقد استوردت بكين 250 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية، وهو ما يمثل نصف إجمالي واردات الصين في العام الماضي.

وبالتزامن مع ذلك، حرصت الصين أيضاً على بناء علاقات سياسية واقتصادية وتكنولوجية أوثق مع إسرائيل. فوفقاً لتقديرات وزارة التجارة في بكين، زاد التبادل التجاري بين الصين وإسرائيل بنسبة 19 في المائة تقريباً في عام 2020، مقارنة بعام 2019، ليصل إلى حوالي 17.5 مليار دولار (على الرغم من أزمة فيروس كوفيد-19). كما دأبت بكين أيضاً مؤخراً على التودد إلى تل أبيب، معتبرة إياها وجهة رئيسية للاستثمارات في البنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط في إطار مبادرة "الحزام والطريق" مثل ميناء الحاويات في حيفا وخط سكة حديد مقترح يربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط. والأهم من ذلك، أن بكين تستهدف إسرائيل باعتبارها مصدراً للتقنيات المتطورة - بما في ذلك الروبوتات والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي - والتي تهدف الصين من خلالها إلى أن تصبح رائدة عالمياً.

مستقبل الوجود الصيني في المنطقة

يثور تساؤل مهم عقب تبني بكين دبلوماسية "نشطة" تجاه الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وهو: هل ستستمر الصين مستقبلاً في تعزيز وجودها في منطقة الشرق الأوسط، من خلال الانحياز إلى الجانب الفلسطيني على حساب إسرائيل (حليفة واشنطن الأهم في المنطقة) كجزء من تنافسها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية؟. ومما يزيد من أهمية هذا السؤال أن بكين تبدو، في الآونة الأخيرة، عازمة على لعب دور أكبر في شئون هذه المنطقة، من خلال مبادرة "الحزام والطريق" وتأمين اتفاقيات التعاون الثنائية مع الدول الكبرى في المنطقة، مثل اتفاقية "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" مع إيران (لمدة خمسة وعشرين عاماً)، والتي تم التوصل إليها بين الدولتين في 27 مارس الماضي. كما أنشأت الصين أيضاً، في عام 2017، أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي. وكذلك، عبرت بكين مؤخراً عن استعدادها لإقراض تركيا 3 مليار دولار، وهو  أكبر دعم مالي تقدمه الصين إلى الأتراك في التاريخ الحديث.

ينقسم المراقبون في الإجابة على السؤال المذكور إلى فريقين: الفريق الأول، يرى أنصاره أن التنافس الصيني- الأمريكي المتصاعد سوف يدفع بكين إلى تعزيز علاقاتها السياسية، وربما العسكرية في وقت لاحق، مع الدول ذات المصالح المشتركة معها أو المعنية بأزمات منطقة الشرق الأوسط، ومن بينها روسيا وإيران وتركيا، وغيرها من القوى التي تشهد توتراً في علاقاتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة. ويؤكد هؤلاء على أن بكين، مقارنة بواشنطن والكثير من العواصم الغربية، لديها كثير من المقومات التي قد تمكنها من لعب دور أكبر في المنطقة خلال الفترة القادمة. فهى، على سبيل المثال، ليس لديها صراعات حالية أو عداوات تاريخية مع دول المنطقة، كما أنها لم تكن أبداً دولة استعمارية، فضلاً عن كونها حالياً أكبر شريك تجاري للمنطقة، وأكبر مشتري لصادرات النفط والغاز الطبيعي، وبالتالي فإن لها مصالح اقتصادية كبيرة سوف تسعى إلى حمايتها وتعزيزها من خلال وجود دبلوماسي وعسكري أكبر في المستقبل.

أما الفريق الثاني، فيؤكد مؤيدوه على أن العلاقات الاقتصادية والاستثمارية المتنامية للصين مع كثير من دول المنطقة، لن يتبعها بالضرورة دور دبلوماسي أو عسكري أنشط من جانب بكين. ويدلل هؤلاء على صحة وجهة نظرهم بالإشارة إلى صعوبة توقع زيادة انخراط بكين بشكل أكبر في مساعي تعزيز وقف إطلاق النار ومنع استئناف التصعيد بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، نظراً لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية في هذه القضية، وهو ما أكدته جولة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الأخيرة في المنطقة.

ويضيف هؤلاء أن ما لا تقوله دبلوماسية بكين في المنطقة لا يقل أهمية عما قالته بشأن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة. فعلى الرغم من أن بكين كانت نشطة في انتقادها لواشنطن، إلا أنها لم تحرص على الترويج لنفسها باعتبارها بديلاً للأخيرة. وفي ضوء ذلك، قد تهدف بكين إلى الإطاحة بواشنطن من منطقة الشرق الأوسط، لكنها ليست بالضرورة حريصة على تحمل الأعباء التي تحملتها الأخيرة من قبل.

على أية حال، يمكن القول إنه مع احتدام المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الامريكية والصين، سيكون الشرق الأوسط إحدى الساحات الساخنة لهذه المنافسة، في إطار مساعي واشنطن وبكين من أجل حشد الحلفاء والأصدقاء في جبهة موحدة لمواجهة الطرف الآخر. وهذا السياق، من المتوقع أن يصبح تقويض الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسعى بدورها إلى احتواء "التهديد الصيني" وعرقلة صعود بكين اقتصادياً وعسكرياً في العالم، عنصراً مهماً بشكل متزايد في السياسة الصينية، مما سوف يساهم في تطور بكين من فاعل إقليمي هادئ إلى لاعب أكثر صخباً وتصادمية. وقد كان هذا الاتجاه واضحاً في استخدام الأخيرة لحق النقض في مجلس الأمن الدولي بشأن المسائل المتعلقة بسوريا، وأصبح أكثر وضوحاً في علاقاتها مع إيران، وخلال الصراع الأخير في غزة.

طباعة
د. أحمد قنديل

رئيس وحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية