إصدارات المركز - كراسات استراتيجية

الخيار الموازى: "السلام بالوكالة" فى مناطق الصراعات المسلحة

106 8-6-2021
طباعة

ما هو السلام بالوكالة Peace proxy، وما هى محفزات بروزه فى مناطق الصراعات المسلحة، وكيف يعمل نموذج الراعي- الوكيل فى مجالات السلام، وما مدى فاعلية هذا النوع من السلام فى إحلال الاستقرار والأمن فى العالم؟. أسئلة تجيب عليها هذه الدراسة التى تنطلق من أن إحلال السلام فى مناطق الصراعات المسلحة التى تشهد حروبا بالوكالة قد لا يتم بمعزل عن تلك القوى الخارجية التى رعتها، نظرا لاستمرار مصالحها، فضلا عن وجود اعتبارات إنسانية وعملية، تتعلق بهشاشة الدول التى تعانى أو خرجت لتوها من الحرب.

خلصت الدراسة إلى أن السلام بالوكالة -فى جوهره- هو ممارسة أطراف خارجية لعلاقات مع وكلاء رسميين وغير رسميين بغرض إنفاذ مهام سلمية فى مناطق الصراعات بما يخدم مصالحهم. ويتسم هذا النوع من السلام، على عكس الحرب بالوكالة، بأنه مشروع وعلنى ويحفل بدرجات متفاوتة من المباشرة وغير المباشرة والتنافس والتعاون، كما يستخدم أدوات متعددة فى التأثير على مسارات السلام فى مناطق الصراعات، من قبيل، قوة تأطير وفرض الأجندات، ودعم مالى وفنى وإنسانى، وفرض عقوبات على المتنازعين لحفز السلام.

لقد نشأ السلام بالوكالة نتاجا لانتقال ديناميات نموذج «الراعي- الوكيل» من حالة العسكرة إلى السلمية، مدفوعا فى ذلك بتغيرات طبيعة القوة التى باتت أكثر ذكاءً، وتعقد الصراعات الداخلية وتمددها رأسيا وأفقيا، وصعود أنماط مختلفة من الفاعلين دون الدول فى العلاقات الدولية.لذلك، مثل هذا النوع من السلام بالنسبة للقوى الخارجية نوعا من الخيار الإستراتيجى الموازى، أو حتى البديل أحيانا لحروب الوكالة حال عدم جدوى استمرار الأخيرة أو انتقالها إلى مراحل السلام المختلفة.

يتضح السلام بالوكالة فى مجال مثل تهدئة الصراع، عبر تدخل الرعاة للضغط على وكلائهم المسلحين لإيقاف كلى أو جزئى للحرب بالوكالة، كما يظهر فى صراعات كليبيا وسوريا، وإن كانت هنالك اختلافات بينهما، إذ مضت الأولى فى اختبار جديد للتسوية، بينما تجمد الصراع نسبيا فى الثانية. ذلك أن تهدئة الصراع بالوكالة تتطلب بالأساس شروطا من أبرزها، مدى بلوغ حروب الوكالة حد الصفر، ولكن إن لم تصل لهذا الحد الذى يمثل النقطة الناضجة للتفاوض على التسوية، فقد يصبح إنفاذ التهدئة متعثرا بسبب عدم البلوغ المتساوى للرعاة والوكلاء لهذه اللحظة، كما يظهر فى ديناميات الصراع اليمني.

ولأن بعض المانحين الكبار قد يستخدمون المساعدات الإنسانية بشكل مسيس لخدمة وكلائهم فى حروب الوكالة، كما فى الصراع السورى، ففى المقابل قد يحفزون وكلاء السلام، خاصة الإنسانيين على استخدام المساعدات لدعم السلام. من هنا، برزت اتجاهات بارزة لاستخدام الوكلاء للمساعدات الإنسانية لتحفيز اقتصادات السلام عبر التخطيط الدقيق لتدفق العون الإنسانى، ووضع مدونات للتفاوض مع المسلحين، بما لا يحرف المساعدات عن غايتها الإنسانية، فضلا عن بناء الثقة بين المتنازعين، مثل لعب اللجنة الدولية للصليب الأحمر دورا تيسيريا فى تبادل الأسرى فى الصراع اليمني،بجانب أنشطتها الإغاثية.

على الجانب الآخر، قد يأخذ السلام بالوكالة زخما كبيرا فى مجال تسوية الصراع، إذ يدعم الرعاة وكلاء سلميين رسميين وغير رسميين فى مجال الوساطة الرسمية وغير الرسمية، لاسيما فى ظل اتجاه عالمى يحفز على المقاربة المتكاملة لتحويل الصراعات المعقدة سواء من أعلى أو أسفل الهرم الصراعى فى المجتمعات. يتضح ذلك فى ممارسات السلام بالوكالة للاتحاد الأوروبى فى دعم الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والمنظمات غير الحكومية فى ليبيا وجنوب السودان.

تكشف هذه الدراسة أيضا عن نمط العلاقات بين الرعاة ووكلاء السلام فى المسار الثانى الذين يعملون فى التمهيد للتسويات الرسمية عبر الحوار وتطوير قدرات المتنازعين على التفاوض، لاسيما أنه يلاحظ التشابك بين الوساطة الرسمية وغير الرسمية، حتى أن عددا من مبعوثى السلام الأمميين فى صراعات الشرق الأوسط هم شخصيات سياسية مارست أدوارًا واسعة فى دبلوماسية المسار الثانى قبل تولى مهامهم فى الأمم المتحدة وبعد مغادرتها أيضا. ولا يعتمد الرعاة هنا فى تأثيرهم على وكلاء السلام على قوة التمويل فحسب، وإنما أيضا فرض الأجندات بما يخدم تصورات القوى الخارجية حول شكل السلام المفضل كنوع من القوة المعيارية فى العلاقات الدولية.

أيضا تربط الدراسة بين السلام بالوكالة وحفظ السلام، لكونه يمثل نوعا من التفويض والإنابة من قبل الدول للأمم المتحدة بمهام لإحلال الأمن والاستقرار فى مناطق الصراعات، لكن المعضلة تبرز لجهة عدم التزام القوى الكبرى بإسهاماتهم التمويلية لبعثات حفظ السلام مما أضعف أداءها، ناهيك عن بروز تدخلات خارجية موازية للبعثات الأممية، كما يبرز فى صراع مالى، حيث يستهدف المسلحون -دون تفرقة- قوات الأمم المتحدة، وقوة برخان الفرنسية، والقوة المشتركة لدول الساحل الإفريقى الخمس.

على الجانب الآخر، عبر بروز مفهوم «البنية التحتية للسلام» عن رؤية أكثر شمولا لكيفية تطور مجال السلام بالوكالة فى مجال بناء السلام، الذى لم يعد مقصورًا على إعادة بناء وتشييد البنية التحتية بعد توقف الحرب، وإنما إصلاح العلاقات السلمية بين المتنازعين، وتحويلهم إلى شركاء فى عملية صنع القرار. بل إن الدراسة تلفت النظر إلى أن بناء السلام بالوكالة قد يمتد إلى استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة، كجزء من اتجاهات بناء السلام الذكى.

مع كل ذلك، واجه السلام بالوكالة إشكاليات، على صعيد مدى نجاح الرعاة فى تحقيق مساعيهم عبر الوكلاء للتأثير على مسارات السلام بكلفة أقل، وبكفاءة أعلى، فضلا عن حدود تلبية احتياجات مجتمعات النزاع الرئيسية مثل المشاركة والأمن والعدالة والمصالحة. من أبرز تلك الإشكاليات فرض الأجندات فى سياق هيمنة السلام الليبرالى، والهيمنة على أداء وكلاء السلام، وتصاعد مأزق الخصوصية، والمخاطر الأخلاقية، وأخيرا، فقدان الثقة، خاصة أن الحكومات فى مناطق الصراع لا تزال تنظر بريبة لأهداف وكلاء السلام.

طباعة