مقالات تحليلية

تغليب المصالح: كيف تعاملت إيران مع الحرب الإسرائيلية على غزة؟

رانيا مكرم * 3231 29-5-2021
طباعة

انتهت بعد 11 يوماً من بدايتها مواجهات هى الأعنف منذ عام 2014 بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين، برعاية مصرية، حيز التنفيذ في 21 مايو 2021. ومع انتهاء هذه الجولة تبدأ مرحلة مراجعة المواقف وحساب المكاسب والخسائر، ليس إسرائيلياً وفلسطينياً فقط، وإنما إقليمياً أيضاً، لاسيما مع محورية القضية الفلسطينية وأهميتها في المنطقة، والتي عكستها المعطيات الجديدة التي فرضتها الحرب الأخيرة.

خلال هذه المواجهات، كانت إيران حاضرة، من خلال تصريحات قياداتها المتوالية حول الموقف من القضية الفلسطينية، ودعمها المستمر للفلسطينين، كما كانت حاضرة بقوة في تصريحات قيادات حركة حماس، التي قدمت لطهران الشكر في أكثر من تصريح على الدعم بالمال والسلاح، كما ركزت الكتابات الإيرانية على دعم إيران لحماس.

وقدبدا خلال الحرب الأخيرة أن ثمة توظيفاً إيرانياً واضحاً للمواجهة العسكرية في غزة، حمل في طياته العديد من الرسائل التي تهدف إيران إلى التأكيد عليها خلال هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها برنامجها النووي، حيث لا يمكن فصل ذلك عن تصاعد الحديث عن مواجهات محتملة بين طهران وتل أبيب، على خلفية اتهام الأولى للثانية بالوقوف وراء العمليات الأمنية التي تعرضت لها بعض منشآتها في الفترة الماضية، فضلاً عن تأكيد طهران على استمرار استراتيجيتها الأثيرة، التي تعتمد على تأسيس ودعم أذرع عدة في المنطقة لإدارة مصالحها بالوكالة.

ورغم التوظيف الإيراني الواضح لدعم حماس خلال فترة الحرب، فإن ثمة غياباً إيرانياً عن جهود إعمار غزة بعد المواجهات العسكرية التي خلَّفت خسائر بشرية ودماراً واسعاً في القطاع، على نحو يطرح تساؤلات عدة حول أبعاد الموقف الإيراني من هذه المواجهات العسكرية الأخيرة، وتأثيراته على مسارات التصعيد مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة القادمة.

توظيف الأزمة

منذ بداية المواجهات العسكرية، كثّفت القيادات الإيرانية اهتمامها بإطلاق تصريحات داعمة لحركة حماس، بداية من المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي دعا إلى دعم المقاومة الفلسطينية في حربها ضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، مروراً بوزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي أعلن إلغاء زيارته إلى فيينا كانت مقررة في 15 مايو الجاري، تعبيراً عن استيائه من قيام حكومة المستشار سيباستيان كورتس برفع العلم الإسرائيلي في مقر الحكومة للتضامن مع إسرائيل، وانتهاءاً بالقيادات العسكرية، لاسيما قائد فيلق القدس بالحرس الثوري إسماعيل قاآنى، الذي وعد حماس بتقديم الدعم غير المحدود.

وقد أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها إلى أن إيران قد أسهمت في توفير وتهريب الأسلحة لحماس، وقامت بتدريب وتطوير مهارات أفراد لديها على إنتاج الصواريخ وتحديثها، وتحسين دقتها.فيما أكد في السياق نفسهرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، في كلمة له بثتها قناة "الأقصى" التابعة لحماس، على جهود إيران في تقديم "الدعم لحماس بالمال والسلاح والتقنيات"، شاكراً إياها على هذه الجهود.

هدفان رئيسيان

قد لا يكون الدعم الإيراني لحماس والفصائل الفلسطينية بشكل عام جديداً. لكن الجديد في الأمر هو تعمد الإعلان عنه بهذه الكثافة من الجانبين، على نحو يوحي بأن إيران تعمدت ذلك لتحقيق هدفين رئيسيين هما:

1- توجيه رسائل غير مباشرة لإسرائيل: مثلت المواجهات العسكرية الأخيرة بين الفصائل الفلسطينية واسرائيل فرصة لإيران للرد بشكل غير مباشر على اتهاماتها لإسرائيل بالوقوف وراء ما شهدته من عمليات أمنية تعرضت لها منشآتها النووية والصاروخية، على غرار الاختراق الإليكتروني التخريبي الذي وقع في منشأة ناتانز في 11 أبريل 2021، وأحدث خللاً بشبكة توزيع الطاقة في المنشأة، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي حتى بدء تشغيل أنظمة الطاقة البديلة التي تعمل في حالات الطوارئ، وذلك بعد يوم واحد فقط من تدشين طهران أجهزة أكثر تطوراً للطرد المركزي تعمل على تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر، حسب ما أعلنه الرئيس حسن روحاني في حفل تدشين المحطة في 10 أبريل 2021، وهى الخطوة التي اعتبرها المراقبون في حد ذاتها نوعاً من الرد على الهجوم الإسرائيلي الأول على المنشأة نفسها في 2 يوليو 2020، للتأكيد على أن المحطة لازالت قادرة على العمل والتطوير.

ويمكن القول في هذا السياق، إن إيران، وإن كانت لا تسعى في الوقت الحالي، إلى الانخراط في مواجهة مباشرة مع إسرائيل كرد على العمليات التخريبية التي تعرضت لها منشآتها النووية - كما تدعي- من خلال ضربات عسكرية محدودة أو حرب مفتوحة - وفق أكثر السيناريوهات تشاؤماً- فإنها تعمل على دعم وتوجيه ضربات موجعة للمدن الإسرائيلية من خلال تقديم السلاح لحماس، وتشجيعها على تنفيذ هجمات صاروخية أكثر تطوراً مما كانت تمتلكه الأخيرة من قبل، باعتراف الاستخبارات الإسرائيلية، التي أكدت على تطور قدرة الصواريخ التي بحوزة حماس على اختراق القبة الحديدية.

ويشير مقال بعنوان "Israel’s Jerusalem blunders only benefit Iran" نشرته صحيفة "التايمز" على موقعها للكاتب Roger Boyes، في 11 مايو 2021، إلى أن إسرائيل وقعت في فخ صنعته لنفسها، حيث فوجئت بكم الصواريخ الذي أطلق عليها من قطاع غزة من جانب حركة حماس بمساعدة إيرانية، وأن طهران حريصة على تأجيج الخلاف بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإظهار حركة حماس باعتبارها الطرف المسيطر على قطاع غزة، وتقديمها على أنها "الحارس للمصالح الفلسطينية"، وأنه كان على إسرائيل الانتباه إلى تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي التيقال فيهاأن "دماء المقاومة تسري في عروق الفلسطينيين" وكذلك تصريح الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بأن "تدافع 45 إسرائيلياً في حادث جبل ميرون يشير إلى أن إسرائيل غير مستعدة لمواجهة حرب"، واعتبر المقال أن هذه التصريحات تكشف أن هناك شيئاً ما يتم التخطيط له في إيران.

2- امتلاك أوراق ضغط في مفاوضات فيينا: رغم استمرار المفاوضات التي تجري بين إيران ومجموعة "4+1" بمشاركة أمريكية غير مباشرة بشكل إيجابي وفق العديد من المراقبين، إلا أن إيران كانت حريصة على انتهاج سياسة متشددة على أكثر من مستوى. فقد فاجأت أطراف المباحثات بقرارها تخصيب اليورانيوم لدرجة نقاء تبلغ 60 في المئة في خطوة كبيرة تقربها من مستوى 90 في المئة اللازم لصنع أسلحة نووية، وذلك رداً على انفجار منشأة ناتانز النووية كما سبقت الإشارة. كما أعلنت أنها ستعمل على منع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول لبيانات كاميرات المراقبة داخل المنشآت النووية إذا لم يتم تمديد الاتفاق، في وقت تبدي فيه أطراف دولية حرصها على تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات والوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي سوف تجرى في 18 يونيو القادم، ويتوقع أن تشهد صعوداً لرئيس أصولي متشدد يمكن أن يتبنى سياسة مختلفة تضع عقبات أمام الوصول إلى مثل هذا الاتفاق، وهو ما بدا جلياً في قرار مجلس صيانة الدستور بالموافقة على أهلية 7 مرشحين للرئاسة، من بينهم 5 متشددين، وهم إبراهيم رئيسي، ومحسن رضائي، وعلي رضا زاكاني، وسعيد جليلي، وأمير حسين قاضي زاده، ومحسن مهر علي زاده، وعبد الناصر همتي، في حين رفض أهلية شخصيات بارزة مثل محمود أحمدي نجاد، وعلى لاريجانى، وإسحاق جهانجيرى.

في السياق ذاته، سعت إيران إلي توظيف المواجهة العسكرية بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، لصالحها خلال فترة المفاوضات، عبر الإيحاء بامتداد أذرعها إلى الداخل الإسرائيلي، من خلال حلفائها في قطاع غزة، وقدرتها على تهديد أمن إسرائيل. وهنا، فإن إيران تسعى من خلال ذلك إلى تعزيز موقعها التفاوضي بغرض الحصول على أكبر قدر من المكاسب من القوى الدولية مقابل تقديم أقل مستوى من التنازلات.

هذا الترابط الواضح بين الملفات كان أحد الأسباب التي دفعت 43 عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى إرسال طلب للرئيس الأمريكي جو بايدن لوقف المباحثات مع إيران – التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية عبر وسطاء- عقب التصعيد بين غزة وإسرائيل، بسبب تمويل طهران لحركة حماس، ومساعدتها على استهداف المدنيين والمدن الإسرائيلية على حد وصفهم، مؤكدين في رسالتهم على أن "انخراط الولايات المتحدة في المفاوضات مع إيران واحتمال تخفيف عقوبات، سيسهم بلا شك في زيادة دعم إيران لحركة حماس وغيرها من المنظمات الإرهابية التي تهاجم الولايات المتحدة وحلفائها".

براجماتية واضحة

في ظل ما تطلقه إيران من شعارات رنانة حول القضية الفلسطينية، والتأكيد على اعتبارها "قضية عقائدية لا يمكن فصلها عن ثوابت النظام الإيراني"، يلاحظ في مقابل ذلك أن ثمة طابعاً براجماتياً غالباً على سياسة إيران تجاه التطورات التي تشهدها الساحة الفلسطينية. ويبدو ذلك واضحاً في غياب إيران ميدانياً فيما يخص جهود إعمار قطاع غزة عقب المواجهات العسكرية التي يتعرض لها مراراً وتكراراً خلال السنوات الماضية، حيث لم تعلن إيران، حتى الآن على الأقل، عن جهود بعينها للمساعدة في إعادة تأهيل القطاع، بل إن دعمها لحركة حماس خلال السنوات الماضية ظل مرهوناً بمدى اقتراب الأخيرة من سياستها إزاء الملفات الإقليمية المختلفة.

ورغم الدعم المالي المقدم من إيران للحركة، فإن هذا الدعم لم ينعكس على الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، على نحو يوحي بأن ما يهم إيران في المقام الأول هو ربط مستوى الدعم الذي تقدمه لحماس، أولاً بمدى تماهي الأخيرة مع مصالحها وحساباتها الإقليمية، وحدود التصعيد المستمر بينها وبين إسرائيل ورغبتها في إدارته عبر حلفائها.

وبمعنى آخر، فإن إيران تُغلِّب مصالحها على مصلحة الوحدة الفلسطينية، وعلى القضية الفلسطينية برمتها عندما تدعم حركة حماس، باعتبار أن هذا الدعم يدخل في نطاق الآليات التي تستخدمها حالياً للرد على العمليات التي تتهم إسرائيل بتنفيذها لتعطيل أنشطتها النووية وإرباك حساباتها الإقليمية.

طباعة
رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية