تقديرات استراتيجية

التعاون العسكري بين واشنطن وأثينا: مشهد جيوسياسي جديد في شرق المتوسط

طباعة

في إشارة واضحة على رغبة واشنطن في تعزيز وجودها العسكري والاستراتيجي في منطقة شرق المتوسط، كشف وزير الدفاع اليوناني نيكوس باناجيوتوبولوس، في منتصف شهر مايو الجاري (2021)، عن أن الولايات المتحدة واليونان ستقومان، على الأرجح، بتعديل اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين البلدين Mutual (MDCA)Defense Cooperation Agreement  هذا الصيف، حسب ما جاء في موقع Military.com. وأضاف وزير الدفاع اليوناني أن هذا التعديل المنتظر سوف يتيح مواقع أفضل لعمليات القوات الأمريكية في منطقة شرق المتوسط، مؤكداً على أن علاقات بلاده العسكرية مع واشنطن قد وصلت "إلى أفضل مراحلها على الإطلاق".

تزايد متسارع في التعاون العسكري

شهد التعاون العسكري بين واشنطن وأثينا، الشريكين في حلف الناتو، تنامياً ملموساً خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث كثّفت القوات الأمريكية تدريجياً من عملياتها العسكرية في اليونان. ولعل من أبرز المؤشرات الدالة على ذلك قرار البحرية الأمريكية، في أكتوبر الماضي، بنقل المركبة العسكرية يو إس إس هيرشيل "وودي ويليامز" USS Hershel "Woody Williams إلى قاعدتها في خليج سودا في جزيرة كريت اليونانية، وهي المرة الأولى لتمركز سفينة عملاقة تابعة للأسطول الأمريكي السادس، في هذا الموقع منذ 40 عاماً على الأقل. كما تقوم واشنطن أيضاً بتشغيل طائرات مُسيرة حالياً خارج خليج سودا اليوناني، تحديداً في لاريسا وفي ميناء ألكساندروبولي، الذي يلعب دوراً رئيسياً في تدوير القوات الأمريكية العاملة في أوروبا. كما تعتبر القاعدة الأمريكية في خليج سودا اليوناني، منذ عام 1969، بمثابة مركز لوجستي يخدم السفن العابرة للمنطقة، بما في ذلك حاملات الطائرات الأمريكية.

ومن ناحية أخرى، تعقد واشنطن وأثينا، منذ عام 2018، حواراً استراتيجياً سنوياً على المستوى الوزاري، مع جلسات مخصصة لقضايا الدفاع والأمن. وتعد اليونان واحدة من دول الناتو القليلة التي تنفق أكثر من 2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع. وكثيراً ما يشيد المسئولون الأمريكيون والغربيون بالدور المهم الذي تلعبه أثينا فيما يتعلق بدعم العمليات العسكرية للولايات المتحدة وحلف الناتو في ليبيا وأفغانستان وكوسوفو وجهود مكافحة الإرهاب البحري والقرصنة. كما تلقى استضافة اليونان في خليج سودا لقاعدة إطلاق الصواريخ التابعة لحلف الناتو، منذ عام 1967، تقديراً كبيراً في واشنطن وكثير من الدول الأوروبية، خاصة وأن هذه القاعدة قد مكنت دولاً متعددة في الحلف، مثل ألمانيا وهولندا، من اختبار أنظمة الدفاع الجوي لديها والتدريب على عمليات الاعتراض البحري.

صفقات سلاح وتدريبات مشتركة

قوة العلاقات العسكرية المتنامية بين واشنطن وأثينا تبرز أيضاً في وجود مفاوضات جارية بين الدولتين على صفقات للسلاح تبلغ قيمتها حوالي 10,5 مليار دولار في إطار النظام الأمريكي للمبيعات العسكرية الخارجية (FMS). وتشمل هذه المفاوضات تحديث 84 طائرة من طراز F-16  (من خلال شركة لوكهيد مارتن) فضلاً عن تحديث 11 طائرة هليكوبتر يونانية من طراز SH-70B "Aegean Hawk". وكانت البحرية اليونانية قد استلمت من واشنطن أول خمس طائرات من طراز P-3B Orion تم تجديدها في عام 2019، ثم أبرمت أثينا اتفاقية جديدة مع الولايات المتحدة في عام 2020، لشراء أربع طائرات هليكوبتر من طراز "روميو" ثم قدمت طلباً لشراء ثلاث طائرات إضافية من نفس الطراز في عام 2021.

ومن جهة أخرى، تشارك اليونان أيضاً بنشاط وفاعلية في العديد من التدريبات العسكرية الثنائية والمتعددة مع الولايات المتحدة. وقد بلغ عدد هذه التدريبات أكثر من 15 تدريب عسكري كبير سنوياً، منذ عام 2018، ومنها على سبيل المثال: Thracian Cooperation وJackal Stone وSabre GuardianوINIOCHOS وDefender Europe و Alexander the Great.

وفي ظل هذا التنامي الملحوظ في التعاون العسكري، دخلت الدولتان في مفاوضات لتجديد اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بينهما. وقد كشفت التسريبات بشأن هذه المفاوضات عن أن واشنطن تسعى إلى تجديد هذه الاتفاقية لمدة خمس سنوات قادمة (بعد أن كانت تجدد لفترات قصيرة نسبياً تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، منذ التوصل إليها في عام 1990)، واستخدام قواعد عسكرية جديدة في 23 موقع آخر مقترح، إلى جانب المواقع التي تستخدمها القوات الأمريكية حالياً في خليج سودا، ولاريسا، والكساندروبولي، وستيفانوفيكيو. وفي المقابل، تسعى أثينا إلى الحصول على فرقاطات أمريكية جديدة، والتمتع بنفس المزايا التي تحصل عليها الدول المنضوية في برامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF)، مثل مصر وإسرائيل والأردن.

دوافع متعددة

يشير عدد من المحللين الأمنيين إلى أن تسارع وتيرة التعاون العسكري بين واشنطن وأثينا يحقق العديد من المصالح الحيوية للدولتين. فمن ناحية، من الواضح أن الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس جو بايدن تنظر إلى منطقة شرق المتوسط، باعتبارها إحدى الساحات المهمة للتنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا، سواء فيما يتعلق بالحصول على الموارد أو فيما يتصل بتعظيم النفوذ العسكري والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي. إذ لا تخف واشنطن، في السنوات الأخيرة، قلقها من زيادة نفوذ بكين في منطقة شرق المتوسط، خاصة بعدما امتدت "مبادرة الحزام والطريق" الصينية إلى تطوير مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية، لاسيما تلك المرتبطة بشبكات الجيل الخامس من الاتصالات والموانئ البحرية. فعلى سبيل المثال، قامت بكين مؤخراً باستثمار ما يقرب من 600 مليون يورو في ميناء بيرايوس اليوناني، كما ضخت استثمارات كبيرة في ميناء حيفا الإسرائيلي. ونجحت الصين أيضاً في ضم إيطاليا إلى "مبادرة الحزام والطريق" في مارس 2019، وتوصلت كذلك إلى اتفاق شامل بشأن ضمان الاستثمارات المشتركة مع الاتحاد الأوروبي في نهاية العام الماضي، مما سيوفر المزيد من الفرص للتكامل الاقتصادي بين الصين والاتحاد الأوروبي. وكل هذا، من وجهة النظر الأمريكية، سوف يؤدي، ليس فقط، إلى وضع الأسس لعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية أعمق بين بكين وحلفاء واشنطن في منطقة شرق المتوسط، وإنما أيضاً قد يهدد بفصل هؤلاء الحلفاء عن الولايات المتحدة، مما سيكون بمثابة نكسة كبيرة للمصالح الأمريكية في المنطقة. ومن هنا، ينظر كثير من الأمريكيين إلى تعزيز العلاقات الأمريكية- اليونانية باعتباره "ضرورة ملحة" من أجل "فرملة" و"احتواء" الاختراق الصيني المتزايد في المنطقة. وبالمثل، تنظر واشنطن أيضاً إلى تعزيز تواجدها العسكري في اليونان باعتباره وسيلة مهمة لمواجهة عودة روسيا إلى منطقة شرق المتوسط، عبر البوابة السورية والليبية والسودانية.

ومن ناحية ثانية، يبدو أن توتر علاقات كلا من واشنطن وأثينا من جهة وتركيا من جهة أخرى كان دافعاً قوياً لتطوير العلاقات العسكرية بين الدولتين في الآونة الأخيرة. إذ جددت الإدارة الأمريكية الجديدة، في إبريل الماضي، رفض واشنطن صفقة أنقرة لشراء منظومة "إس 400" الروسية، التي وقَّعت عليها تركيا عام 2017 وبدأت في الحصول عليها عام 2020، على اعتبار أن هذه المنظومة تمثل خطراً على حلف الناتو وعلى مقاتلات "إف – 35" الأمريكية. وفي هذا السياق، أبلغ وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن نظيره التركي خلوصي أكار، ضرورة تخلي أنقرة عن هذه المنظومة، التي تسببت في فرض عقوبات أمريكية على مسئولين في الصناعات الدفاعية التركية في ديسمبر الماضي (بموجب قانون كاتسا) وحرمان تركيا من اقتناء مقاتلات "إف – 35" وطردها من المشروع المشترك للناتو لإنتاج هذه المقاتلات وتطويرها في 2019.

هذا، وقد تزايد التوتر في العلاقات الأمريكية- التركية بشدة في شهر إبريل الماضي، بعدما تجاهلت أنقرة  تحذيرات الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن اقتناء المنظومة الروسية، مُعلنة أنها ستواصل مفاوضاتها للحصول على دفعة جديدة منها، وأن المفاوضات مع الجانب الروسي ستشمل أيضاً إمكانية الإنتاج المشترك لهذه المنظومة.وقد صب ذلك الزيت على النار المشتعلة بين الدولتين، بعدما وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توقيع واشنطن لعقوبات على هيئة الصناعات العسكرية التركية بسبب منظومة الدفاع الروسية، بأنه "خطأ جسيم"، وأنه لن يسمح لأي دولة بالتدخل في تحديد أولويات الدفاع عن الأمن التركي.كما وصف أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، أثناء إلقاء شهادته أمام لجنة الشئون الخارجية لمجلس الشيوخ في 20 يناير الماضي، تركيا بأنها "شريك استراتيجي مزعوم"، وأن فكرة أن يكون أحد شركاء أمريكا الاستراتيجيين على علاقة وثيقة بروسيا هى "فكرة غير مقبولة".

ومن ناحيتها، تُعوِّل اليونان على تعزيز العلاقات العسكرية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة من أجل حل خلافاتها مع تركيا، ومواجهة "طموحات أردوغان العثمانية الجديدة"، واستراتيجية حافة الهاوية التي يتبعها في المنطقة، والتي تهدد السيادة والثروات اليونانية، على حد قول وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس.فنظام أردوغان يعارض معاهدة لوزان لعام 1923، والتي أقامت الحدود الحالية بين اليونان وتركيا، مما يهدد السيادة اليونانية على أراضيها، فضلاً عن محاولات أنقرة المستمرة لمنع قبرص من استغلال احتياطيات الغاز البحرية الخاصة بها، بذريعة المحافظة على حقوق القبارصة الأتراك. ويشار في هذه الصدد إلى أن المساعي اليونانية لمواجهة الاستفزازات التركية لم تقتصر فقط على تعزيز الروابط العسكرية والسياسية مع واشنطن، وإنما شملت أيضاً تعزيز الشراكات الدفاعية والأمنية مع عدد من القوى المهمة في المنطقة، مثل فرنسا ومصر وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

هل تصبح اليونان بديلاً لتركيا؟

في ضوء المعطيات السابقة، لا يستبعد عدد من المحللين الأمنيين أن يؤدي التحسن المستمر في العلاقات العسكرية بين واشنطن وأثينا، والتدهور المتزايد في العلاقات الأمريكية - التركية، إلى أن تصبح القواعد الأمريكية في اليونان، في نهاية المطاف، بديلاً لمثيلتها في تركيا.ويدعم من هذا التقدير المزايا الاستراتيجية المتعددة التي تمتلكها اليونان، التي تعد أقدم ديمقراطية برلمانية في جنوب شرق أوروبا وفي شرق المتوسط. كما أصبحت اليونان جزءاً أصيلاً من العالم الغربي، منذ أن أصبحت عضواً أساسياً في حلف الناتو في عام 1952، وفي المجموعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1981. وتتمتع اليونان أيضاً بموقع جيوسياسي متميز بين ثلاث قارات، فضلاً عن كونها تمتلك أكبر أسطول تجاري في العالم. كما تعمل الموانئ اليونانية الكبرى، مثل بيرايوس وسالونيكي وألكساندروبوليس، كبوابات إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود. والأهم من كل ذلك، أن الاكتشافات الغازية الهائلة الأخيرة في شرق المتوسط تعني أن اليونان يمكن أن تصبح قريباً مركزاً للطاقة بين أسواق الاستهلاك الأوروبية والمنتجين الإقليميين في مصر وإسرائيل وقبرص، من أجل تقليل الاعتماد على صادرات الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية.

ولكن يبقى حتى الآن أن الولايات المتحدة لم تُظهر بعد أي مؤشر على عزمها إخراج قواتها العسكرية من تركيا، التي تعد ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو. ومع ذلك، من الواضح أن مجمل توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة يتعارض مع سياسات أردوغان ونظامه. إذ ترفض الولايات المتحدة محاولات تركيا لمزاحمة اليونان وقبرص في الاستفادة من احتياطات الغاز الواعدة في شرق المتوسط، وهو ما برز في تمرير قانون شراكة الأمن والطاقة لشرق المتوسط في عام 2019. كما تتضارب مصالح الولايات المتحدة وتركيا أيضاً في شمال سوريا. واعترفت إدارة بايدن بالإبادة الجماعية للأرمن في ضربة لأنقرة تعكس المنحى الذي تتخذه العلاقات بين البلدين.

على أية حال، يمكن القول إن تنامي التعاون العسكري بين واشنطن وأثينا يؤكد على أن منطقة شرق المتوسط ستبقى من أبرز مسارح النفوذ والصراعات الإقليمية والدولية في المدى المنظور. كما أن هذا التعاون يكشف بوضوح أن الولايات المتحدة ليست في وارد الخروج من المنطقة التي يشكل استقرارها "مصلحة حيوية" لها ولأمن واستقرار حلفائها وشركائها فيها وخارجها.

طباعة
د. أحمد قنديل

رئيس وحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية