دراسات

تحديات المرحلة الانتقالية في تشاد: معضلات الأمن والاستقرار السياسي

د. أحمد أمل * 5307 6-5-2021
طباعة PDF

على الرغم من تاريخها الطويل من الأزمات السياسية والاضطرابات الأمنية، بلغت الأزمة المركبة التي تمر بها تشاد حالياً مستويات غير مسبوقة من التعقد والخطورة. فقد كان من المنتظر أن يشكل شهر أبريل من عام 2021 بداية لمرحلة جديدة يستعيد بها النظام التشادي السيطرة المحكمة على البلاد بتجديد شرعيته عبر انتخابات رئاسية هى الأولى التي تجري وفق الدستور الجديد الذي أقر في عام 2018، تسمح للنظام بالتفرغ لمواجهة المخاطر الأمنية المتعددة على نحو أكثر كفاءة. وفي الوقت الذي تمكن فيه الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي من الفوز بالانتخابات الرئاسية حاصلاً على نحو 80% من أصوات الناخبين، جاءت مشاركته في المواجهات التي جرت في إقليم كانم في غرب البلاد الأوسط لتضع نهاية لحكمه الذي تجاوز الثلاثة عقود، بعد أن تعرض لإصابات أسفرت عن مقتله بعد يومين في العشرين من أبريل 2021.

ومنذ إعلان المجلس العسكري الانتقالي برئاسة محمد إدريس ديبي توليه مسئولية الحكم في البلاد في اليوم نفسه، بدأت تشاد مرحلة انتقالية حرجة تجتمع فيها التحديات الأمنية والسياسية على نحو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

التحديات الأمنية

تفرض الاعتبارات الجغرافية على تشاد العديد من التحديات الأمنية والتي تشكل في اللحظة الراهنة الخطر الأكبر على استقرار المرحلة الانتقالية. فمن ناحية أولى تشكل الصحراء الكبرى المساحة الأكبر من إقليم تشاد في المناطق الشمالية والوسطى مما يجعل من قدرة الدولة على بسط سيطرتها على إقليمها بصورة كاملة أمراً بالغ الصعوبة، فضلاً عما تشكله الصحراء من مدخل مهم لمختلف التهديدات الأمنية حيث يمكن اجتيازها بسهولة في ساعات معدودة. ومن ناحية ثانية تحاصر تشاد من الجهات الأربع دوائر اضطراب وصراع محتدمة بما يوفر ملاذات آمنة لكل التنظيمات المسلحة المتمردة والإرهابية الأمر الذي يعقد كثيراً من مهام حفظ الأمن في المرحلة الانتقالية. ويمكن رصد ثلاثة تحديات أمنية رئيسية يمكن لأي منها -حال تفاقمه- أن يعصف بالمرحلة الانتقالية بصورة كاملة والتي تتمثل في:

1-  التصدي للفصائل المتمردة الزاحفة من جنوب ليبيا: منذ اندلاع الصراع في ليبيا في عام 2011 وجدت العديد من الحركات المسلحة التشادية في الجنوب الليبي مواقع ملائمة للاستقرار تبعدها عن المواجهات المحتدمة مع القوات المسلحة التشادية، لكنها في الوقت نفسه تجعلها على مقربة من تشاد بما يتيح لها استمرار القيام بأنشطة مؤثرة في الداخل التشادي. وتقليدياً، ومنذ وصول الرئيس السابق إدريس ديبي للسلطة في عام 1990 بعد إزاحة الرئيس الأسبق حسين حبري تحول شمال تشاد لبؤرة توتر مستدامة حيث تنشط العديد من التنظيمات المسلحة المتمردة في منطقة شمال غرب البلاد في محيط هضبة تيبستي الأمر الذي دفع تشاد لإعلان حالة الطوارئ في إقليم تيبستي في أغسطس من عام 2019 في ممارسة متكررة بفعل الاضطرابات الأمنية([1]).

على هذا الأساس، شنت جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد المعروفة اختصاراً باسم FACT هجوماً في الحادي عشر من أبريل من عام 2021 بعد أن زحفت عناصرها من الداخل الليبي وحتى إقليم كانم في غرب المنطقة الوسطى من إقليم تشاد قبل أن تتصدى لها القوات المسلحة التشادية وتلحق بها خسائر بشرية ومادية جسيمة، إلا أن هذه المواجهات أسفرت في النهاية عن مقتل الرئيس إدريس ديبي([2]).

وتساعد العديد من الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية على تعقيد أي محاولة للمجلس العسكري الانتقالي في تشاد لاحتواء التهديدات الأمنية في شمال البلاد. فمع الارتفاع الكبير لمعدلات الفقر وتدني مستويات الإنفاق العام على التنمية في هذه المناطق، اتجهت نسبة كبيرة من السكان للعمل في قطاع التعدين غير النظامي نتيجة وجود احتياطات كبيرة من الذهب، فضلاً عن تحول المنطقة لواحدة من أهم معابر خطوط التهريب الرئيسية القادمة من وسط وشرق القارة الأفريقية صوب سواحل ليبيا المطلة على البحر المتوسط، والتي تشمل تهريب البشر والأسلحة والمخدرات والسلع المختلفة. ويعزز هذا الوضع بصورة كبيرة من سيطرة التنظيمات والفصائل المسلحة على مناطق شمال تشاد، كما يقلل في الوقت نفسه من قدرة السلطات الانتقالية على استعادة السيطرة خاصة في مدن الشمال الأقصى القريبة من الحدود مع ليبيا([3]).

2- مواجهة الإرهاب في حوض بحيرة تشاد: تقع الأقاليم الجنوبية من تشاد والتي تتركز فيها النسبة الغالبة من سكان البلاد في واحدة من أكثر البؤر اضطراباً في القارة الأفريقية، حيث يعد حوض بحيرة تشاد مركزاً لنشاط عدد من التنظيمات الإرهابية شديدة الخطورة وفي مقدمتها بوكو حرام وذلك منذ عام 2015 في إطار استراتيجية التمدد خارج حدود نيجيريا والتي تبناها التنظيم مما جعل من تشاد والنيجر والكاميرون أهدافاً رئيسية للتنظيم الأكبر في غرب أفريقيا.

وتتعدد أنماط عمليات تنظيم بوكو حرام في تشاد بين العمليات التي تستهدف معسكرات اللاجئين النيجيريين الفارين من التنظيم والتي تحمل بعداً رمزياً مهماً في إثبات السيطرة والقدرة على ملاحقة الفئات غير المتعاونة حتى خارج نيجيريا، وبين العمليات المتصاعدة للخطف مقابل الفدية والتي يعول عليها التنظيم في حشد المزيد من الموارد المالية لمواجهة التضييق على نشاطه في شمال شرق نيجيريا. هذا بالإضافة إلى العمليات "التقليدية" التي يحرص التنظيم على تنفيذها في المدن الرئيسية على غرار الهجمات الثلاثة المتتالية التي وقعت في نجامينا بين الخامس عشر من يونيو والحادي عشر من يوليو من عام 2015 والتي خلفت نحو خمسين قتيلاً ومائتي مصاب([4]).

ويعد هذا النوع من الأهداف هو الأكثر خطورة بالنظر لما تضمه العاصمة نجامينا من مراكز عسكرية وأمنية للقوات التشادية والفرنسية والتي يمكن أن يؤدي استهدافها لأضرار جسيمة ببنية مكافحة الإرهاب في إقليم الساحل، وهو الخطر الذي تتعاظم فرصه في اللحظة الراهنة بما تشهده العاصمة من اضطرابات سياسية واستمرار للاحتجاجات منذ مقتل الرئيس ديبي، بجانب استمرار خطر هجوم المتمردين على العاصمة من الجهة الشمالية.

الجدير بالذكر أن القوات المسلحة التشادية لا تزال في مرحلة التعافي من التداعيات السلبية لهجوم الثالث والعشرين من مارس من عام 2020 الذي يعد أكبر هجوم إرهابي في تاريخ تشاد من حيث عدد الضحايا الذين فاقوا المائة قتيل من ضباط وجنود الجيش التشادي، ممن سقطوا على خلفية هجوم استمر لخمسة ساعات متواصلة شنه مقاتلو حركة بوكو حرام على قاعدة عسكرية في جزيرة بوهوما بإقليم بحيرة تشاد، الأمر الذي أدى لإعلان الرئيس الراحل إدريس ديبي تعليق مشاركة قواته المسلحة في أي عمليات لمكافحة الإرهاب خارج حدود البلاد، قبل أن يعلن تراجعه بعد ضغط دولي وإقليمي([5]).

3- استعادة الاستقرار في شرق البلاد: من بين الأقاليم التي أعلنت فيها حالة الطوارئ عام 2019 إقليمي واداي وسيلا على الحدود مع دارفور السودانية نظراً لما يشهده الإقليمان من أعمال عنف متكررة لم تحل حالة الطوارئ دون تكرارها. حيث شهدت مدينة أبشة في إقليم واداي تمرداً في سجن المدينة مما أسفر عن سقوط قتيلين على الأقل من بين المسجونين. وقد كشف الحادث عن تردي عام في القدرات الأمنية في المناطق الشرقية بعد أن أعقبه حادث مشابه في سجن مدينة جيريدا في إقليم وادي فيرا المجاور، بجانب مواجهات متقطعة بين الفصائل المتمردة والجيش والشرطة. وقد جاء العنف في شرق تشاد على خلفية وجود بيئة محفزة في ظل العلاقات المتوترة بين المكونات السكانية المختلفة والتي أطلقت موجة من العنف في عام 2019([6]).

هذه الحوادث المتكررة في شرق البلاد تعكس حالة من التدهور الأمني بفعل عوامل متعددة، فعلى الرغم من انتماء الرئيس ديبي لجماعة الزغاوة التي تشكل إحدى المكونات الرئيسية في شرق تشاد، تنتظم أعداد من الجماعة نفسها في إطار عدد من الحركات والفصائل المتمردة في مقدمتها تجمع القوى من أجل التغيير بقيادة تيمان إرديمي والتي تنخرط عناصرها في تمرد مسلح منذ سنوات، والتي تحظى بدعم بعض الأطراف الإقليمية مقابل انخراطها الطويل في الصراع في ليبيا([7]).

ومما يزيد من تعقيدات إدارة المرحلة الانتقالية في تشاد ما يشهده الجوار الشرقي من اضطرابات متكررة في إقليم غرب دارفور في السودان الواقع على الحدود مع تشاد والذي يشهد أعمال عنف متكررة بين المكونات السكانية المختلفة مما أسفر عن إعلان مدينة الجنينة عاصمة الإقليم منطقة منكوبة في الثاني والعشرين من أبريل الأمر الذي أدى لظهور حركة لجوء واسعة باتجاه تشاد لن تزيد الأوضاع في شرق تشاد إلا اضطراباً([8]).

التحديات السياسية

تأتي التغيرات الاضطرارية في بنية الحكم التي تجريها تشاد حالياً على إثر أزمة سياسية معقدة تشهدها البلاد منذ سنوات نتيجة انسداد قنوات التواصل بين النظام الحاكم والمعارضة الحزبية من جانب، ومع تنامي الضغوط من أجل إعادة دمج الحركات والفصائل المسلحة في العملية السياسية من جانب آخر. على هذا ينتظر المجلس العسكري الانتقالي في تشاد تحديات سياسية لا تقل تعقيداً وصعوبة عن التحديات الأمنية، ويتمثل أبرزها في:

1- بناء التوافق بشأن المرحلة الانتقالية: جاء اختيار المعارضة المسلحة لتاريخ الحادي عشر من أبريل 2021 لبدء زحفها باتجاه العاصمة نجامينا بالتزامن مع تاريخ بدء التصويت في الانتخابات الرئاسية التي أثارت الكثير من الجدل والتوتر داخل بلاد والتي سعى الرئيس ديبي من خلالها لتمديد حكمه لست سنوات إضافية. فقد سبق الانتخابات حملة واسعة للتضييق على المعارضة مما أدى لإقصاء ثلاثة من أبرز قادة المعارضة عبر إلقاء القبض عليهم قبل موعد الانتخابات واتهامهم بالتخطيط لمهاجمة مقر اللجنة الوطنية للانتخابات، وهو ما أعقبه إعلان سبعة مرشحين معارضين آخرين انسحابهم الطوعي من المشاركة في الانتخابات احتجاجاً على الإجراءات المتشددة التي اتخذتها الحكومة والتي أثرت بالسلب على العملية الانتخابية([9]).

هذه العلاقة المتوترة بين الحكم والمعارضة في تشاد ألقت بظلالها على مرحلة ما بعد إدريس ديبي لتفرض تحديات كبرى أمام المجلس العسكري الانتقالي. ففي العشرين من أبريل 2021 أعلن عن تولي المجلس العسكري الانتقالي قيادة البلاد والذي يتكون من خمسة عشر من القيادات العسكرية للجيش التشاد برئاسة الجنرال محمد إدريس ديبي نجل الرئيس السابق. وفور تشكيله أعلن المجلس العسكري الانتقالي عن سلسلة من الإجراءات في مقدمتها إعلان حالة الطوارئ وإغلاق الحدود فضلاً عن حل البرلمان والحكومة([10]).

وفور الإعلان عنها، قوبلت الإجراءات الأولية برفض واسع من جانب القوى السياسية، ففي الحادي والعشرين من أبريل أصدر أكثر من ثلاثين حزب سياسي تشادي بياناً مشتركاً أعلنت فيه رفض "الانقلاب المؤسسي" الذي شهدته البلاد بعد تجاوز نص الدستور الذي يقضي بأن يخلف الرئيس حال وفاته رئيس البرلمان ليدير عملية إجراء انتخابات رئاسية عاجلة في مدة لا تتجاوز التسعين يوماً. وقد دعت أحزاب المعارضة في بيانها لإطلاق مرحلة انتقالية تقودها حكومة مدنية وتطلق حواراً وطنياً شاملاً بين جميع الأطراف في البلاد. كما دعت أحزاب المعارضة التشاديين لعدم الانصياع للقرارات غير القانونية وغير الشرعية للمجلس العسكري الانتقالي([11]).

ومما فاقم من حدة الأزمة فشل الإجراءات السياسية التي أطلقها المجلس العسكري في احتواء الغضب الشعبي المتصاعد، وفي مقدمتها تعيين ألبرت باهيمي باداكي رئيساً للحكومة الجديدة وهو من الوجوه السياسية المعروفة والذي خاض المنافسة الانتخابية الأخيرة ضد الرئيس ديبي ليحل ثانياً بنحو 10% من الأصوات. وقد كان باداكي آخر رئيس وزراء لتشاد قبل إلغاء المنصب بموجب الدستور الجديد الصادر في عام 2018. كما عجزت مناشدات الحركة الوطنية للإنقاذ- حزب الرئيس ديبي- للأطراف المختلفة للحوار والمصالحة عن تلبية مطالب الحركات المسلحة والأحزاب السياسية على السواء([12]).

وبالتوازي مع الرفض القاطع من جانب أحزاب المعارضة، خرجت في السابع والعشرين من أبريل احتجاجات شعبية واسعة في العديد من المدن التشادية الرئاسية في مقدمتها العاصمة نجامينا ومدينة موندو التي تعد المدينة الثانية في البلاد وهي الاحتجاجات التي بلغت مستويات متقدمة من الحدة خلفت قتلى ومصابين بعد الدخول في اشتباكات متعددة مع قوات الأمن. ومن شأن هذه الحركات الاحتجاجية غير المؤطرة أن تفرض المزيد من الضغوط على المجلس العسكري الانتقالي نظراً لاكتسابها تأييداً واسعاً خاصة في أوساط الشباب التشادي([13]).

2- الاحتواء السياسي للفصائل المتمردة: من بين المظاهر اللافتة التي شهدتها الأيام الأولى لتولي المجلس العسكري الانتقالي السلطة في تشاد التردد الكبير الذي بدا غالباً على موقف جبهة الوفاق من أجل التغيير التي قادت التمرد الذي أسفر عن مقتل الرئيس إدريس ديبي. ففي البداية جددت الجبهة التزامها بالاستمرار في زحف قواتها تجاه العاصمة نجامينا للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد بعد أن أعلنت رفضها لإجراءات تسلم المؤسسة العسكرية الحكم بعد مقتل الرئيس. لكن هذا الموقف شهد تغيراً سريعاً نتيجة إعلان العديد من الأطراف الدولية وفي مقدمتها فرنسا استمرار دعم السلطة الجديدة في تشاد في جهودها لمكافحة الإرهاب، ونتيجة ما تكبدته القوات المتمردة من خسائر كبيرة في جبهات القتال في كانم والتي تجاوزت الثلاثمائة قتيل وفق ما أعلنه الجيش التشادي([14]).

على هذا أعلن المتحدث باسم جبهة الوفاق من أجل التغيير كينجابي أوجوزيمي دي تابول انفتاح الجبهة على أى حوار شامل سيتم الدعوة إليه من قبل السلطات الانتقالية في تصريحات لوكالة سبوتنيك الروسية، وهو ما أكده زعيم الجبهة المتمردة محمد مهدي في تصريحات لإذاعة فرنسا الدولية بتأكيد قبول الجبهة الدخول في هدنة والوقف الفوري لإطلاق النار. وتأتي هذه التصريحات على إثر ما تم تداوله من تقديم الرئيسين الموريتاني محمد ولد الشيخ غزواني والنيجري محمد بازوم مبادرة للوساطة بين السلطات الانتقالية والمتمردين في تشاد. كما جاءت كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم تأبين الرئيس ديبي التي دعا فيها لحوار شامل بين كل التشاديين، لتشكل مصدراً إضافياً للضغط على الجبهة المتمردة لتجنب تحميلها منفردة مسئولية التصعيد في البلاد.

لكن اللافت أن موقف المجلس العسكري الانتقالي قد جاء رافضاً للدخول السريع في مثل هذه المفاوضات بعد أن أعلن المتحدث باسم المجلس الجنرال عظيم بيرمنداو أجونا أن الوقت الحالي ليس مناسباً لقبول الوساطة أو التفاوض مع "الخارجين على القانون"، وهو الموقف الذي تبرره العديد من الاعتبارات في مقدمتها رغبة النظام الجديد في الدخول في مفاوضات من موقع قوة بما يجنبه تقديم تضحيات كبيرة على طاولة التفاوض، وهو ما أكده استمرار الجيش التشادي في شن الهجمات على معاقل الجبهة المتمردة منذ الإعلان عن مقتل الرئيس ديبي([15]).

ومن بين المخاوف الكبرى التي يراها المجلس العسكري الانتقالي الاستجابة السريعة لمطالب إطلاق حوار مفتوح مع الحركات المسلحة، وما يمكن أن يسفر عنه ذلك من الاضطرار لدمج التنظيمات الإرهابية الناشطة في جنوب غرب البلاد في إطار عملية الحوار وهو ما يمكن أن تترتب عليه تداعيات أمنية وسياسية خطيرة. فقد اتسمت عملية مكافحة الإرهاب في عموم دول الساحل الأفريقي بالطول وعدم الحسم، بل وتعدد مظاهر الانتكاس على امتداد العقد الماضي مما خلق مساحة لظهور أصوات تطالب بوقف المواجهات الأمنية والدخول في حوار مفتوح مع التنظيمات الإرهابية التي استفادت من اختراقها لبعض المكونات الاجتماعية وتوظيف ورقة الانتماءات الإثنية بصورة كبيرة. وقد ظهرت هذه التوجهات بقوة في الاحتجاجات التي شهدتها مالي بين شهري يونيو وأغسطس الماضيين بعد أن أصبح الحوار مع التنظيمات المسلحة أحد مطالبها الرئيسية. وبالمثل يمكن أن يتعرض المجلس العسكري الانتقالي في تشاد لضغط مماثل قد يفاقم من حجم أعبائه السياسية، وذلك نتيجة مبادرة المجلس بالإعلان عن التزامه بالاستمرار في ذات النهج الملتزم بمكافحة الإرهاب الذي استمر طوال فترة حكم الرئيس الراحل إدريس ديبي، وهو ما سيجعل أي دعوة منه للتنظيمات الإرهابية للحوار بمثابة تراجع عن الموقف المبدئي([16]).

مسارات المستقبل

مما سبق يتضح التداخل الكبير بين التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها المرحلة الانتقالية في تشاد، بحيث يصبح مستقبل البلاد مرهوناً بقدرة المجلس العسكري الانتقالي على معالجة التحديات الأمنية والسياسية بصورة متكاملة، نظراً لعجز أي معالجة جزئية أو انتقائية لهذه التحديات عن استعادة استقرار البلاد من جديد. وتضع هذه الحالة مستقبل البلاد أمام ثلاثة مسارات رئيسية لكل منها ما يرجحه، والتي تتمثل في:

المسار الأول: استقرار سياسي وتوتر أمني: بادرت السلطات الجديدة في تشاد بالإعلان عن عدد من الإجراءات التي يمكن أن تمتص بها غضب الشارع المشتعل أصلاً بفعل التوترات التي سبقت الانتخابات الرئاسية. هذه الإجراءات يمكن أن تكتسب المزيد من الشرعية حال تم إطلاق حوار وطني واسع يجمع المجلس العسكري الانتقالي بقادة الأحزاب السياسية بما قد يوفر قدراً من الاستقرار السياسي وصولاً للإعلان عن موعد عقد الانتخابات الجديدة وهي الخطوة التي يمكن لها أن تبدد الكثير من مظاهر التوجس والقلق لدى المعارضة السياسية في تشاد.

وبالرغم مما يمكن أن يوفره هذا التوافق الهش بشأن الإجراءات السياسية في المرحلة الانتقالية من استقرار نسبي في العاصمة نجامينا والمدن الرئيسية في جنوب البلاد، قد يعصف بهذا التوازن أي تحدي أمني إضافي يمكن أن يواجهه المجلس العسكري الانتقالي في اشتباكاته مع الفصائل المتمردة في شمال البلاد وشرقها، أو نتيجة لاستغلال التنظيمات الإرهابية المتوقع للضغوط السياسية وانشغال الجيش التشادي بالانتشار في شمال البلاد عبر تكثيف عملياتها في محيط حوض بحيرة تشاد وهو ما يمكن أن يؤدي لدخول البلاد في حالة من الفوضى العارمة التي قد تنال في النهاية من سلامة الدولة التشادية نفسها وليس فقط نظام الحكم القائم فيها.

المسار الثاني: هدوء أمني واضطراب سياسي: بعد أيام قليلة من الإعلان عن انتقال السلطة في تشاد، أعلنت الرئاسة الفرنسية عن أن باريس ودول مجموعة الساحل ملتزمة بدعم العملية الانتقالية في تشاد. هذا الدعم الخارجي يحمل بالأساس مضامين عسكرية وأمنية تعزز من قدرة المجلس العسكري الانتقالي على تجاوز التحديات الأمنية المتعددة على الجبهات الشمالية والشرقية والجنوبية. ومما يعزز من فرص احتواء حكام تشاد الجدد للتحدي الأمني المتصاعد حقيقة أن المجلس العسكري الانتقالي يضم غالبية القيادات العسكرية التي تنشط منذ سنوات في مواجهة التهديدات الأمنية المتعددة، فضلا ًعن الخبرة الميدانية الطويلة التي يتمتع بها رئيس المجلس محمد إدريس ديبي بصفته قائد قوات أمن مؤسسات الدولة، والقائد المساعد للقوات المسلحة التشادية منذ عام 2013.

لكن هذا الدعم الخارجي والفرنسي على وجه الخصوص يشكل في ذاته مصدراً من مصادر الاضطراب السياسي بحيث قد يدفع الترتيبات السياسية الهشة للانهيار. إذ تشهد دول الساحل الأفريقي في السنوات الأخيرة تنامياً للتيارات المعارضة للدور الفرنسي في مكافحة الإرهاب باعتبار أنه يمثل شكلاً من أشكال "الاستعمار الجديد" تحت غطاء مكافحة الإرهاب. وقد عبرت هذه التوجهات عن نفسها بقوة في الاحتجاجات التي أعقبت تولي المجلس العسكري الانتقالي السلطة في تشاد من خلال قيام بعض المحتجين بإحراق الأعلام الفرنسية وتخريب المنشآت التابعة لشركات فرنسية كتلك التابعة لشركة توتال النفطية. وبينما يعد الدعم الخارجي للقوات المسلحة التشادية ضرورة ملحة لمواجهة التحديات الأمنية الكبرى في هذه اللحظة الدقيقة، قد يكون هذا الدعم في ذاته سبباً في تصاعد موجة احتجاجية قد تعصف باستقرار البلاد بصورة كاملة وتؤدي لانهيار الترتيبات الانتقالية ودخول مستقبل تشاد السياسي في مرحلة عدم التيقن.

المسار الثالث: المعالجة المتوازية للتحديات الأمنية والسياسية: يفرض الواقع المعقد للأزمة التشادية على السلطة الانتقالية الجديدة العمل بصورة متوازية على تجاوز المشكلات الأمنية والسياسية في الوقت نفسه ومن دون أي تعثر أو إرجاء. وعلى الرغم من الصعوبات المتعددة التي قد تواجه هذا المسار، تعزز الاعتبارات الإقليمية من فرص تشاد في إنجاحه وذلك بفعل عاملين يتعلق الأول منهما بالأهمية الاستراتيجية المتنامية لتشاد في السنوات الأخيرة بحيث أصبحت تمثل أحد اللاعبين الرئيسيين في استعادة الاستقرار في إقليم الساحل الأفريقي، وفي تثبيت العملية الانتقالية الهشة في دول جوارها المباشر ليبيا والسودان، مما جعل من نجامينا محطة رئيسية للعديد من ممثلي الدول الكبرى المعنية باستقرار الأوضاع في القارة الأفريقية. ومن شأن هذا الواقع الجديد أن يحفز العديد من الأطراف الدولية على ممارسة أدوار إيجابية في استعادة الاستقرار في تشاد بتوجيه الدعم المزدوج للإجراءات السياسية والأمنية خلال المرحلة الانتقالية.

أما العامل الثاني فيتعلق بوجود سابقة إقليمية حققت نجاحاً نسبياً في تجاوز تحديات مشابهة. فمنذ سقوط نظام البشير في السودان في أبريل من عام 2019 نجحت أطراف الأزمة السودانية في تجاوز بعض العقبات الرئيسية كان في مقدمتها تأسيس تحالف لإدارة المرحلة الانتقالية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير وفق اتفاق تقاسم السلطة المقر في أغسطس من عام 2019، مما مهد لخطوة أكثر تقدماً تمثلت في دمج الفصائل والحركات المسلحة في بنية الحكم بموجب اتفاق جوبا للسلام الموقع في أكتوبر من عام 2020. هذا التشابه الواضح بين الأوضاع في السودان وتشاد يوفر نموذجاً قابلاً للمحاكاة يمكن أن يستفيد منه المجلس العسكري الانتقالي في تشاد في وضع تصوره الأولي لإجراءات إدارة المرحلة الانتقالية بما يمكنه من احتواء المطالب السياسية وإخماد التمرد المسلح في الوقت نفسه.

وإجمالاً، لا يزال من المبكر الحكم على العملية الانتقالية في تشاد التي لا تزال تمر بأيامها الأولى، لكن يمكن رصد أربعة من المحفزات التي يمكن أن تساعد على إنجاحها والتي تتضمن توسيع قاعدة المشاركة في العملية الانتقالية بأكبر صورة ممكنة، والمسارعة بالإعلان عن خريطة طريق واضحة تنتهي بعقد انتخابات عامة، والحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية بعيداً عن الانشقاقات على خلفية المواقف السياسية والانتماءات الإثنية، وأخيراً الحفاظ على الدعم الخارجي خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا باعتبارهما الدولتين الأكثر اهتماماً بالاستقرار في الساحل الأفريقي وكذا دعم دول الجوار المباشر.


[1] Chad declares state of emergency in 3 regions due to security problems, Reuters, August 19 2019

https://www.reuters.com/article/us-chad-security-idUSKCN1V91FG

[2] Marie Toulemonde, Chad: Mapping the rebellion that killed Idriss Déby, The Africa Report, April 29, 2021.

https://www.theafricareport.com/83261/chad-mapping-the-rebellion-that-killed-idriss-deby/

[3] Gethin Chamberlain, The deadly African gold rush fuelled by people smugglers' promises, The Guardian January 17, 2018.

https://www.theguardian.com/global-development/2018/jan/17/deadly-african-gold-rush-people-smugglers-northern-chad-mines

[4] International Crisis Group, Fighting Boko Haram in Chad:Beyond Military Measures, Africa Report N°246, March 8, 2017

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/246-fighting-boko-haram-chad-beyond-military-measures

[5] Daniel Eizenga, Chad’s Escalating Fight against Boko Haram, The Africa Center for Strategic Studies, April 20, 2020

https://africacenter.org/spotlight/chad-escalating-fight-against-boko-haram/

[6] International Crisis Group, Avoiding the Resurgence of Intercommunal Violence in Eastern Chad, Africa Report N°284, December 30, 2019

https://d2071andvip0wj.cloudfront.net/284-avoiding-the-resurgence-of-intercommunal-violence-in-eastern-chad%20(1).pdf

[7] International Crisis Group, Rebel Incursion Exposes Chad’s Weaknesses, February 13, 2019

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/au-tchad-lincursion-des-rebelles-devoile-les-fragilites-du-pouvoir

[8]  132 قتيلا و 208 جرحى... والي غرب دارفور: مسلحون من تشاد شاركوا في أحداث الجنينة، عربي Sputnic، 8 أبريل 2021

https://sptnkne.ws/FSDS

[9] Kizzi Asala and Joel Honoré Kouam, Chad: Charged pre-election atmosphere as opposition calls for boycott, Africa News, April 6, 2021.

https://www.africanews.com/2021/04/06/chad-charged-atmosphere-pre-election-as-opposition-calls-for-boycott//

[10] Kizzi asala, Chad: New president Mahamat Deby promises "inclusive national dialogue", Africa News, April 27, 2021

https://www.africanews.com/2021/04/27/chad-new-president-mahamat-deby-promises-inclusive-national-dialogue//

[11] Chad's opposition slams 'coup' as major powers quiet on army takeover, Africa News, April 22, 2021

https://www.africanews.com/2021/04/22/chad-s-opposition-slams-coup-as-major-powers-quiet-on-army-takeover//

[12] Chad’s new military rulers name prime minister, opposition cries foul, Reuters, April 27, 2021

https://www.reuters.com/world/africa/chad-military-council-names-former-pm-padacke-prime-minister-2021-04-26/

[13] Edward Mcallister, Two dead, 27 hurt as Chad protesters demand civilian rule, Reuters, April 27. 2021

https://www.reuters.com/world/africa/protests-erupt-ndjamena-chadian-protesters-demand-civilian-rule-2021-04-27/

[14] Chad opposition calls for national dialogue, rebels willing for bilateral 'ceasefire', France 24, April 25, 2021

https://www.france24.com/en/africa/20210425-chad-rebels-prepared-to-observe-a-ceasefire-if-it-is-bilateral

[15] Chad's transitional govt says won't negotiate with regrouping rebels, Africa News, April 26, 2021

https://www.africanews.com/2021/04/26/chad-s-transitional-govt-says-won-t-negotiate-with-regrouping-rebels/

[16] Niagalé Bagayoko, In the Sahel, terrorists are now sitting at the negotiation table, The Africa Report, February 22, 2021

https://www.theafricareport.com/67261/in-the-sahel-terrorists-are-now-sitting-at-the-negotiation-table/


طباعة PDF
د. أحمد أمل

مدرس العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا - جامعة القاهرة