مقالات تحليلية

غياب كاسترو: حدود التغير والاستمرار في كوبا

امل مختار * 849 5-5-2021
طباعة

مثّلت كوبا ولا زالت حالة فريدة لدولة "المواجهة" لسياسة الهيمنة الأمريكية، وحالة نادرة لبقاء نظام الحزب السياسى الواحد المغاير لنموذج الديمقراطية الغربية – حتى داخل كافة دول أمريكا اللاتينية – وأيضاً نموذجاً لاستمرار الاقتصاد المركزى. وعلى الرغم من أن ذلك النموذج وتلك الحالة قد ارتبطت على مدار 6 عقود باسم "كاسترو"، إلا أنه يخطئ من يتصور أن ما حدث ولا يزال يحدث في كوبا هو وضع مرتبط بتوجه عائلة كاسترو ينتهى بموت "فيدل" أو بتقاعد أخيه "راؤول".

يأتي احتفال عيد العمال الأول من مايو في كوبا هذا العام 2021 بدون وجود اسم كاسترو على رأس الحزب الشيوعى صاحب السلطة الأعلى في الدولة لأول مرة منذ 60 عاماً، وكذلك من خلال الاحتفال الافتراضى للنقابات العمالية والمهنية على شبكة الإنترنت في ظل محاذير كثيرة من التجمهر في الشوارع كما جرت العادة في مثل هذا اليوم نظراً للمخاوف من جائحة كوفيد-19. كما أن هذا العيد المهم في الجزيرة الشيوعية يأتي هذا العام وسط تساؤلات عديدة ومحاولات للبحث والتنبؤ بمستقبل الدولة ومواطنيها البالغ عددهم نحو 11.2 مليون نسمة. ومن هذه التساؤلات: ماذا حدث في كوبا؟ وما هو حجم التغير الذى أحدثته قرارات المؤتمر الشيوعى الثامن الذى عقد في النصف الثانى من شهر أبريل 2021، ومن هو الرئيس الكوبى ميجيل دياز كانيل، وماذا يعنى وجود رجل ولد بعد الثورة على رأس السلطة في كوبا، وما هو المستمر والمتغير في النظام السياسي الكوبى بعد غياب الأخوين كاسترو، وما هي التغيرات الاقتصادية المتوقعة، وإلى أى مدى سيغير الرئيس الأمريكى جو بايدن من سياسات سلفه دونالد ترامب التعسفية تجاه كوبا؟

ماذا حدث في كوبا؟

كوبا واحدة من آخر خمس دول شيوعية في العالم، ومن ثم يعتبر مؤتمر الحزب الشيوعي – الحزب الأوحد في البلاد – هو الحدث الأهم الذي يأتي مرة كل خمس سنوات. وقد جاء المؤتمر الثامن الذي بدأ انعقاده في 16 أبريل 2021 واستمر لمدة 4 أيام تحت شعار "مؤتمر الاستمرارية"، في إشارة للتأكيد على أن نقل السلطة من راؤول كاسترو لدياز كانيل لا يعنى بأى حال من الأحوال تغييراً في طبيعة النظام السياسى أو الأيديولوجى أو الاقتصادى لكوبا.

يوم الإثنين 19 أبريل 2021 تم انتخاب الرئيس الكوبى ميجيل دياز كانيل (60 عاماً) أميناً عاماً للحزب الشيوعى خلفاً لراؤول كاسترو (89 عاماً). ودياز كانيل سبق وأن خلف راؤول كاسترو في منصب رئيس الدولة في 2018. وبهذا يصبح دياز كانيل هو صاحب السلطتين الأعلى في البلاد. وخلال المؤتمر الذي عقد في 18 أبريل قام 300 مندوب من الحزب بانتخاب "اللجنة المركزية" للحزب والمكونة من 114 عضو. ومن ثم انتخبت اللجنة المركزية 17 عضواً ليشكلوا أعلى سلطة سياسية في الحزب وهو "المكتب السياسى". ومن ثم قام المكتب السياسى باختيار الأمين الأول والثانى للحزب، حيث يمثل الأمين الأول أعلى سلطة سياسية في البلاد حتى أهم من منصب رئيس الدولة. ومنذ المؤتمر الأول للحزب جمع فيديل كاسترو بين المنصبين، ثم تلاه أخوه الأصغر في هذا النمط من الحكم، إلى أن حدث التغيير الأول في 2018 عندما احتفظ راؤول بمنصب الأمين الأول في الحزب الشيوعى وانتقل منصب الرئيس الكوبى لدياز كانيل ولكن بعد انتهاء المؤتمر الثامن للحزب في أبريل 2021 جمع دياز كانيل بين المنصبين. وبالنسبة للشعب الكوبى فهى المرة الأولى التي يختفى اسم كاسترو من أي منصب سياسي رفيع في الدولة، على الأقل هذا يحدث لأول مرة لكافة المواطنين دون سن السبعين تقريباً.

يأتي حدث التغيير في كوبا في الذكرى الستين لأحداث أبريل 1961، تلك الأحداث التي شهدت إعلان قائد الثورة فيدل كاسترو كوبا دولة اشتراكية، وما تلا هذا الإعلان من هجوم عسكرى خلال 24 ساعة من قوات كوبية معارضة مدعومة بقوات أمريكية على "بلايا خيرون" أو المعروفة بخليج الخنازير. تلك الأحداث التي كانت بمثابة إعلاناً رسمياً قوياً لبداية الصراع الأمريكي- الكوبى بل والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى والتي وصلت إلى قمتها في نصب الصواريخ النووية السوفيتية في خليج الخنازير عقب إجلاء قوات المعارضة الكوبية.

اختار الحزب الشيوعى التاريخ نفسه ليعقد مؤتمره الثامن الذى ينقل فيه السلطة إلى جيل جديد ولد أثناء أو بعد هذه الأحداث، جيل لم يكن شريكاً في الثورة على باتيستا حليف الولايات المتحدة، ولم يكن جزءاً من صراعات الحرب الباردة والساخنة طوال الستينيات والسبعينيات. أراد الزعماء التاريخيون الذين تتجاوز أعمارهم الثمانين أو التسعين عاماً أن يقدموا رسالة إلى الشعب الكوبى والإدارة الأمريكية والعالم بأن الثورة الكوبية التي اندلعت منذ 6 عقود لم تكن حدثاً شخصياً ولم تستمر عملاً عائلياً، بل كونت هوية كوبية وذاكرة وطنية وثقافة سياسية واحدة بين جموع الشعب الكوبى الذي يشارك في الانتخابات بنسبة تصل إلى 90% برغم كون المشاركة اختيارية، وهو الأمر الذى يشير بقوة إلى أن ما يحدث في كوبا هو استمرار للنموذج الذى صنعته ثورة عام 1959 ولكن مع تلمس بعض التغيرات والتطورات التي بدأت أولى خطواتها منذ تسلم راؤول كاسترو منصب الأمين الأول للحزب الشيوعى ورئيس البلاد منذ 2011 ويمكن الحديث عنها بوضوح الآن بعد مرور 10 سنوات، في عهد الرئيس الجديد دياز كانيل.

النظام السياسى بين التغيير والاستمرار

الثابت في النظام السياسى الكوبى أنه نظام قائم على الحزب الواحد، وهو الحزب الشيوعى. وتعتمد أيديولوجية النظام السياسى في كوبا على أن الحزب الواحد هو الضامن لبناء الوطن الاشتراكى، كما أنه الصلة الفاعلة بين القيادة والمواطنين ومن ثم الطريق الوحيد للديمقراطية. والحزب الشيوعى الكوبى ليس انتخابياً ولا نخبوياً ولكنه يمثل ما يُعرف بطليعة الشعب، ويضم الأفضل من الجماهير ورمز لوحدة الشعب الكوبى وفقاً للدستور الكوبى.

جاء في كتاب "مئة ساعة مع فيديل كاسترو" للصحافى غناسيو رامونيه، مقولة لفيديل كاسترو:  "لتغيير الطابع الاشتراكي الاجتماعي يجب حصول ثورة جديدة أو ثورة مُضادة، والأمر ليس سهلاً مع شعب مُثقّف وموحّد".

التغيير الذى حدث في كوبا في أبريل 2021 ويتحدث عنه العالم اليوم لم يكن هو الخطوة الأهم في هذا التغيير، بينما كانت الخطوات الأهم هي:

1- انتخابات 2018: شهدت كوبا في 2018 انتخابات هامة، حيث صوّت فيها نحو 8 ملايين كوبى لهم حق التصويت لاختيار 605 عضو برلماني في الجمعية الوطنية (البرلمان الكوبى). وأيضاً انتخاب 1265 عضواً للمجالس المحلية، وهى الانتخابات الأولى من نوعها في كوبا. وخلال تلك الانتخابات قام البرلمان بعد تشكيله باختيار أعضاء مجلس الدولة البالغ عددهم 31 عضواً، ذلك المجلس الذى قام في تلك الفترة باختيار رئيس كوبا الجديد خلفاً لراؤول كاسترو في 2018 وهو ميجيل دياز كانيل. ومن الجدير بالذكر أن كل هذه الانتخابات محصورة داخل إطار مرشحين من الحزب الشرعي الوحيد في البلاد وهو الحزب الشيوعى في حين أن المعارضة غير مسموح لها بتقديم مرشحين على الإطلاق. بيد أن الجديد في هذه الانتخابات أن المعارضة لم تدع إلى مقاطعة الانتخابات بل إنها اتبعت آلية المشاركة بأصوات باطلة.

2- الدستور الجديد في فبراير 2019: صوّت 84.4% من الناخبين على الدستور الجديد في 24 فبراير 2019، حيث وافق عليه نحو 74%. وقد أقر الدستور استمرار الحفاظ على نظام الحزب الواحد، لكن الجديد هو حذف الفقرة التي كانت تنص على أن الهدف هو بناء "مجتمع شيوعى"، واستبدالها ببناء "نظام اشتراكى". إذ جاء في الدستور الجديد الاعتراف لأول مرة بالملكية الخاصة وبعض من آليات اقتصاد السوق مثل إدارة مشاريع اقتصادية صغيرة للمواطنين، والسماح بالاستثمار الأجنبي. والمهم جداً في هذا الدستور هو السماح بحرية الإنترنت، واستحداث منصب رئيس الوزراء، ووضع حد للولاية الرئاسية والتي قُدرت بفترتين رئاسيتين فقط كل فترة منهما خمس سنوات، وألا يزيد عمر الرئيس عند توليه المنصب أول مرة عن 60 عاماً. كما أنه لم يعد مسموحاً لرئيس الدولة أن يكون رئيساً لمجلس الدولة ورئيساً لمجلس الوزراء كما كان في السابق.

3- المؤتمر الثامن للحزب الشيوعى أبريل 2021: خلال المؤتمر الثامن للحزب الشيوعى، تنحى كل من راؤول كاسترو السكرتير الأول للحزب، وكذلك نائبه خوسيه ماتشادو (90 عاماً) عن منصب السكرتير الثانى للحزب. وصدرت قرارات خلال المؤتمر بتحديد سن عضوية اللجنة المركزية بحد أقصى 60 عاماً و70 عاماً لتولى منصبى السكرتير الأول والثانى. كما تقرر منح النساء والأقليات تمثيلاً واسعاً في الهيئات الحزبية وخاصة القيادية.

أما عن أهمية المؤتمر من الناحية الموضوعية، فقد قسمت أعماله إلى ثلاث لجان: الأولى، ناقشت المحور الاقتصادى والاجتماعى تحت رئاسة رئيس الوزراء مانويل ماريرو. والثانية، ركزت على الحزب نفسه والتوجه الأيديولوجى للمواطنين تحت رئاسة السكرتير الثانى للحزب ماتشادو. والثالثة، تناولت السياسات المستقبلية للبلاد تحت رئاسة الرئيس دياز كانيل. واللجنة الأخيرة ركزت على مستقبل العلاقات الكوبية الخارجية، والتأكيد على أهمية تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا وفنزويلا وإيران وفيتنام ونيكاراجوا، وهى في أغلبها دول ذات علاقات متوترة مع الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن المؤتمر أكد على أهمية تحسين العلاقات مع الأخيرة على أساس من الاحترام والتعاون بشرط إنهاء الحصار الأمريكي على كوبا.

الأزمة الاقتصادية في كوبا

تتمثل الملاحظة الأهم في توقيت تقاعد راؤول واختفاء اسم كاسترو من قمة هرم السلطة في هافانا، في تردى الأوضاع الاقتصادية بدرجة غير مسبوقة نظراً للمبالغة الأمريكية في فرض الحصار الاقتصادى خلال الأربع سنوات الأخيرة -في عهد ترامب -من خلال إقرار 242 سياسة عقابية ضد كوبا. فضلاً عن تداعيات أزمة كوفيد-19 خلال العام الماضى، والذى أدى إلى تدهور قطاع السياحة في الجزيرة الكوبية، وهما العاملان اللذان عطلا خطط راؤول كاسترو الاقتصادية الإصلاحية نحو مزيد من الانفتاح على اقتصاد السوق والتي أيدها الدستور وكان متوقعاً لها أن تؤتى ثمارها بعد انفراج العلاقات الكوبية- الأمريكية فى نهاية عهد أوباما في 2015. وإضافة إلى ما سبق ذكره من تغيير في بنود الدستور في المجال الاقتصادى، فقد كان من أهم القرارات الاقتصادية الصادرة عام 2020، السماح للشركات الخاصة بالاستثمار في أكثر من ألفى قطاع بدلاً من 127 قطاعاً فقط، وأيضاً الإصلاح النقدى المتمثل في إلغاء نظام العملتين. لكن واقع الأمر لا يمكن إغفال حقيقة أن سوء الأحوال الاقتصادية في كوبا مرده الأساسى هو الحصار الاقتصادى الأمريكي على الجزيرة على مدار 60 عاماً.

وعلى أى حال، ورغم طول فترة الحصار، وتفاقم الوضع في عهد ترامب وزمن الجائحة، إلا أن الصورة الكلية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ليست بهذه القتامة في كوبا. فالنمو الاقتصادى يبلغ 3%. كما تحتل الدولة المركز 70 في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، وتوجد في خانة "مؤشر مرتفع" متقدمة على عدد من دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا.

ورغم الحصار الطويل والقاسي، فإن كوبا حققت تقدماً في القطاع الصحى أشبه بالمعجزة نظراً لظروفها. وقد ظهر ذلك بوضوح في مواجهة جائحة كوفيد-19، حيث تمكنت هافانا من مواجهة الوباء محلياً بنتائج لافتة ونسبة وفيات متدنية جداً كما صدّرت كوادر طبية وصل عددهم إلى نحو 1200 إلى خارج حدودها في 22 دولة في أوروبا وأفريقيا لمواجهة الجائحة خلال العام الماضي. وتوصلت كوبا مؤخراً إلى لقاح للفيروس أطلقت عليه اسم "عبد الله" نسبة إلى قصيدة بطل الاستقلال الكوبى خوسية مارتى الشهيرة. ومن المتوقع أن تنتج منه 100 مليون جرعة مع نهاية العام الجارى. ونظراً لتاريخ كوبا المتميز في مجال اختراع وصناعة الأدوية واللقاحات، فإن المتخصصين يعولون كثيراً على هذا اللقاح. ومن قبل أزمة فيروس كوفيد-19 حققت السياحة العلاجية في كوبا تقدماً وشهرة واسعة. كما أن في كوبا أكثر من 100 ألف طبيب بنسبة 9 أطباء لكل ألف مواطن فضلاً على 485 ألف من العاملين في الرعاية الصحية، وهو ما يجعلها من أعلى دول العالم في نسب الأطباء. فضلاً عن أن الاستثمار الكوبى في القطاع الصحى ليس فقط في عدد وتميز الطواقم الطبية بل أيضاً في مجال البحث الدوائي وإنتاج واختراع الأدوية واللقاحات.

وعلى صعيد آخر، انعكس هذا التفوق الطبي على مستوى الخدمة الصحية المقدمة للمواطنين، فالصحة في كوبا خدمة تقدم لكافة المواطنين دون أدنى تفاوت أو تكلفة. وتقع كوبا رسمياً على قمة قائمة الدول التى تلبي الأهداف الإنمائية التابعة للأمم المتحدة، والتي تركز على المكونات الاجتماعية لخدمات الرعاية الصحية.

الشباب والتكنولوجيا وبوادر التغيير

تأخرت كوبا كثيراً في مواكبة تطور التكنولوجيا وعالم الإنترنت، لكن مع نهاية عام 2018 وصلت خدمة الإنترنت إلى الهواتف المحمولة. ومن المؤكد أن مشاعر من الغضب أو المعارضة كانت تتواجد بين مواطني كوبا لأسباب مختلفة، وليس فقط بين مَن يقومون بالهجرة والاستقرار في الولايات المتحدة، ولكن أيضاً بين أولئك الذين يعيشون داخل الوطن ولديهم قدر من التوافق مع توجهات النظام الكوبى. لكن خدمة الإنترنت سهّلت من ظهور هذا الغضب أو الاحتجاج على أرض الواقع. فظهرت على سطح المشهد منذ سبتمبر 2018 حركة "سان إيسيدرو"، وهى حركة معارضة من الفنانين والصحفيين نشأت بالأساس للاحتجاج على القانون رقم 349 القاضى بموافقة وزارة الثقافة مسبقاً على أي نشاط فنى في البلاد. وفى المقابل قامت الحكومة باعتقال قيادات بارزة في الحركة مما أدى الى مظاهرات في أغسطس 2019. وتكررت احتجاجات في نوفمبر 2020. لكن الاحتجاجات وعلى الرغم من أن عدد المشاركين بها لا يتعدى العشرات، إلا أن مجرد حدوثها يعد تغيراً غير مسبوق على مدار العقود الست الماضية. وتعتبر الحركة أن عروضها الفنية تمثل صورة للاحتجاج على تقييد حرية التعبير، في حين وصفها الرئيس دياز كانيل بأنها "عروض إمبريالية لتدمير هويتنا وإخضاعنا مرة أخرى". وهذه التطورات تشير إلى أن تغيراً ما يتشكل تدريجياً داخل المجتمع، وأن أصواتاً معارضة بدأت تظهر في الشارع تختلف كلياً عن المعارضة التي تشكلت في الخارج وتحديداً داخل الولايات المتحدة منذ الستينيات. فهى معارضة وطنية وتنتمى إلى الدائرة الواسعة للأيديولوجية الحاكمة في كوبا، لكنها تتبنى بعض المطالب ولديها رغبة في التغيير الجزئى، وهو الأمر الذى لم يواجهه الأخوان كاسترو ومطلوب من الرئيس الجديد دياز كانيل مواجهته والتعامل معه.

كوبا ونموذج دولة المواجهة للهيمنة الأمريكية

ليست كل التظاهرات ممنوعة في كوبا، فقد شهدت العاصمة هافانا وغيرها من المدن مظاهرات حاشدة في 26 أبريل 2021 بالتزامن مع مظاهرات لكوبيين خارج البلاد للمطالبة برفع الحصار الأمريكي عن كوبا، تحت شعار "No más bloqueo a Cuba" (لا مزيد من الحصار على كوبا). وعلّق الرئيس دياز كانيل على هذه الأحداث على منصة تويتر بقوله: "لقد تحول الاحتجاج العالمي ضد الحصار إلى موجة لا يمكن وقفها".

ويضغط نواب ديمقراطيون داخل الكونجرس الأمريكي على الرئيس جو بايدن لإيضاح موقفه من استمرار العقوبات التعسفية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي ختمها في 11 يناير 2021 أي قبل 9 أيام من تركه البيت الأبيض بقرار إعادة كوبا إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب مرة أخرى، بعد أن رفعها سلفه باراك أوباما من القائمة، وإعلان حقيقة المسار الذى سينتهجه، وهل سيكون في صف استكمال خط الرئيس أوباما أم ترامب؟.

 لكن إدارة بايدن حتى الآن ورغم صعوبة الأوضاع الضاغطة بسبب جائحة كوفيد-19، إلا أنها تقول بأن هذا الملف ليس على قائمة أولوياتها في اللحظة الراهنة، ولم يتغير سوى رفع اسم كوبا من قائمة الإرهاب في 15 مارس 2021. ويبدو أن بايدن- الذى شارك أوباما قرارات عودة العلاقات مع هافانا، حيث كان نائب الرئيس آنذاك- يسعى لتأجيل حل أزمة العقوبات على كوبا حتى ينتهى من المسألة الفنزويلية، وإجبار الرئيس مادورو على الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة تنهى حكم الشافيزية من كراكاس، التي تساندها كوبا في الاستمرار في الحكم.

في واقع الأمر، اعتقد المتابعون لملف العلاقات الأمريكية- اللاتينية في 2015، أن الصراع الأمريكي- الكوبى الطويل قد انتهى بعودة العلاقات الدبلوماسية والرفع الجزئى للعقوبات الاقتصادية، لكن التراجع الذى شهده عهد ترامب، فضلاً عن تدخله السافر في الشأن الفنزويلي، وإعلانه الصريح عن مواجهة من أسماهم بـ"الشياطين الثلاثة" (فنزويلا وكوبا ونيكارجوا)، أعاد للأذهان ذكرى عقود طويلة من التدخل الأمريكي في دول الجوار.

فعلى مدار عقود، ظل "مبدأ مونرو" الرامى إلى تأكيد حق الولايات المتحدة الأمريكية فى منع الدول الأوروبية من التدخل المباشر فى دول نصف الكرة الغربى، هو الحاكم في المنطقة. ومن ثم ظهر مصطلح "العصا الغليظة" الذى نصّبت به الولايات المتحدة نفسها كـ"شرطى الأميركتين"، وأباحت لنفسها التدخل السافر فى شئون الدول اللاتينية، حيث اعتبرت الأراضى الواقعة بعد حدودها الجنوبية بداية من المكسيك وحتى نهاية مخروط أمريكا الجنوبية مروراً بدويلات أمريكا الوسطى وجزر الكاريبى منطقة نفوذ لها وساحة خلفية لأمنها القومى لا يمكن التهاون في ضمان ولاء حكومات تلك الدول لها.

وبصورة عامة، اعتبرت الولايات المتحدة مسألة وجود أنظمة موالية لها داخل الدول اللاتينية مسألة أمن قومى لا فصال فيه. ولعقود طويلة عمل جهاز المخابرات ووزارة الدفاع على ضمان هذا الأمر، خصوصاً خلال فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث حرصت الولايات المتحدة على مواجهة أى محاولات سوفيتية لاختراق هذه المنطقة أو بناء جسور تواصل بين الحزب الشيوعى السوفيتى والأحزاب الشيوعية أو الحركات اليسارية الناشئة في تلك الدول، وهذا ما يفسر السياسة الأمريكية المتعسفة والحصار الطويل المفروض على كوبا منذ نجاح ثورة كاسترو في الإطاحة بالرئيس باتيستا حليف الولايات المتحدة في 1959، ومساعى الأخيرة للضغط لإسقاط الحكومة الشيوعية في الجزيرة وهو الأمر الذى استمر نحو 55 عاماً، حتى قررت إدارة أوباما إنهاء هذا الوضع في 2015.

فى كلمته يوم 17 ديسمبر 2014 قال أوباما: "لا يمكن أن أصدق أن نظل نفعل نفس الشيء لما يربو على خمسة عقود ونتوقع نتيجة مختلفة"، وهو ما يعنى أن فرض الحصار الاقتصادى والتضييق على كوبا طوال تلك الفترة لم يسفر عن إنهاء نظام كاسترو، أو إنهاء النظام الشيوعى فى كوبا، الذى صمد أمام العقوبات الأمريكية واستطاع أن يبقى حتى رغم الصعوبات الاقتصادية الفادحة عقب تفكك الاتحاد السوفيتى. والأكثر من ذلك أن الرئيس الأسبق أوباما برر عودة العلاقات مع هافانا فى إحدى المقابلات التليفزيونية بقوله: "كانت كوبا دولة صغيرة جداً لم تمثل يوماً تهديداً قوياً لنا أو لأحد حلفائنا". ولكن بالرغم من ذلك، ما زال الحصار الاقتصادى العنيف يُطوِّق أي تقدم اقتصادى في كوبا ويصعب من حياة المواطنين، وما زال ملف الصراع الأمريكى- الكوبى ملفاً مفتوحاً أمام الرئيسين الجديدين في الولايات المتحدة جو بايدن ونظيره الكوبى دياز كانيل.

طباعة
امل مختار

باحثة في شئون التطرف والعنف - برنامج دراسات الإرهاب والتطرف - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.