مقالات تحليلية

رسائل ومكاسب مهمة للتقارب المصري-الروسي

طباعة

بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات كاملة نتيجة عمل إرهابي استهدف طائرة ركاب روسية فوق سيناء في أكتوبر عام 2015، اتفقت القاهرة وموسكو، في 23 أبريل 2021، على استئناف حركة الطيران الكاملة بين مطارات الدولتين، بما في ذلك الغردقة وشرم الشيخ، وذلك بعد التعاون المشترك الناجح بين الجانبين للتأكد من توفير المطارات المصرية لمعايير الأمن للسياح الروس.وقبل هذا الاتفاق بيوم واحد، أعلنت موسكو أنها أبرمت عقداً كبيراً، يعد الأول من نوعه، لإنتاج لقاح "سبوتنيكV " الروسي ضد فيروس كوفيد 19 في مصر.وقد تم التوصل إلى هذا العقد بين الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة وبين شركة "مينافارم"المصرية للأدوية، وشركة "بروبيوجين"التابعة لها، ومقرها في ألمانيا، ويقضي بإنتاج أكثر من 40 مليون جرعة من اللقاح الروسي في مصر سنوياً، اعتباراً من الربع الثالث من العام الجاري.

ثمار لاتفاقية الشراكة الشاملة

اتفاقيتا استئناف حركة الطيران، وتصنيع اللقاح الروسي في مصر، تأتيان بعد شهور قليلة من دخول اتفاقية الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي الموقعة بين روسيا ومصر حيز التنفيذ في 10 يناير الماضي. وتتضمن هذه الاتفاقية، التي تم التوقيع عليها من جانب الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين، في مدينة سوتشي الروسية يوم 17 أكتوبر 2018، مواصلة تعزيز التعاون بين مصر وروسيا في المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية والثقافية والصحية وغيرها من المجالات. وتحدد الاتفاقية آليات تعميق التنسيق بين موسكو والقاهرة على مختلف المستويات، مثل تبادل زيارات الرئيسين مرة واحدة في السنة على الأقل، وإجراء مشاورات منتظمة بين وزيرى الخارجية، إضافة إلى المشاورات بصيغة "2+2" لوزراء الدفاع والخارجية للبلدين، وعقد اجتماعات سنوية للجنة المصرية- الروسية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، وتعاون مجالس الأعمال في الدولتين.وتؤكد الاتفاقية أيضاً على التنسيق المستمر، وتبادل الآراء، حول الأوضاع العسكرية والسياسية الدولية، ومسائل الأمن القومي لمصر وروسيا، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين.

دلالات عديدة

تعيد الاتفاقيتان إلى الأذهان ذكريات العصر الذهبي للعلاقات المصرية- الروسية الذي شهدته ستينات القرن الماضي في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.كما أنهما تعكسان بوضوح الإرادة السياسية بشأن تطوير الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين المصري والروسي في المرحلة المقبلة. وقد تعززت هذه الإرادة بفضل تنامي الثقة المتبادلة بين قادة الدولتين، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسئولية، فضلاً عن زيادة التقارب بين القاهرة وموسكو، في السنوات الأخيرة، بعدة طرق، لعل من أبرزها: صفقات الأسلحة، والتعاون في مجال الطاقة النووية، والتنسيق بشأن الأزمة الليبية، وتنامي العلاقات الاقتصادية بين الدولتين.

فمن جهة، قامت مصر بالتعاون مع روسيا في ترقية أسطولها الجوي من طائرات "ميج – 21" السوفيتية القديمة إلى الجيل الرابع من طائرات "ميج -29 إم". كما اشترت القاهرة أيضاً من موسكو 46 طائرة هليكوبتر هجومية من طراز "كا – 52". وحصلت مصر أيضاً من روسيا على نظام الدفاع الصاروخي أرض - جو "إس – 300 في إم". ووقعت الدولتان، في عام 2019، اتفاقية بقيمة مليارى دولار، وتهدف إلى شراء نحو 26 طائرة مقاتلة من طراز "سوخوى 35"، واتفاقية أخرى لإنتاج 500 دبابة من نوع "تي - 90 إم إس" محلياً، برخصة من الشركة الروسية المنتجة، من أجل تجديد الترسانة البرية.

وبالإضافة إلى ذلك، تعزز التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية. ففي عام 2015، توصلت مصر إلى اتفاق مع عملاق الطاقة الروسي "روساتوم" لبناء محطة طاقة نووية لتوليد الكهرباء بقدرة 4800 ميجاوات في مدينة الضبعة المصرية الساحلية على البحر المتوسط ​. ووفقاً لهذا الاتفاق، سوف تقوم روسيا بإقراض مصر 25 مليار دولار، على مدار 35 عاماً، لتمويل إنشاء وتشغيل هذه المحطة (وذلك لتغطية 85 في المائة من إجمالي تكاليف المشروع). كما ينص الاتفاق أيضاً على قيام موسكو بتزويد المحطة بالوقود النووي لمدة 60 عاماً ونقل وتخزين الوقود النووي المستنفد من المفاعلات المصرية.

ومع تزايد التوافق المصري- الروسي حول كيفية التعامل مع الأزمة في ليبيا، توسع التعاون العسكري الثنائي بين البلدين. ففي نوفمبر2017، على سبيل المثال، وقّعت مصر وروسيا مشروع اتفاقية تحكم استخدام المجال الجوي لبعضهما البعض. ومن ناحية أخرى، انطلقت المناورات المصرية - الروسية المشتركة منذ عام 2015، بمشاركة وحدات بحرية من القوات البحرية لكلا الجانبين، والتي كان آخرها مناورات "جسر الصداقة - 3" أو "جسر الصداقة 2020"، خلال الفترة من 17 إلى 24 نوفمبر الماضي.وتعد هذه المناورات الأولى من نوعها بين الدولتين في البحر الأسود، بينما كانت المناورات المشتركة السابقة تجري في البحر المتوسط.

وعلى المستوى الاقتصادي، شهدت العلاقات بين القاهرة وموسكو قفزات كبيرة خلال السنوات الماضية. فمن جهة، زادت الاستثمارات الروسية في مصر بشكل ملحوظ. ففي تصريحات للسفير الروسي بالقاهرة جيورجي بوريسينكو، كشف أن استثمارات شركات النفط الروسية الكبرى في مصر، بما في ذلك "روس نفط" و"لوك أويل" و"لادا"، تتجاوز 7,4 مليار دولار.

ومن جهة ثانية، يحرص الجانبان المصري والروسي، في الوقت الراهن، على استكمال كافة الإجراءات المتعلقة بإنشاء المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي من المتوقع أن تجذب استثمارات روسية تفوق 7 مليارات دولار، وتوفر نحو 35 ألف فرصة عمل جديدة. وأعلن سفير روسيا لدى مصر أن هذه المنطقة سيبدأ الإنتاج بها عام 2022.

ومن جهة ثالثة، تعتبر مصر الشريك الأول لروسيا على المستوى الأفريقي، والعربي أيضاً، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين في عام 2020 حوالي 4 مليارات دولار، أى بانخفاض قدره حوالي الثُلث مقارنة بالعام السابق، الذي وصلت فيه قيمة هذا التبادل إلى 6.2 مليار دولار. وقد بلغ حجم الواردات المصرية من روسيا، في العام الماضي، حوالي 3.5 مليار دولار، بينما وصلت الصادرات المصرية إلى روسيا إلى 500 مليون دولار، وكان معظمها من الحاصلات الزراعية والمنتجات الصيدلانية ومنتجات الصناعات الغذائية والكيماوية.

ومن جهة رابعة، اتفقت القاهرة وموسكو على توريد 1300 عربة جديدة للسكك الحديدية، من خلال شركة "ترانسماش" الروسية بشراكة مع المجر، لتحديث وتطوير منظومة السكك الحديدية في مصر. وتقدر قيمة هذا الاتفاق بحوالي مليار يورو.ووصل حتى الآن من هذه الصفقة 227 عربة جديدة، وسيتوالى وصول العربات الأخرى وفقاً للجدول الزمني المتفق عليه.

مكاسب متوقعة في المستقبل

من المتوقع أن تقود اتفاقيتا استئناف حركة الطيران، وتصنيع اللقاح الروسي في مصر، إلى تحقيق مكاسب ومنافع متبادلة من شأنها دعم التقارب المصري- الروسي بشكل كبير في المستقبل المنظور. فمن ناحية، سوف يساهم استئناف رحلات الطيران المباشرة من روسيا إلى المنتجعات المصرية في الغردقة وشرم الشيخ في زيادة عدد السياح الروس القادمين إلى مصر، وبالتالي دخول عوائد مالية جديدة لخزانة الدولة المصرية. إذ توقعت مصادر في قطاع صناعة السياحة الروسية وصول ما يقرب من نصف مليون سائح روسي إلى هاتين المدينتين في الشهر الأول بعد استئناف رحلات الطيران إلى المنتجعات المصرية. كما أن تصنيع اللقاح الروسي في مصر سوف يمنح فرصة كبيرة لتطعيم ملايين المصريين ضد فيروس كوفيد- 19، وبالتالي تسريع عملية العودة إلى الحياة الطبيعية في البلاد، التي عانت، كغيرها، طوال عامي 2020 و2021 من الآثار الاقتصادية والصحية الوخيمة لتفشي الوباء.

ومن ناحية أخرى، من المرجح أن يؤدي تعزيز علاقات التعاون السياحي والصحي بين القاهرة وموسكو، إلى مساعدة الأخيرة على تقوية علاقاتها الاستراتيجية مع الأولى، في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر مع الولايات المتحدة بشكل متواصل، خاصة منذ قدوم الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 يناير الماضي. وقد برز التصعيد الأمريكي تجاه روسيا مؤخراً في صور متعددة، منها على سبيل المثال، تصريحات بايدن ضد بوتين التي وصفه فيها بـ"القاتل"، ثم قيام واشنطن بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على موسكو. كذلك، تنتقد واشنطن موقف الأخيرة إزاء الأزمة مع أوكرانيا. وبالإضافة إلى ذلك، تتطلع موسكو أيضاً إلى القاهرة من أجل مواجهة ضغوط واشنطن الجارية حالياً على كثير من الدول العربية من أجل عزل موسكو في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، خاصة بعد مواقف الأخيرة تجاه الأزمات المشتعلة في المنطقة، لاسيما تلك المرتبطة بإيران وسوريا وليبيا وفلسطين. وفي هذا السياق، تنظر موسكو إلى تدعيم التقارب مع القاهرة، باعتباره أولوية كبيرة لإجهاض هذه الضغوط، خاصة وأن مصر دولة عربية كبرى. وبالمثل، تنظر القاهرة إلى تعزيز التقارب مع موسكو باعتباره مفيداً للمصالح المصرية، خاصة فيما يتعلق بتحقيق التوازن في العلاقات الخارجية، وتنويع مصادر السلاح.

تحديات في الأفق

رغم أن العلاقات المصرية- الروسية تشهد حالياً واحدة من أفضل فتراتها على الإطلاق منذ تدشين الروابط الدبلوماسية وتبادل إقامة السفارات والقنصليات بين موسكو والقاهرة في 26 أغسطس عام 1943، إلا أن ذلك لا ينفي أنها لا تخلو من بعض التحديات المرتبطة بقضايا محددة:القضية الأولى،تتعلق بالموقف الأمريكي من الصفقة المصرية- الروسية بشأن اقتناء القاهرة طائرات الـ"سوخوي 35" من الجيل الرابع. إذ قالت مجلة "ميليتري ووتش" الأمريكية المتخصصة في الشئون العسكرية وقضايا التسلح أن "وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكن قد طرح هذه المسألة مع نظيره المصري سامح شكري خلال مكالمة هاتفية جرت بين الطرفين". ويدخل هذا السلوك الأمريكي بشأن الطائرات الروسية في إطار السياسة الأمريكية لمحاصرة الصناعة العسكرية الروسية لأن الولايات المتحدة سعت منذ 2017 إلى تقليص حصة روسيا في أسواق السلاح الدولية بتدابير أكثر شدة، بإصدارها قانون "مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات"، المعروف اختصاراً بقانون "كاتسا"، والذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في 2 أغسطس 2017، وهو قانون يفرض عقوبات اقتصادية على زبائن السلاح الروسي، وهو ما نفذته واشنطن ضد كل من الصين وتركيا، فيما هددت كلاً من فيتنام وإندونيسيا والهند بتطبيقه لثنيها عن شراء الأسلحة الروسية.

وتتمثل القضية الثانية، في وجود بوادر لمشروعات روسية جديدة من شأنها أن تطرح احتمالات للتأثير على قناة السويس، التي تدر عوائد مالية مهمة لمصر. إذ كشفت شركة "روساتوم" الروسية، مؤخراً، عن "طريق بحر الشمال". ووفقاً للشركة، فإن هذا الطريق سوف يوفر الوقت والمال للسفن القادمة من الصين واليابان إلى الموانئ الأوروبية، خاصة من المساعي الروسية لتشغيل هذا الطريق باستخدام أقوى كاسحات الجليد النووية لتسيير الحركة.

وتنصرف القضية الثالثة، إلى تراجع التعاون الأكاديمي والبحثي والثقافي. فعلى سبيل المثال، تكاد تكون إقامة الحوارات الفكرية والمؤتمرات العلمية والمشروعات البحثية بين مراكز البحوث والفكر في الدولتين متوقفة تقريباً. كما أن حركة الترجمة من اللغة العربية إلى الروسية والعكس أصبحت أيضاً ضعيفة للغاية.

على أية حال، وبصرف النظر عن هذه التحديات، يتوقع الخبراء أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من التقارب المصري- الروسي، على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. واستناداً إلى الإشارات القادمة من موسكو، فإن العلاقات بين الدولتين تُبنى الآن على أساس الصداقة والاحترام والمراعاة المتبادلة للمصالح، مع حفاظ القاهرة على علاقاتها الواسعة مع الدول الغربية.

طباعة
د. أحمد قنديل

رئيس وحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية