متابعات تحليلية

الذكرى العشرون: الانعكاسات المحتملة للانسحاب الأمريكي من أفغانستان

رانيا مكرم * 4277 24-4-2021
طباعة

يعيد قرار إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الخاص بالانسحاب النهائي من أفغانستان بحلول الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر 2001، إلى الأذهان قرار الانسحاب من العراق الذي اتخذته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في 2011، وما فرضه من تبعات على العراق، والمنطقة بشكل عام، حيث شهدت العراق خلال سنوات قليلة عقب الانسحاب الأمريكي صعوداً قوياً لتنظيم "داعش"، وبروز ظاهرة المقاتلين الأجانب وتزايد وتيرة العمليات الإرهابية في المنطقة والعالم، لاسيما وأن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان يأتي في توقيت بالغ الصعوبة، حيث تواجه عملية السلام الأفغاني – الأفغاني عثرات متتالية، كما تتصاعد حدة العنف في البلاد بشكل ملحوظ، مما يرجح احتمالات تعرض البلاد لعدة مخاطر مستقبلية، في وقت لم تعد لدى الولايات المتحدة الأمريكية رغبة في تحمل أعباء الوجود الأمني في أفغانستان، على ضوء تغير أولوياتها السياسية والاستراتيجية.

قرار محسوم

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 14 أبريل الجاري (2021)، قرار بلاده بشأن انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من أفغانستان نهائياً بلا شروط، مؤكداً على ضرورة إنهاء أطول الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها، مشيراً إلى أن الانسحاب سيبدأ في أول مايو القادم على أن يكتمل بحلول الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر، في حين ستستمر الشراكة مع أفغانستان، من خلال تكثيف الحراك الدبلوماسي مع الحكومة الأفغانية وحركة "طالبان".

ويأتي القرار متسقاً، إلى حد كبير، مع ما تم الاتفاق عليه مع حركة "طالبان" في 29 فبراير 2020، في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وذلك على الرغم من إعلان الإدارة الأمريكية الجديدة عزمها مراجعة اتفاق السلام بين واشنطن والحركة، حيث أن هذه المراجعة لم تحدث تغييراً سوى في الجدول الزمني للانسحاب، فبدلاً من أن يكون الانسحاب النهائي في مايو 2021، أكد بايدن أن الانسحاب سيكتمل بحد أقصى بحلول الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر.

ويبدو أن هذا التأجيل القصير للانسحاب قد جاء بناءً على إدراك أمريكي لصعوبة الأوضاع على الأرض، حيث تزايدت أعمال العنف في البلاد، إذ قدّرت بعض التقارير الهجمات الإرهابية في مختلف أقاليم أفغانستان خلال الشهور الثلاثة الأولى من عام 2021 بحوالي 60 هجوم، لاسيما مع تعثر عملية السلام الأفغاني- الأفغاني، بين الحكومة المعترف بها دولياً، وحركة "طالبان".

ومن هنا جاء هذا التأجيل ليعبر عن تخوف أمريكي من أن يفرض هذا الانسحاب العاجل حالة من الفراغ الأمني في مثل هذا التوقيت الحرج، وذلك على الرغم من ضغط الرأى العام في هذا السياق، والمخاطرة بمواجهة رد فعل انتقامي من قبل حركة "طالبان"، نتيجة تأجيل موعد الانسحاب عن الموعد المتفق عليه مع الإدارة السابقة، وهو ما كانت "طالبان" قد حذرت منه مسبقاً، وأكدت عليه عقب الإعلان الأمريكي الأخير، حيث أعلنت رفضها للقرار الأمريكي في بيان نشرته علي موقعها الإلكتروني، محذرة من معاودة الهجوم على القوات الأجنبية الموجودة في البلاد، في حال عدم التزامها بالموعد المحدد في اتفاقية الدوحة.

تداعيات محتملة

مع التسليم بأن قرار الانسحاب النهائي من أفغانستان يعبر عن اتجاه أمريكي رسمي وشعبي لإنهاء حقبة من الحروب الطويلة والمُكلِّفة مادياً وبشرياً، فإن هذا القرار ينطوي على عدة مخاطر، يتوقع أن تطال مستقبل أفغانستان، وكذلك مستقبل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وذلك وسط غياب مؤشرات حقيقية على الأرض تشير إلى حدوث أى تقدم في عملية السلام الأفغاني – الأفغاني، وتوقف العنف، أو حتى تراجع معدلاته. وتتمثل أبرز التداعيات المحتملة لهذه الخطوة في:

1- فشل مفاوضات السلام بين الحكومة و"طالبان": يأتي الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في وقت حرج، فيما يخص اتفاقية السلام، التي لم تحقق نجاحات بعد، بل إن ثمة مؤشرات عدة تدعم من إمكانية تحول الوضع إلى الأسوأ، إذا ما لم تحدد ضمانات حاسمة يمكنها أن تلزم "طالبان" بعدم العودة لنشاطها الإرهابي ومحاولاتها السيطرة على البلاد. إذ يؤكد كوادر الحركة، في أكثر من مناسبة، على أن بدء المفاوضات مع الحكومة لا يعني أن الحركة تسعى فقط لتقاسم السلطة مع الحكومة، وإنما تحاول تشكيل حكومة إسلامية و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهى الصيغة التي يمكن أن تفتح الباب مجدداً أمام الصراع المسلح. وفي ظل غياب شرط وقف إطلاق النار قابل للاستمرار بين "طالبان" والحكومة، فإن احتمالات انسياق البلاد لحرب أهلية مجدداً من المرجح أن تتزايد.

كما أن ارتفاع مستويات العنف لا يوحي بإمكانية نجاح المفاوضات بين الطرفين قريباً، إذ أعلنت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، في 14 أبريل الجاري، أن 573 مدنياً قتلوا وأصيب 1210 خلال الربع الأول من العام الحالي 2021، خلال مواجهات اندلعت بين "طالبان" والقوات الأمنية في مناطق مختلفة من البلاد.

ويمكن القول إن تغير أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل المنافسة المحتدمة مع الصين، وتحديات تغير المناخ، ثم مواجهة جائحة كورونا وتداعياتها، قد ساهم بشكل كبير في حسم خيارها بين الانسحاب الكامل على النحو المتفق عليه مسبقاً خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب، وعدم مراجعة الاتفاقية كما أعلنت إدارة الرئيس جو بايدن، في بداية توليها مهامها، وبين بقاء حد أدنى من القوات لمواجهة أى تهديد إرهابي وأمني محتمل، لتختار الانسحاب في النهاية دون شروط وقبل ضمان نجاح عملية السلام أو حتى ضمان الانخراط الجدي فيها من قبل حركة "طالبان". وفي هذا السياق، ذهبت بعض التحليلات إلى أن واشنطن باتت تريد الخروج من الحرب الأفغانية وليس من أفغانستان، حفظاً فقط لماء الوجه.

2- انهيار قدرات القوات الأمنية والعسكرية الأفغانية: خلال السنوات العشرين الماضية ومنذ دخول القوات الأمريكية أفغانستان، اعتمدت القوات الأمنية والدفاعية الأفغانية على الأخيرة وحلفائها على الأراضي الأفغانية، وطيلة هذه السنوات كانت القوات الأفغانية تعمل تحت مظلة جوية أمريكية، وبتخطيط وتدريب أمريكي. وفي هذا السياق، من المرجح أن يشكل الانسحاب الأمريكي ضربة قوية لمعنويات قوات الأمن الأفغانية، لاسيما تلك المنتشرة في نقاط التفتيش وداخل القواعد وعلى طول الجبهات الأكثر اضطراباً في البلاد، في ظل غياب الغطاء الجوي الذي كان يدعمها خلال المداهمات والمواجهات سواء مع "طالبان" أو مع تنظيمى "القاعدة" و"داعش"، وبصفة خاصة في ظل ما كانت تقدمة القوات الأمريكية من دعم استخباراتي ومعلوماتي وتقني لإنجاح هذه العمليات إلى حد كبير.

ورغم أن العمليات الجوية الأمريكية ضد "طالبان" كانت قد شهدت تراجعاً خلال الفترة الماضية، وذلك بناءً على ما ورد في اتفاق المصالحة من شروط أصرت الأخيرة على تضمينها في هذا الاتفاق، فإن اعتماد القوات الأفغانية على الوجود الأمريكي لا يزال كبيراً، فيما لم تنفذ خطط تدريب وتأهيل مبكرة لهذه القوات لتساعدها على الاستغناء عن دعم القوات الأمريكية ولو تدريجياً.

وبحسب اتجاهات عديدة، فإنه في ظل الواقع الحالي لقدرات القوات الأفغانية لا يمكن استبعاد سيناريو إعادة "طالبان" سيطرتها على السلطة في وقت قصير عقب الانسحاب الأمريكي، لاسيما وأنها باتت حالياً أقوى من ذي قبل، عقب الاعتراف بها رسمياً كطرف في المعادلة السياسية في أفغانستان من قبل واشنطن من ناحية، وتوسعها على الأرض ودخولها عدد من المناطق من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى نتائج استطلاع للرأى العام الأفغاني أجرته وكالة أنباء "باجهوك" الأفغانية، خلال الفترة من 30 نوفمبر 2020 وحتى 3 فبراير 2021، ونشرته على موقعها الإلكتروني في 14 فبراير 2021، إذ أشارت إلى سيطرة حركة "طالبان" على ما يقرب من 52% من البلاد، وأن 59% من سكان أفغانستان يعيشون في تلك المناطق، في مقابل هيمنة الحكومة على 46% من الأراضي، في حين تخضع نسبة الـ2% المتبقية لسيطرة أطراف أخرى، وهو ما يشير إلى قوة الحركة على الأرض في مواجهة القوى الأمنية والعسكرية الحكومية.

3- إخفاق الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الإرهاب: أشار تقرير صدر عن وزارة الدفاع الأمريكية عام 2019، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد قامت بإنفاق ما يزيد عن 1.57 تريليون دولار خلال الفترة من 11 سبتمبر 2001 وحتى 30 سبتمبر 2019، في الحرب في أفغانستان والعراق وسوريا، فضلاً عن الخسائر البشرية التي منيت بها قواتها.

ورغم التكاليف الباهظة، فإن خروج الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان بدون شروط، وبهذه الكيفية وفي هذا التوقيت، يشير، بحسب مراقبين، إلى فشل الاستراتيجية التي اتبعتها طوال عشرين عاماً، والتي كان تقوم على تغيير الأنظمة من خلال القوة العسكرية، إذا لم يتحقق السلام بالكيفية التي يمكن البناء عليها مستقبلاً، كما لم تفقد حركة "طالبان" قوتها، بل إنها استعادت سيطرتها على بعض المناطق، وحققت مكسباً تاريخياً بالاعتراف بها كأحد أطراف الحل لأزمة أفغانستان السياسية والأمنية من أكبر خصومها، بموجب الاتفاق مع واشنطن.

4- تراجع الحريات الممنوحة للمرأة: تأثرت الحريات في أفغانستان بشكل بالغ مع سيطرة حركة "طالبان" على مظاهر الحياة العامة في البلاد، لاسيما تلك الحريات الخاصة بالمرأة، حيث أجبرت النساء على ارتداء البرقع، وعدم الاختلاط مع الرجال في الأماكن العامة، كما منعت الفتيات من الذهاب إلى المدارس والجامعات، وانتشرت ظاهرة الزواج القسري للصغيرات، فضلاً عن منع النساء من ممارسة أعمالهن، وإجبارهن على التقاعد، واستهداف العديد من الشخصيات النسائية، بغرض إسكاتهن.

ومع أن العقدين الماضيين شهدا تطوراً نوعياً في مستوى الحريات الممنوحة للنساء، بعد الضربات التي تعرضت لها حركة "طالبان" في العديد من أقاليم البلاد، فإن المناطق التي لا تزال تسيطر عليها الأخيرة تعاني فيها النساء من ممارسات القمع والتضييق والاستهداف، فيما يرجح أن تنسحب هذه الأوضاع على باقي أقاليم البلاد، عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتزايد احتمالات استعادة سيطرة "طالبان" عليها.

 في النهاية، يمكن القول إن الوضع على الأرض في أفغانستان حالياً لا يشير إلى أن عملية السلام قد تستقر أو تنتهي بنتائج إيجابية، لاسيما مع المكاسب التي تحققت لحركة "طالبان"، التي باتت، على الأرجح، غير مضطرة لتقديم تنازلات للطرف الآخر، وربما يأتي إعلان الحركة عزمها عدم المشاركة في "مؤتمر السلام الدولي حول أفغانستان" في تركيا خلال الفترة من 24 أبريل وحتى 4 مايو 2021، بسبب تأجيل الولايات المتحدة الأمريكية جدول انسحابها من البلاد - رغم تأكيد الأخيرة على أن الانسحاب غير مشروط، وأن الوجود الأمريكي على الأرض سينتهي في سبتمبر بدلاً من مايو من العام نفسه- ليكشف أن الحركة تتعامل مع التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها الساحة الأفغانية من موقع قوة، على نحو يوحي بأن أفغانستان تبدو مقبلة على استحقاقات صعبة، خاصة أنها ربما تتحول، مرة أخرى، إلى ساحة للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، بعد الانسحاب الأمريكي.

طباعة
رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية