إصدارات المركز - كراسات استراتيجية

الجيوش الموازية: ميليشيات "الحشد الشعبي" فى العراق

628 12-4-2021
طباعة

تشعبت مصادر قوة ميليشيات الحشد الشعبى فى الداخل العراقى فى الأعوام الأخيرة، لتشمل أبعادًا جديدة بجانب الشق العسكرى الذى كان المجال الرئيسى لعمل تلك الميليشيات فى إطار انخراطها فى الحرب ضد تنظيم داعش. ويعد الحشد الشعبى كيانًا قديمًا وجديدًا فى الوقت نفسه، إذ إن الفصائل المكونة له تشكلت تباعًا بعد عام 2003، لكن الحشد ككيان موحد تشكل وفق الفتوى التى أصدرتها المرجعية الشيعية بقيادة المرجع الشيعى الأعلى فى العراق «على السيستاني» فى يونيو 2014.

وبحسب الأوامر الديوانية الصادرة عام 2019، تم تنظيم فصائل الحشد فى شكل ألوية، وعددها 64 لواء موزعة على 8 محاور. ويتكون الحشد الشعبى من نحو 67 فصيلًا مسلحًا فى الوقت الحالى. وتتعدد ولاءات تلك الفصائل، فمنها من يتبع المرشد الإيرانى، ومنها من يتبع مرجعية النجف، بينما يتبع البعض مراجع شيعية أخرى. وقد تورطت تلك الميليشيات فى جرائم عنف طائفية، وتحديدًا فى المناطق السنية التى دخلتها، لدرجة أن المرجعية العليا التى تعد الداعم الأول لتلك الميليشيات حرصت على إبعاد الفصائل الموالية لها عن الفصائل الموالية لإيران.

وقد ساعدت النجاحات العسكرية التى حققتها ميليشيات الحشد فى إطار الحرب على داعش فى تشجيعها على الانخراط فى الحياة السياسية، وأتى ذلك بعد تمكن تلك الميليشيات من تقنين أوضاعها القانونية واندماج الجزء الأكبر منها فى داخل الجيش العراقى. وشاركت ميليشيات الحشد للمرة الأولى فى الانتخابات التشريعية العراقية فى عام 2018 من خلال تحالف الفتح، كما تستعد للمشاركة فى الانتخابات المقبلة المقررة فى أكتوبر 2021. وتواصل ميليشيات الحشد الشعبى العراقية تحركاتها الهادفة إلى بناء اقتصاد موازٍ لها داخل المؤسسات الحكومية وخارجها، وذلك فى تكرار واضح لتجربة الحرس الثورى الإيرانى، الذى تمكن بحسب التقديرات من السيطرة على ثلث الاقتصاد الإيرانى.

وعلى الرغم من سعى جميع الحكومات العراقية المتعاقبة منذ ظهور ميليشيات الحشد الشعبى كفاعل رسمى لهيكلة تلك الميليشيات إلى فرض سيادة وهيبة الدولة، فإن جميع المحاولات فشلت فى هذا الصدد لاصطدامها بعقبة كبرى، وهى عدم ملاءمة تلك التغييرات لطبيعة الوضع الداخلى، خاصةً هيمنة القوى الشيعية ذات الصلة الوثيقة بإيران، حيث وقفت تلك القوى عقبة أمام تلك التحركات التى تراها مهددة لمصالحها المختلفة فى العراق. يُضاف لذلك الضغوط الإيرانية والميليشياوية المكثفة ضد شخوص رئيس الحكومة، وشبكات المصالح الواسعة التى باتت تمتلكها ميليشيات الحشد الشعبى فى البلاد، خاصةً على الصعيد الاقتصادى.

وقد أسهم وجود ميليشيات الحشد الشعبى فى العراق فى تثبيت الأزمات المزمنة التى يعانيها العراق منذ عام 2003 حتى الآن، فعلى الرغم من أن الحشد أصبح نتيجة الانتصارات التى حققها ضد تنظيم داعش رقمًا لا يستهان به فى حاضر ومستقبل العراق وتحول إلى قوات نظامية ترعاها الدولة، فإنه يشكل تحديًا لتماسك الدولة فى ضوء قوة السلاح التى يمتلكها. كما أن وجود الحشد فى داخل المؤسسة العسكرية العراقية جعل منها طرفًا رئيسيًا فى الخلاف الشيعي-السنى، حيث باتت تحكمها الاعتبارات الطائفية، وهو ما قد يقضى على أى مساعٍ مستقبلية قد تهدف إلى تحويلها إلى مؤسسة وطنية جامعة لكل العراقيين.

وتستفيد إيران من ميليشيات الحشد الشعبى فى تعميق دورها فى العراق والإبقاء على دور بارز لها فى الساحة العراقية وضمان ألا يشكل أى فاعل إقليمى أو دولى خصمًا موضوعيًا من نفوذها ورصيدها الإستراتيجى فى العراق. ولا تبدو الأجواء التى أسهم فى تشكيلها الحشد الشعبى فى العراق إيجابية على صعيد التوصل إلى مصالحة حقيقية بين المكونات العراقية، وهو الأمر الذى سيعمق من الشعور الموجود لدى سنة العراق بالتهميش والظلم، بما يُغذى الاحتقان والعنف الطائفى وثقافة الثأر بين المكونين السنى والشيعى، وسيُبقى على البيئة السنية التى كانت حاضنة لتنظيم داعش، وهو ما قد يفتح المجال أمام ظهور تنظيمات إرهابية بمسميات وأشكال أخرى ستستغل بقاء هذه الحاضنة.

ويعمق وجود الحشد الشعبى فى المشهد العراقى من الخلل القائم فى علاقة الدين بالدولة فى البلاد، فقد أسهم وجود القوى المؤدلجة دينيًا فى تديين الدولة وخاصة فى الجوانب الاجتماعية، وهو ما ساعد على تعزيز التطرف والتعصب. وبخلاف ملف استهداف المصالح الأجنبية فى العراق، سعت ميليشيات الحشد الشعبى لعرقلة جهود السلطات العراقية لضبط الأمن المنفلت فى شتى أرجاء العراق. كما بات العراق ساحة للصراعات الدولية نتيجة دور الحشد الشعبى، فمنذ بدء التوتر الأمريكى الإيرانى، سعى الجانب الإيرانى إلى توظيف تلك الميليشيات ضد واشنطن والزج بها فى خضم هذا الصراع، كنوع من "استعراض القوة" من جانب طهران ضد الجانب الأمريكى. ومن المتوقع فى حالة حدوث أى صراع مستقبلى بين إيران والولايات المتحدة أن يكون العراق ميدانًا محتملًا للمواجهة بينهما.

ويدور مستقبل ميليشيات الحشد الشعبى فى العراق حول ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها السيناريو الهجين، الذى يعنى بقاء الوضع الحالى لتلك الميليشيات، حيث وجود جزء منها داخل الدولة العراقية وجزء آخر خارجها، مع افتراض أن الحكومة العراقية غير عازمة على إدماج الجزء الخارجى. ويتمثل ثانيها فى سيناريو الإدماج، أى أن تكون جميع ميليشيات الحشد الشعبى تحت الإطار الرسمى للدولة. بينما يتمثل ثالثها فى سيناريو التمرد، حيث يفترض أن تكون هناك مبادرة جادة من جانب الحكومة العراقية لدمج الميليشيات غير الرسمية فى إطار الدولة، لكن تلك الميليشيات لن تستجيب لهذا الأمر.

طباعة