متابعات تحليلية

سيناريوهات ما قبل الانتخابات الخامسة في إسرائيل

سعيد عكاشة * 1387 28-3-2021
طباعة

أظهرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة (23 مارس 2021) استمرار الأزمة السياسية التي بدأت قبل عامين، والمتمثلة في انقسام المُصوِّتين والخريطة الحزبية حول شخص بنيامين ناتانياهو، وعدم قدرة المعسكرين، الموالي والمضاد له، على تشكيل ائتلاف يحظى بأغلبية حتى لو لم تكن تزيد عن الحد الأدنى اللازم لتمرير الحكومة في الكنيست (61 مقعداً). رغم ذلك أمام هذين المعسكرين فرصة قد تمتد لنحو شهرين لمحاولة تشكيل حكومة، وإذا ما فشلت هذه المحاولات ستذهب إسرائيل إلى انتخابات ستكون الخامسة في نحو عامين ونصف، وهو ما ستكون له تداعياته على الاستقرار السياسي في المدى المنظور.

ناتانياهو واحتمالات تشكيل الحكومة

وفق نتائج الانتخابات، حصل الليكود بزعامة بنيامين ناتانياهو على 30 مقعد، وحصلت الأحزاب المؤيدة له من جبهة اليمين على 22 مقعد ("شاس"- 9، "يهودة هتوراه"-7، "الصهيونية الدينية"- 6)، أى أن معسكر ناتانياهو يمتلك 52 مقعداً ويحتاج إلى 9 مقاعد على الأقل للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب لتشكيل الائتلاف. وعلى الرغم من أن حزب "يمينا" بزعامة نفتالي بينت- الذي حصل على 7 مقاعد- يمكن أن ينضم لكتلة ناتانياهو، إلا أن ذلك لن يكون كافياً، وسيحتاج  لمقعدين آخرين على الأقل لتشكيل الائتلاف، وليس أمامه في هذه الحالة إلا الاستعانة بتأييد "القائمة العربية الموحدة" بزعامة منصور عباس والتي حصلت على 4 مقاعد، أو المراهنة على إمكانية شق حزب "تكفاه حدشاه"- الذي حصل على 6 مقاعد- لكى يمكنه تشكيل الائتلاف.

ولا يواجه ناتانياهو مشكلة ضم "يمينا" وكيفية استقطاب نائبين على الأقل من "تكفاه حدشاه" فحسب، بل سيكون عليه أن يحافظ على بقاء هذا الائتلاف الضيق لأطول فترة ممكنة، وهو ما سيكون صعباً للغاية في ظل مراوغات وضغوط زعيم "يمينا" نفتالي بينت الذي يفكر في استغلال أزمة ناتانياهو لكى يطالبه بثمن مرتفع للانضمام إلى الائتلاف كأن يصر- على سبيل المثال- على توقيع اتفاق للتناوب على منصب رئيس الحكومة كما حدث عندما وقع ناتانياهو اتفاقاً مع بيني جانتس زعيم حزب "كاحول لافن" في مايو من العام الماضي والذي كان يقضي بتولي ناتانياهو منصب رئيس الحكومة لمدة عام ونصف، ثم يليه لنفس المدة بيني جانتس في المنصب. وحتى لو لم يقبل ناتانياهو التناوب على السلطة مع بينت، فإن الأخير قد يطالب بمنصب نائب رئيس الوزراء على أمل أن تؤدي محاكمة ناتانياهو بتهم الرشوة واستغلال النفوذ إلى الإطاحة به عبر القضاء، ومن ثم يصبح بينت رئيساً للحكومة بحكم القانون.

 ولأن ناتانياهو يخشى تحركات خصومه وعلى رأسهم يائير لبيد زعيم حزب "يش عتيد" (17 نائباً في الكنيست) لتمرير تشريع يقضي بمنع أى نائب من تشكيل الائتلاف الحكومي طالما يخضع للمحاكمة في تهم جنائية كما هو الحال بالنسبة له حالياً، فإنه قد يسعى لمنع صدور هذا التشريع بأى ثمن حتى لو كان هذا الثمن هو تعيين بينت كنائب له، بالإضافة للتوصل لاتفاق غير معلن مع "القائمة العربية الموحدة" بزعامة منصور عباس- والتي تملك 4 مقاعد في الكنيست- لكى تمتنع عن التصويت -على الأقل-  في حالة تقديم خصوم ناتانياهو مشروع قرار لحرمانه من الحصول على فرصة تشكيل الائتلاف، وأن تقبل "القائمة" بدعم ائتلاف ناتانياهو وبينت من الخارج ودون المشاركة فيه.

وثمة سبب آخر قد يدفع ناتانياهو للسير في هذا المسار المعقد، وهو أن نجاحه في تشكيل ائتلاف- حتى لو كان قصير العمر- سيعني تلقائياً إسقاط اتفاق التناوب الذي وقعه مع جانتس، أما في حالة فشله في تشكيل الائتلاف، فإن جانتس يمكن أن يصبح رئيساً لحكومة تصريف الأعمال الحالية إذا ما تم تحديد موعد للانتخابات الخامسة في تاريخ تالي للموعد المفترض أن يحصل فيه جانتس على منصب رئيس الحكومة في شهر نوفمبر المقبل بموجب اتفاق التناوب المشار إليه سابقاً بين الجانبين.

وبناءً على الاستعراض السابق، فإن ناتانياهو يواجه وضعاً شديد التعقيد، وسيبقى هدفه الأول في هذه المرحلة هو منع خصومه من تمرير تشريع يقضي بحرمانه من حق محاولة تشكيل الائتلاف، ولذلك عليه أن يضمن ألا تصوت "القائمة العربية الموحدة" لصالح مثل هذا التشريع، وفيما بعد يمكنه أن يذهب نحو هدفه الثاني وهو تشكيل ائتلاف ليلغي اتفاق التناوب الذي وقعه مع جانتس في مايو الماضي، أو على الأقل جر إسرائيل لانتخابات خامسة ستجري في الأغلب في يوليو أو أغسطس من هذا العام. 

واذا كانت السيناريوهات السابقة تتعلق بناتانياهو وحلفائه، فما هى السيناريوهات التي تنتظر خصومه في جبهة الأحزاب التي تطلق على نفسها مسمى "كتلة التغيير"؟

فرص كتلة التغيير

 تتكون هذه الكتلة- والتي يطلق عليها أحياناً مسمى كتلة المعادين لناتانياهو بشكل شخصي-  من أحزاب: "يش عتيد" (17 مقعد)، و"إسرائيل بيتينو" (7)، و"تكفاه حدشاه" (6)، و"العمل" (7)، و"ميرتس" (6)، و"القائمة المشتركة" (6)، و"كاحول لافن" (8)، أى أن هذه الكتلة المؤكدة ضد ناتانياهو تمتلك 57 مقعداً وتحتاج لـ4 أصوات أو مقاعد لكى تكمل النصاب القانوني لتشكيل ائتلاف، فمن أين ستحصل على هذه المقاعد؟

الخيارات المتاحة أمامها لتحقيق هذا الهدف لن تخرج عن أحد هذه الخيارات أو السيناريوهات الثلاثة التالية:

١- إقناع حزب "يمينا" (7 مقاعد) بالانضمام إليها.

٢- ضم "القائمة العربية الموحدة" (4 مقاعد).

3- إقناع الأحزاب الحريدية: "شاس" (9 مقاعد)، "يهودة هتوراه" (7)، كليهما أو أحدهما على الأقل، بمغادرة جبهة ناتانياهو والانضمام إلى التكتل.

لكن ثمة عقبات عديدة تواجه السيناريوهات الثلاثة، سيكون المشترك بينها أمران: الأول، أن "القائمة المشتركة" المحسوبة داخل كتلة التغيير هى كتلة عربية في أغلبها (يشارك الحزب الشيوعي الإسرائيلي فيها)، وهناك حساسية مفرطة من جانب الأحزاب اليهودية لإشراك النواب العرب معهم في أى ائتلاف وتحت أى مبرر. والثاني، أن جلب "القائمة العربية الموحدة" للكتلة سيكون أسوأ من مشاركة "القائمة المشتركة" فيها، نظراً لتوجهات هذه "القائمة" (الموحدة) التي تعبر عن قطاع من التيار الإسلامي في إسرائيل!!، بخلاف ما يتردد حول وجود علاقات قوية بين ناتانياهو ومنصور عباس زعيم "القائمة الموحدة".

بالإضافة للصعوبات المشتركة في السيناريوهات الثلاثة، فإن أى ائتلاف يمكن لكتلة التغيير أن تشكله سيشهد صراعاً فرعياً حول من سيترأس الحكومة، في ظل تنافس كل من يائير لبيد زعيم "يش عتيد" ونفتالي بينت زعيم "يمينا" وجدعون ساعر زعيم حزب "تكفاه حدشاه" على المنصب، وقد ينضم للمنافسة أيضاً أفيغدور ليبرمان زعيم حزب "يسرائيل بيتينو". وقد أوضحت بعض التقارير الإسرائيلية أن هناك اتفاقاً بين لبيد وبينت على التناوب على منصب رئيس الحكومة بحيث يتولى كل منهما المنصب لمدة عامين.

ولكن حتى في حالة ثبوت صدق هذه التقارير، فإن الصعوبات المنتظرة لن تتوقف عند تحقيق التوافق بين لبيد وبينت وعدم اعتراض ليبرمان وساعر فقط، بل ستكون هناك مشكلة في مَن سيحتل المنصب في العامين الأولين، وإن كان من المنطقي أن يرأس لبيد- الذي حصل حزبه على 17 مقعداً- الحكومة في الفترة الأولى، ولكن بينت الطَمُوح كان قد صرح قبل الانتخابات بأنه رئيس الحكومة القادم في إسرائيل، دون أن يوضح كيف سيمكنه أن يفعل ذلك خاصة بعد فوز حزبه بـ7 مقاعد فقط بعد أن كانت الاستطلاعات ترشحه للحصول على ما لا يقل عن 10 مقاعد. 

هذا عن الصعوبة المشتركة في السيناريوهات الثلاثة السابقة، ولكن لا ينبغي التقليل من حجم الصعوبات التي تعترض كل سيناريو منهم على حدة، وبالتحديد فإن السيناريو الأول (انضمام "يمينا" لكتلة التغيير) سيصطدم بالرؤى السياسية لأحزاب داخل الكتلة، وهى الأحزاب المعادية للاستيطان (يعتبر "يمينا" هو الحزب المدافع عن الاستيطان والرافض لأى اتفاق مستقبلاً يقضي بتفكيك أى مستوطنة)، كما يرفض "يمينا" حل الدولتين الذي تؤمن به أحزاب "العمل" و"ميرتس" و"كاحول لافن"، والتي تؤيد إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين وفقاً لهذا الحل.

ويعتبر السيناريو الثاني، وهو الاعتماد على تأييد الكتل العربية (القائمة الموحدة)، الأصعب وربما يكون مستحيل التحقق نظراً لأن إشراك العرب ولو بتأمين دعمهم للائتلاف من الخارج سيضر بمصداقية الأحزاب الصهيونية أمام ناخبيها، حيث تؤمن أغلبية أحزاب كتلة التغيير  بمبدأ أن "إسرائيل هى وطن الشعب اليهودي"، وبالتالي فإن اشتراك العرب في الائتلاف لو حدث لن يشكك فقط في مدى التزام هذه الأحزاب بهذا المبدأ، بل سيعني أن الكتلة العربية ستتحكم في التشريعات التي ستصدر عن الكنيست والتي تحتاج إلى أصواتهم لتمريرها، كما أن ناتانياهو لن يفوت هذه الفرصة لكى يثبت أنه الوحيد الذي يلتزم بهذا المبدأ مما يضر بمكانة هذه الأحزاب في أى انتخابات قادمة، ناهيك عن أن رئيس "القائمة العربية الموحدة" منصور عباس يبدو أكثر ميلاً لتأييد ناتانياهو أو على الأقل الوقوف على الحياد بينه وبين كتلة التغيير. 

أما السيناريو الثالث، وهو إشراك الأحزاب الحريدية، فبرغم أنه سيوفر للائتلاف المقترح قوة كبرى لن تقل عن 63 مقعد في حالة انضمام حزب "يهودة هتوراه" بمفرده أو 65 مقعد في حالة ضم "شاس" بمفرده، أو 73 مقعد في حالة ضم الحزبين معاً، إلا أن بعض أحزاب كتلة التغيير قد تنسحب منه في حالة ضم الأحزاب الحريدية خاصة "اسرائيل بيتينو" و"ميريتس" على خلفية التناقضات الأيدولوجية بين الأحزاب العلمانية المتشددة والأحزاب الدينية الحريدية، حيث تريد أحزاب "ميريتس" و"إسرائيل بيتينو" و"يش عتيد" فرض التجنيد الإجباري على أتباع الطوائف الحريدية لتحقيق مبدأ العدالة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية بين كافة مواطني إسرائيل من اليهود، بينما ترفض هذه الطوائف الخدمة العسكرية لأسباب دينية يصعب إن لم يكن من المستحيل تجاهلها، فضلاً عن أن هناك تخوفات من استغلال الأحزاب الحريدية وجودها في الحكومة واعتماد الأخيرة في تشكيلها وبقاءها على تلبية مطالب الحريديم بزيادة المخصصات الحكومية لمدارسهم ومؤسساتهم التعليمية والخدمية لكى تمارس ابتزازاً لا ينتهي للدولة.

خلاصة القول، إن حالة الجمود السياسي ستبقى علي حالها في إسرائيل  لفترة أخرى، وسيكون أى ائتلاف لو تم تمريره داخل الكنيست قابلاً للتفكك السريع والذهاب لانتخابات خامسة في أجل قريب، وقد عبّر جدعون ساعر عن حالة اليأس التي يعيشها الإسرائيليون حالياً بالرسالة التي نشرها على حسابه في "تويتر" وقال فيها: "إن كانت إسرائيل مهمة لناتانياهو أكثر من استمراره في الحكم، يجب عليه أن يستخلص العبر الوطنية المطلوبة. أطالب ناتانياهو: تحرك جانباً، حرر إسرائيل- واسمح لها بالمضى قدماً".

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية