إصدارات المركز - كراسات استراتيجية

إيران والفاعلون المسلحون من غير الدول فى العالم العربي: دراسة حالتى "حزب الله" فى لبنان و"الحشد الشعبي" فى العراق

593 23-3-2021
طباعة

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية على إثر الثورة التى أطاحت بنظام الشاه فى عام 1979، برز دور إيران كقوة عدم استقرار فى العالم العربي، وخاصة فى منطقتى المشرق العربى والخليج والجزيرة العربية. وقد مارست إيران هذا الدور من خلال أدوات ووسائل عديدة، منها: محاولات تصدير الثورة ونموذج "ولاية الفقيه" إلى خارج حدودها، والتدخل بأشكال مختلفة فى الشئون الداخلية لعديد من البلدان العربية. ومن أبرز أشكال هذا التدخل هو تقديم دعم عسكرى ومالى وأيديولوجى وسياسي لفاعلين مسلحين من غير الدول مثل "حزب الله" فى لبنان، و"الحوثيين" (جماعة أنصار الله) فى اليمن، و"حركة حماس" و"جماعة الجهاد الإسلامي" فى قطاع غزة، فضلًا عن دعم عدد من الفصائل والتنظيمات المسلحة فى العراق مثل «عصائب أهل الحق»، و«كتائب حزب الله»، و«منظمة بدر» وغيرها. وتمثل هذه التنظيمات جزءًا من «قوات الحشد الشعبي». ويُطلق عليها اسم «الحشد الولائي» أو «الفصائل الولائية»، وذلك بحكم ولائها العلنى لإيران.

وتتناول هذه الدراسة بالرصد والتحليل والتقييم طبيعة العلاقة بين إيران والفاعلين المسلحين من غير الدول فى العالم العربى مع التطبيق على حالتى «حزب الله» فى لبنان، وفصائل «الحشد الولائي» فى العراق. وفى هذا الإطار، فقد دأبت طهران على توظيف الروابط الدينية والطائفية مع تنظيمات وجماعات شيعية مسلحة من أجل خدمة أهداف سياستها الخارجية تجاه العالم العربي، وخاصة فيما يتعلق بتعزيز النفوذ الإيرانى فى المنطقة، وردع واستنزاف الخصوم الإقليميين والدوليين، وفى مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. ولذلك يمثل الفاعلون المسلحون المعنيون مكونًا مهمًا ضمن الإستراتيجية الأمنية والدفاعية الإيرانية، حيث توظفهم فى مواجهات وحروب بالوكالة دون أن تتورط بشكل مباشر.

كما أن الدعم العسكرى والمالى والأيديولوجى والسياسى الذى قدمته وتقدمه إيران إلى هؤلاء الفاعلين قد عزز من أدوارهم السياسية والعسكرية داخل دول عربية تعانى الضعف والهشاشة مثل لبنان والعراق واليمن وغيرها. فـ«حزب الله» أصبح بمنزلة «دولة فوق الدولة». كما أن فصائل «الحشد الولائي» باتت تشكل تحديًا جديًا لهيبة الدولة العراقية وسيادتها. أما «جماعة الحوثيين» فقد انقلبت على الحكومة الشرعية، وانتقلت من المعارضة إلى السلطة. وهى تخوض حربًا منذ سنوات ضد قوات الشرعية اليمنية المدعومة من قبل «التحالف العربي» الذى تقوده المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من الأزمات الحادة والمتزامنة التى تعصف بكل من إيران ولبنان والعراق فى الوقت الراهن، فإنه ليس من المرجح أن تنتهى العلاقة بين إيران والفاعلين المسلحين المعنيين بشكلها المعروف على الأقل خلال الأجلين القصير والمتوسط، وذلك لأسباب عديدة، منها: أنه من المستبعد أن تغير إيران سياستها تجاه العالم العربى بحيث تتصرف كدولة طبيعية تتعامل مع دول وحكومات وليس مع ميليشيات وتنظيمات مسلحة داخل الدول، وخاصة فى ظل استمرار الأزمات والتوترات التى تشوب علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وأطراف دولية وإقليمية أخرى فى الوقت الراهن.

كما أن احتمالات تغيير النظام فى إيران تبدو ضعيفة، وحتى بافتراض حدوث ذلك لسبب أو لآخر، فإن ذلك لا يمثل فى حد ذاته حلًا لمشكلات الدول العربية الضعيفة والمتصدعة. وليس من المتوقع كذلك إعادة بناء الدولة فى كل من العراق ولبنان على أسس جديدة بحيث تكون قادرة على احتكار حق الاستخدام المشروع للقوة، ونزع أسلحة الأحزاب والتنظيمات المسلحة وإخضاعها لسيطرتها، وخاصة فى ظل الأزمات العميقة التى تعصف بالدولتين. كما أنه من غير المرجح التوصل بشكل سريع إلى صفقة شاملة تتضمن توسيع الاتفاق النووى الإيرانى وتضمينه مسألة توقف إيران عن التدخل فى الشئون الداخلية لدول مثل العراق ولبنان واليمن وغيرها من بوابة دعم الميليشيات والتنظيمات المسلحة داخلها. ونتيجة لكل ذلك وغيره، سوف تظل إيران قابضة على ورقة التنظيمات المسلحة الموالية لها فى المنطقة، لا سيما وأن التحديات والاستحقاقات الراهنة تجعل الدور المتوقع لهذه التنظيمات ضمن الحسابات الإيرانية أكثر أهمية.

طباعة