متابعات تحليلية

تونس: تداعيات الصراع بين الرئاسات الثلاث

بسمة سعد * 4772 21-3-2021
طباعة

تواجه تونس، مع حلول الذكرى الخامسة والستين للاستقلال في 20 مارس الجاري (2021)، أزمة سياسية حادة، بسبب تصاعد الصراع بين الرئاسات الثلاث، وانشغال بعض القوى بالمكاسب السياسية، دون إيلاء اهتمام بآليات التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي يواجهها المجتمع بمختلف طوائفه وتسببت في اندلاع احتجاجات من حين لآخر، كان آخرها خلال الاحتفال بعيد الاستقلال، فضلاً عن غياب التوافق بين مختلف القوى السياسية، واعتماد آلية الاحتكام للشارع بدلاً من اللجوء إلى الحوار والتفاوض والتوصل لآليات مناسبة للحد من صراع الرئاسات الثلاث، مما أدى إلى تفاقم حدة عدم الاستقرار على المستويين الأمني والسياسي في البلاد التي تعاني أيضاً من أزمة صحية عقب انتشار فيروس كوفيد-19.

متغيرات عديدة

يمكن القول إن ثمة متغيرات عديدة لها دور في تفاقم حدة الأزمة السياسية التونسية، يتمثل أبرزها في:

1- خلافات رأسى السلطة التنفيذية: في خطوة جديدة أثارت استياء رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وتسببت في تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، اقترح رئيس الحكومة هشام المشيشي إجراء تعديل وزاري لـ11 حقيبة وزارية في 16 يناير 2021، جاءت وفقاً لإملاءات حزامه السياسي والبرلماني بقيادة رئيس مجلس النواب زعيم حركة "النهضة" راشد الغنوشي، دون التنسيق والتشاور مع رئيس الجمهورية، وتمكن من الحصول على ثقة البرلمان في 26 من الشهر نفسه، وهو ما فُسر على أنه محاولة جادة من قبل رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب لعزل رئيس الجمهورية سياسياً، والإمساك بزمام كافة مقاليد السلطة بما في ذلك التي تدخل ضمن اختصاصات رئيس الجمهورية، وهو ما يتنافى مع مضمون وروح دستور 2014 الذي يقسم السلطات بين رأسى السلطة التنفيذية ويفرض التنسيق والتشاور بينهما، مثلما هو واضح في نص المادتين (89 ،92).

وقد أشار الرئيس سعيّد إلى أن بعض الوزراء المكلفين في التعديل الوزاري تحوم حولهم شبهات فساد وتضارب مصالح وذلك على ضوء التقارير التي نشرتها منظمة "أنا يقظ"- غير الحكومية والمعنية بمكافحة الفساد- وأيدتها بعض الأحزاب والكتل البرلمانية، وتؤكد وجود شبهات في تضارب مصالح وفساد حول أربعة وزراء، وهو ما دفعه إلى رفض استقبال الوزراء الجدد في قصر قرطاج لحلف اليمين الدستورية وامتناعه عن إصدار المرسوم الرئاسي بتعيينهم.

ترتيباً على ذلك، وفي محاولة من قبل رئيس الحكومة المشيشي للتحايل من أجل الخروج من الأزمة وإنهاء حالة الجمود ورفع الحرج السياسي عنه أمام قطاع واسع من الشعب يحمله مسئولية فشل تشكيل حكومة مستقلة بعيدة عن التجاذبات السياسية، أقال المشيشي خمسة وزراء في 15 فبراير الفائت، وكلّف آخرين في الحكومة بمهامهم مؤقتاً، منهم الوزراء المثار حولهم جدل باستثناء وزير الصحة. لكن لم يتمكن المشيشي بموجب هذا التعديل من حلحلة الأزمة، وإقناع الرئيس سعيّد بالتراجع عن موقفه، وإنما تمسك الأخير بإقالة الحكومة كاملةً([1])، وظل كل منهما- الرئيس ورئيس الحكومة إلى جانب حزامه السياسي والبرلماني الداعم له- متمسكاً بموقفه في تحدٍ واضح لبعضهما البعض، منتهجين في ذلك سياسة النفس الطويل.

2- محاولة فرض سياسة الأمر الواقع: في سياق هذا التوتر، سعت حركة "النهضة" إلى استعراض قوتها، في إشارة لما تتمتع به الحركة- حسب مزاعمها- من ظهير شعبي يتحرك على إثره زعيم الحركة رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي، دون الأخذ في الاعتبار المسئولية السياسية والمجتمعية الواقعة على عاتق الحركة وزعيمها ورئيس الحكومة في ظل ما تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية وصحية. وتحت شعار "الدفاع عن الشرعية والديمقراطية" و"الشعب يريد حماية المؤسسات" و"الشعب يريد الوحدة الوطنية" و"الشعب يريد حماية الدستور" و"لا رجوع للدكتاتورية"، نظمت الحركة في العاصمة تونس مسيرة حاشدة في 27 فبراير الفائت شارك فيها الآلاف من أنصارها لدعم موقف رئيس الحكومة المشيشي، وذلك في تحدٍ لشرعية الرئيس سعيّد([2])، أثارت انتقادات وغضب أطراف عديدة، بما في ذلك عدد من القيادات الحالية والسابقة في "النهضة" الرافضة لسياسة الغنوشي، ودفعت قطاعات عديدة، مثل قطاع الفنانين، للدعوة لإحياء عروض فنية في الشارع تعبيراً عن رفضهم بشكل ضمني لما يُمكن وصفه بالتسييس والانفراد بالشارع من قبل الحركة، وانتهاج الحكومة سياسة "الكيل بمكيالين" تجاه القيود الاحترازية التي فرضتها للحد من انتشار فيروس كورونا([3]).

وفي المقابل، نظم حزب "العمال" اليساري و"اتحاد القوى الشبابية" مسيرة رداً على تحركات "النهضة"، وللتنديد بـ"عبث المنظومة القائمة" خلال السنوات العشر الأخيرة ومسئوليتها عما تشهده البلاد من أزمات متعددة ومتنوعة([4])، وهى الدعوات التي أدت في مجملها إلى تأجيج الشارع، وتُنذر بدخول البلاد في موجة من العنف في حال تكرارها لفرض مزيد من الضغوط السياسية والشعبية على رئيس الجمهورية، والتي يأتي من بين بوادر تصاعدها تعرض زعيمة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسي وعدد من أعضاءه للاعتداء من قبل رئيس كتلة "ائتلاف الكرامة" ذا التوجه السلفي سيف الدين مخلوف، أمام مقر فرع "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" في 10 مارس الجاري، على نحو دفع قوات الأمن للتدخل لفض الاشتباك بينهما([5]).

3- غياب المحكمة الدستورية: كان لغياب تشكيل المحكمة الدستورية دور رئيسي في ما تشهده البلاد من أزمة دستورية وسياسية إثر الصراع الدائر بين الرئاسات الثلاث بشكل عام منذ تولى الرئيس سعيّد رئاسة الجمهورية من جانب، وبين رأسى السلطة التنفيذية من جانب آخر، لكونها الهيئة القضائية المنوط بها الفصل في النزاعات بين الأفرع الثلاثة الرئيسية للسلطة في البلاد. فمنذ إقرار تونس دستورها في عام 2014، لم تتمكن القوى السياسية والبرلمانية من التوصل لاتفاق سياسي ووطني حول مرشحيها الأربع ضمن الـ12 عضو لاعتبارات سياسية وحزبية، وقد حاولت تلك القوى خلال هذه الفترة تعزيز نفوذها في السلطة في ظل وجود نظام سياسي "هجين" قائم على تقسيم السلطات بين الرئاسات الثلاث، وهو ما أتاح فرصة لنشوب الأزمات على غرار الأزمة التي تشهدها البلاد حالياً([6]).

مسارات محتملة

هناك مؤشران رئيسيان لا يمكن إغفالهما عند محاولة استشراف مستقبل الأزمة التونسية وسُبل حلحلتها: أولهما، القبول المشروط لرئيس الجمهورية ببدء جلسات الحوار الوطنيالمقترح من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل نظير استقالة حكومة المشيشي، وهو ما رد عليه الأخير بإعلان تمسكه بموقفه والتأكيد على أن خيار استقالته غير مطروح بالأساس([7]).

وثانيهما، محاولة حكومة المشيشي ممارسة ضغوط سياسية على رئيس الجمهورية عبر بوابة الاستقواء بالاتحاد العام التونسي للشغل واستمالته لصفها باعتباره أكبر نقابة عمالية في تونس، وأحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية فيها، وذلك بتوقيع الحكومة مع الاتحاد اتفاقاً، في 7 فبراير الفائت، حول تفعيل الاتفاقيات القطاعية العالقة منذ سنوات والتي تهم نحو 27 قطاعاً في الوظيفة العمومية والقطاع العام، سيتم تجزئتها على سنتين بمقتضى هذا الاتفاق بحيث يتم تنفيذ 25% من قيمة كل اتفاق في شهر مايو 2021، وتنفيذ 25% منها في سبتمبر 2021، في حين ستطبق 50% المتبقية خلال شهر مايو 2022، وهو ما دفع الأمين العام للاتحاد للحديث عن مصداقية الحكومة للالتزام بتعهداتها([8])، وبالتالي نجاح الحكومة في تحييد موقف الاتحاد تجاه الأزمة ولو بشكل مؤقت، وذلك في ظل تأكيد حركة "النهضة" على تمسكها بالحكومة ومواصلة دعمها له في مواجهة رئيس الجمهورية([9])، فضلاً عن غلبة نفوذ الحركة وحلفائها في البرلمان، وهو ما يفرض مسارات محدودة للأزمة تلوح في الأفق، هى كالتالي:

1- تقديم تنازلات متبادلة من قبل الرئاسات الثلاث: يمكن أن يمارس الاتحاد العام للشغل دور الوسيط من أجل إنهاء الجمود السياسي الذي تشهده البلاد بين الرئاسات الثلاث، عبر التوصل لنقطة التقاء بين رأسى السلطة التنفيذية كسبيل لبدء حوار وطني يقبل بموجبه رئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري على حكومة المشيشي بالتشاور والتنسيق معه وفقاً للاعتبارات الدستورية، بدلاً من التمسك بشرط استقالة الحكومة، بينما في المقابل يقبل رئيس الحكومة وحزامه السياسي والبرلماني إجراء تعديل وزاري على الحكومة بالتنسيق والتشاور مع رئيس الجمهورية، وهو المسار الذي يواجه مزيداً من التعقيدات والتحديات من بينها تمسك طرفى الأزمة بموقفيهما.

2- تخلي "النهضة" عن حكومة المشيشي: وهو مسار لايزال مطروحاً رغم أنه صعب التحقق، وذلك في حال طرأت على الساحة السياسية مستجدات يمكن أن تدفع الحركة للتضحية بالمشيشي عبر سحب الثقة وتوجيه لائحة لوم للحكومة من قبل البرلمان، وبالتالي إمساكها بزمام مبادرة طرح بديل لتولي رئاسة الحكومة باعتبارها الحزب المتصدر للمشهد الانتخابي في البرلمان، وذلك في سبيل الحفاظ على مكاسبها السياسية والبرلمانية. وقد يكون من بين تلك المستجدات التحرك الفعّال لعدد من الكتل الحزبية والبرلمانية لسحب الثقة من الغنوشي، وذلك رفضاً لسياسته في إدارة دفة البرلمان وتسببه في تنامي العنف داخل أروقته([10]).

3- فرض المشيشي قرارات تعيين الوزراء الجدد: في محاولة لإحراج رئيس الجمهورية سياسياً، ووضعه أمام الأمر الواقع، قد يلجأ رئيس الحكومة لتجاوز بروتوكول أداء اليمين الدستورية للوزراء الجدد، ونشر قرارات التعيين في الجريدة الرسمية، وهو ما سيؤدي لتعميق الأزمة الدستورية والسياسية بين رأسى السلطة التنفيذية([11]).

في النهاية، تبدو تونس في حاجة لإعلاء المصلحة العليا للبلاد والخروج من دائرة المصالح الحزبية والسياسية الفردية إلى دائرة المصالح الوطنية، وهو ما يفرض على كافة الأطراف المتنازعة اللجوء إلى الحوار الوطني للنقاش والتباحث حول آليات الخروج من الأزمة، والحد من إقحام الشارع في مثل تلك التجاذبات السياسية التي تهدد أمن واستقرار البلاد وتنذر بدخولها مرحلة جديدة من العنف.


[1]- الرئيس التونسي يطالب برحيل الحكومة لحل "أزمة اليمين"، جريدة الشرق الأوسط، 23 فبراير 2021.

https://cutt.us/U92dJ

[2]- محمد شعبان، مظاهرة حاشدة لأنصار "النهضة" بالعاصمة تونس بالتوازي مع أخرى لحزب "العمال" و"اتحاد القوى الشبابية"، فرانس24، 27 فبراير 2021.

https://cutt.us/1HrMC

[3]- حفلات الشارع.. أول رد من فناني تونس على مظاهرات الإخوان، العين الإخبارية، 1 مارس 2021.

https://al-ain.com/article/artists-tunisia-protests

[4]- محمد شعبان، مرجع سبق ذكره.

[5]- ليليا الحسيني، تونس.. فض اعتصام الدستوري الحر يؤجج مخاوف التساهل مع الإرهاب، سكاي نيوز عربية، 10 مارس 2021.

https://cutt.us/bXeWi

[6]- أحمد نظيف،الأزمة السياسية في تونس وآفاقها المستقبلية، مركز الإمارات للسياسات، 13 فبراير 2021.

https://epc.ae/ar/topic/future-prospects-of-tunisias-political-crisis

[7]- المشيشي: لن أتخلى عن مسئوليتي واستقالتي لا معنى لها وغير مطروحة... فيديو، سبوتنيك عربي، 6 مارس 2021.

https://cutt.us/HGPdn

[8]- تونس: اتفاق لتفعيل 27 اتفاقية قطاعية بين اتّحاد الشّغل والحكومة، النهار العربي، 7 فبراير 2021.

https://www.annaharar.com/arabic/politics/arabi-world/almaghreb-alarabi/07022021084134270

[9]- تونس.. حركة النهضة تعلن مواصلة دعمها لـ المشيشي في مواجهة الرئيس قيس سعيّد، صدى البلد، 2 مارس 2021.

https://www.elbalad.news/4721819

[10]- فاطمة الزهراء، الأزمة السياسية في تونس: قيس سعيّد يرغب برحيل حكومة مشيشي كاملة وفق الاتحاد العام التونسي للشغل، فرانس 24، 23 فبراير 2021.

https://cutt.us/mSH1i

[11]- أحمد نظيف، مرجع سبق ذكره.

طباعة
بسمة سعد

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية