دراسات

انعكاسات مُتبادلة بين الدراما والسياسة

آمنة فايد * 2818 7-2-2021
طباعة

شهدت العلاقات بين إيران وحكومة إقليم كردستان العراق مؤخرًا توترًا ملحوظًا، على خلفية إذاعة وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "فارس" للفيلم الوثائقي "توكل" يوم السبت الموافق 23 يناير من العام الجاري (2021) تحت عنوان "قصة إنقاذ كردستان العراق ... قاسم سليماني". إذ يدور الفيلم حول حقبة اجتياح تنظيم "داعش" لكل من الموصل، وشنكال، ومخمور، وصولاً لأبواب عاصمة الإقليم "هولير" أو أربيل عام 2014.

ويستعرض الفيلم المساعدات التي قدمتها إيران لحكومة الإقليم في مواجهة زحف عناصر "داعش"، بالتركيز على دور قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني الذي قُتِل في عملية عسكرية أمريكية في 3 يناير 2020، مما أثار استنكار القيادات الكردية التي اعتبرت الفيلم "إهانة" لها وللمقاتلين الأكراد الذين لقوا حتفهم في الحرب ضد "داعش"، ونددوا بعرض مثل ذلك المحتوى الذي يُسئ إلى مسعود بارزاني رئيس الإقليم آنذاك.


 

وقد أعرب الحزب الديمقراطي الكردستاني عن موقفه الرافض لأحداث الفيلم، ووصفه بأنه بمثابة "دعاية ترويجية" مُعتادة للجمهورية الإيرانية، وإحياء لذكرى وإرث قاسم سليماني [1].

يُلقي هذا المشهد، في ظل العولمة وحرية انتقال المعلومات وسرعتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي،الضوء على الانعكاسات المُتبادلة بين صناعة الدراما والتفاعلات السياسية المحلية والدولية، كون تلك الأعمال واحدة من أهم وسائل "القوة الناعمة" التي تستخدمها الأنظمة والمجتمعات على حدٍ سواء في توصيف ومعالجة الواقع وقضاياه، لاسيما كونها أكثر الأعمال الفنية المُساهِمة في تشكيل الوعى العام للجماهير، والقابلة للتوظيف لخدمة أغراض مختلفة وواسعة النطاق، خاصة لقدرتها على تجاوز حدود الزمان والمكان، ولقاعدتها الجماهيرية الكبيرة والشاملة لمختلف الثقافات والفئات الاجتماعية.

دراما البروباغندا

بعد انتهاء الحرب الباردة، أضحت السينما واحدة من أهم أسلحة القوة الناعمة، لاسيما بالنسبة للولايات المتحدة، التي أدركت آنذاك قوة تأثير السينما والدور الذي لعبته في استقطاب الجماهير لمعسكرها الغربي في ظل الحرب الباردة، حتى أصبحت "هوليود" إحدى أهم أدوات "البروباغندا" التي تستغلها الولايات المتحدة لبلورة سياساتها، وإعادة صياغتها بما يخدم نشر أيديولوجيتها ودعم مصالحها. إذ سعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) للتعاون والتنسيق مع هوليود بشأن المحتوى السينمائي الذي يتم عرضه لضمان تقديم الوكالة كجهاز يحمي الأمن القومي الأمريكي في إطار محدد من القيم والمعايير الأخلاقية.

وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، اختصت سينما هوليود بتقديم قوات الولايات المتحدة كـ"قوات حماية إنسانية تحمي العالم من خطر الإرهاب"، وهذا ما ظهر جليًا في سلسة الأعمال الفنية التي أنتجتها الولايات المتحدة عن "غزو العراق". إذ استغلت السينما في تصوير الحدث على أنه "حماية للعالم من خطر السلاح النووي" الذي زعمت أن العراق تمتلكه، في ظل استراتيجية حربها العالمية ضد الإرهاب. وتم إنتاج العديد من الأعمال السينمائية الأمريكية المُروجة لـ"بطولات الجندي الأمريكي الشجاع"، مما دفع اتجاهات عديدة إلى اتهام سينما هوليود بتبني توجهات معادية للعرب، وساهم في تآكل شعبيتها في المنطقة العربية والشرق الأوسط بشكل عام.


 

إلا أن توسع شبكات التواصل الاجتماعي وتنامي دور الوسائل الدعائية وانتشار منصات البث العالمية، مثل نتفليكس وآبل تي في بلس وغيرها، ساهم جنبًا إلي جنب مع تطور أحداث الساحة السياسية، في دفع الولايات المُتحدة لتغيير الصورة المُتعارف عليها عن السينما الهوليودية، والتوسع في إنتاج أعمال أكثر تقاربًا مع المشاهد العربي، وأقل عداوة له، حيث أنتجت هوليود للمرة الأولى عام 2019 فيلم "الموصل" الذي يروي قصة استعادة الموصل من تنظيم "داعش"، بلغة عربية ولهجة عراقية عامية على وجه التحديد، مما ساهم في سرعة ترويج الفيلم وتسويقه في العالم العربي عبر منصة نيتفليكس.وقد تم إخراج الفيلم بتعاون أمريكي - عراقي مشترك، وأبدى مخرجه العراقي محمد الدراجي أمله في أن تكون هذه الخطوة بداية للمزيد من الأفلام الهوليودية التي تتناول قضايا العالم العربي والشرق الأوسط، خاصة بعد الصورة السلبية التي قدمتها عنها سينما هوليود لفترة طويلة [2].


وعلى خُطى الولايات المتحدة، اعتمدت إسرائيل الأعمال الفنية لتقديم نفسها إلي المجتمع الدولي في الصورة التي تدعم مصالحها، حيث أنتجت خلال السنوات الماضية سلسلة من الأفلام والمسلسلات التي تجسد أعمال أجهزة الأمن الإسرائيلية وعلى رأسها جهاز الاستخبارات "الموساد". فعلى سبيل المثال وليس الحصر، صنّف النقاد المسلسل الإسرائيلي "فوضى" الذي يروي قصة ملاحقة قوات الدفاع الإسرائيلية لأحد مُقاتلي حركة حماس الفلسطينية، ويتم عرضه عبر شاشات نيتفليكس منذ عام 2015، على أنه يندرج ضمن أبرز أعمال "البروباغندا الدعائية" الإسرائيلية عن نفسها [3].

وتزامنًا مع التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل بسبب الملف النووي، أنتجت اسرائيل مسلسل "طهران" الذي تم عرضه للمرة الأولى في إسرائيل يوم 22 يونيو 2020، ويتم عرضه حاليًا على منصة آبل تي في بلس منذ 25 ديسمبر 2020، ويروي قصة عميلة موساد ذات أصول إيرانية تقصد طهران لتنفيذ عملية تعطيل أنظمة الرادار في الدفاعات الإيرانية لتمكين إسرائيل من مهاجمة المفاعل النووي الإيراني. والجدير بالذكر أن الصحف الإيرانية قد وصفت

هذا العمل بأنه "دعاية صهيونية" [4] لخدمة ما أطلقت عليه "الصورة البطولية" لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على حساب تقديم أجهزة الأمن الإيرانية في صورة هشة وضعيفة، بينما اعتبره المحللون السياسيون بمثابة مُقاربة للصراع الدائر بين الجانبين، لاسيما لتزامن عرضه مع توجيه إيران اتهامات لإسرائيل بعملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في 27 نوفمبر 2020.


 

سلاح ذو حدين

ساهم الحضور الكبير والدائم لأفلام السينما الإيرانية في المهرجانات والمحافل الدولية، رغم خضوع إيران لنظام حكم إسلامي مُتشدد، في جعلها واحدة من أهم وأبرز الأعمال السينمائية في العالم، وأكثرها إثارة للجدل. إذ اعتبرها النقاد والساسة في إيران سلاحاً ذا حدين. فرغم استثمار النظام الإيراني لهذا النجاح الكبير للسينما في نشر وترسيخ التراث الثقافي الإيراني، ودحض الصورة السلبية التي يُصدِّرها الغرب عن إيران، لكن في مقابل ذلك يستغل المخرجون الذين ينتمون للمعارضة الإيرانية ذلك النجاح العالمي في تدويل قضايا الاضطهاد والتنكيل الذي يُمارس ضدهم، وضد أعمالهم الفنية. 

ويُعد الفيلم السياسي "البقرة" الذي أنتج عام 1969، أي قبل قيام الثورة الإسلامية بعشر سنوات، هو أول فيلم ينتمي لـ"المدرسة الواقعية الإيرانية"، وهو المؤسس لموجة الإسقاطات السياسية في السينما الإيرانية، حيث وجّه الفيلم هجومًا ضد حكم الشاه، وجسد ما يُعانيه الإيرانيون في عصره من اضطهاد وتهميش وفقر [5]. وكانت تلك هى المرة الأولى التي يتعرض فيها فيلم إيراني لهذا الكم من الهجوم من جانب النظام الحاكم والقوى الموالية له، حيث اتهموا القائمين على الفيلم بمحاولة تشويه صورة النظام وواقع المجتمع الإيراني.

ومع نجاح الثورة الإسلامية وانعكاس تداعياتها الأيديولوجية والسياسية على صناعة السينما في إيران، اندلعتما سُميت بـ"الثورة الثقافية" الإيرانية عام 1980، وتم وضع ما يمكن تسميته بـ"تابو مُثلَّث" يُحظر على صناع السينما في إيران التعرض له، وهو "الدين- الدولة - الجنس"، واشتدت القيود الرقابية، ولم تعد الدولة تسمح بإنتاج أفلام إلا تلك التي تستوفي الشروط والمعايير "الإسلامية" وتتناسب مع التوجه الأيديولوجي للنظام الحاكم. إلا أن الساسة والنقاد في إيران أكدوا على أن الضغوط السلطوية، والرقابية من قبل الحكومة الإيرانية، قد ساعدت على تطوير صناعة السينما الإيرانية، وليس العكس.

وفي هذا السياق، انقسم صُناع السينما في تلك الفترة إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى، يُوظِّفها النظام لدعم قيم الثورة الإسلامية والترويج للتراث الثقافي الإيراني داخليًا وخارجيًا، من خلال ما أطلق عليها "السينما الإسلامية"، ويقوم الحرس الثوري والباسيج على دعم وتمويل أعمال هذه الفئة الخاضعة للنظام.والفئة الثانية، قررت الاستقلال عن تبعية النظام، والاستمرار في مقاومته بأعمال تُحاكي الواقع السياسي والاجتماعي الإيراني، وتعكس ما يُعانيه الفنانون من قمع وتنكيل وتكميم للأفواه. أما الفئة الثالثة، فقد فرَّت إلى الغرب لاستكمال مسيرتها الفنية بعيدًا عن الرقابة، وقيود نظام الولى الفقيه.

أدى تنامي إدراك النخب والقيادات السياسية في إيران لقوة تأثير صناعة السينما على تشكيل الوعي العام الجماهيري ومدى انعكاس ذلك على حجم التأييد والدعم الشعبي للنظام الحاكم وقراراته السياسية والاستراتيجية، لاسيما في فترة الحرب العراقية - الإيرانية، إلى ظهور واحدة من أهم وأبرز سينما الحروب عالميًا وهى "سينما الدفاع المُقدَّس"، حيث تُعد هذه السينما إحدى آليات النظام لتوحيد صفوف الشعب مع قوات الحرس الثوري والباسيج، وتقديس الدفاع عن الوطن من خلال تجسيد ما أطلقت عليه "مآسي الحرب الإنسانية"، وتوثيق العمليات العسكرية التي تقوم بها إيران في العراق [6].

والجدير بالذكر في هذا الشأن أن النظام قد تبنى منذ عام 2005 ثقافة "الترفيه الجديد" التي استهدفت في الأساس جيل ما بعد حرب العراق وإيران، لتعزيز روح القومية، والانتماء للثورة. إذ صرح مسعود دهمنكي الرئيس السابق لتكتل أنصار حزب الله في إيران، ومخرج فيلم "المنبوذون" عام 2009، والذي يُعد من أول وأنجح أعمال تلك المرحلة، قائلاً: "طرق خدمة الثورة ومبادئها تتطور مع الزمن، فكانت في البداية القتال على الجبهة، ثم بعد ذلك نشر المبادئ في الكتب والمجلات، أما في الوقت الحالي فتعتبر السينما هي الطريقة المُثلى لاستدعاء قيم الثورة" [7].

وفي مواجهة هذا التيار، شهدت السينما الإيرانية صعود تيار "الواقعية الجديدة" على يد الجيل الثاني من مُخرجي مدرسة الواقعية. وقد تناولت أعمال هذا التيار القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، لاسيما المُرتبطة بالإحباط المُجتمعي الذي أصاب الشباب عقب الثورة الإسلامية لفشلها في تحقيق طموحاتهم. ولعل واحدة من أبرز المواقف السياسية التي اتخذها مُخرجو هذا التيار، ولاقت صدى واسعاً على الصعيد السياسي والثقافي العالمي، كان موقف المخرج جعفر بناهي، عندما رفض دعوة حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار في الولايات المتحدة عن فيلمه "البائع" عام 2017، اعتراضًا على قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بمنع رعايا سبع دول إسلامية من بينها إيران من دخول الولايات المتحدة الأمريكية.


 

وانعكست تداعيات التصادم المُستمر والمُتزايد بين النظام الإيراني ومُخرجي تيار الواقعية الجديدة في تصاعد حدة العقوبات من مجرد إصدار قرارات تعسفية بشأن منع مزاولتهم المهنة، أو حظر عرض أفلامهم داخل إيران، إلى صدور أحكام بمنعهم من السفر وحبسهم بتهم تهديد الأمن القومي الإيراني، ومُعاداة السلطات الحاكمة، وهو ما أسفر بدوره عن ميلاد واحدة من أهم وأنجح أعمال السينما المستقلة: أفلام "الكوميديا السوداء"، التي يقوم صُناع العمل فيها بمُحاكاة قضايا الواقع، ونقد النظام الحاكم وسياساته القمعية باستخدام الإيحاءات والرموز "غير المباشرة" للتحايل على قيود النظام وأجهزته الرقابية، ويُعد فيلم "الخنزير" الذي رُشح لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2018، واحداً من أهم وأبرز أعمال "الكوميديا السوداء" في إيران [8].

تداعيات "الربيع العربي"

مع التطورات التي تشهدها المنطقة العربية منذ اندلاع ثورات ما يسمى بـ"الربيع العربي" في 2011، انعكست القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية على واقع صناعة السينما في المنطقة، مما أدى لانقسامها إلى سينما ما قبل الثورة وسينما ما بعدها؛ سواء من حيث الجهات المُموِّلة، أو من حيث المُحتوى الذي يتم تقديمه، ويُمكن تحليل ذلك باستعراض حالتى تونس وسوريا على النحو التالي:

مثّلت ثورة 2011 انفراجة وانطلاقة جديدة لصناعة السينما في تونس، وانعكست تداعياتها على حجم الإنتاج السينمائي ومُحتواه، فتضاعف عدد الأفلام المُنتجة، وتنوع المحتوى الذي تقدمه السينما التونسية سواء من قبل مخرجين الجيل القديم، أو الجيل الجديد الذين تمخضت عنه الثورة، لاسيما أن سينما ما قبل الثورة كانت قد اتسمت بالبعد الكلي عن الموضوعات والقضايا السياسية بسبب القيود الرقابية التي كان يفرضها عليها النظام.


 

وقد حررت الثورة صناعة السينما في تونس، وأضفت على موضوعات الجيل القديم من المخرجين العديد من الجوانب كان أبرزها تلك المتعلقة بالإرهاب والتطرف الديني، في مُحاكاة للواقع السياسي في تونس بعد سيطرة التيار الإسلامي على مقاليد الحكم في البلاد، مثل فيلم "مانموتش" عام 2012 الذي ناقش مسألة الحجاب والتشدد الديني في تونس بعد الثورة، وكذلك فيلم "زهرة حلب" عام 2016 الذي تطرق لموضوع التنظيمات الجهادية، وناقش قضية تهجير الشباب من تونس إلى سوريا [9]، حيث كانت تونس من أكثر الدول العربية التي اتجه بعض مواطنيها للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية التي انخرطت في الصراع السوري.

بينما تميزت موضوعات الجيل الجديد بالانفتاح أكثر على المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية، لاسيما تلك المرتبطة بقضايا الهجرة، والاغتيالات السياسية، والفقر، والبطالة، وغيرها. إذ انقسمت إسهامات الشباب السينمائية إلى 3 فئات: أعمال تصف الأوضاع قبل الثورة، وأخرى تروي ما حدث في الثورة، وغيرها تجسد تداعيات ما بعد الثورة. وساعدت مُعايشة الشباب لأيام الثورة ومشاركتهم بها في توثيق أحداثها وما شهده الشارع التونسي من تحرر تدريجي بعد هروب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى الخارج، وكذلك في تجسيد انعكاسها على مختلف الشرائح الاجتماعية، وما خلَّفته من إحباط بسبب الوعود السياسية والاقتصادية التي لم تتحقق.

وتُعد مسألة التمويل واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه صناعة السينما في تونس، لاسيما في ظل تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد بعد الثورة. فالسينما التونسية تعتمد على مصدرين للتمويل، هما وزارة الثقافة والجهات الأجنبية [10]، ورغم وفرة مصادر الدعم الخارجية المباشرة وغير المباشرة، خاصة الأوروبية، إلا أنه غالبًا لا يخلو الدعم المادي من المشروطية بحيث تضمن الجهة الأجنبية المُموِّلة تقديم أعمال تطرح قضايا تمس مصالحها وتخدم أهدافها. لذلك يظل التحدي الأكبر أمام صانع الفيلم التونسي هو مدى قدرته على مُحاكاة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ونقله للجماهير المحلية والعالمية بمنتهى الموضوعية والكفاءة دون السماح للجهات المُموِّلة بفرض معاييرها على عمله الفني.

أما فيما يخص صناعة السينما في سوريا، فرغم وصف فترة حكم عائلة الأسد بـ"الحقبة الذهبية" للسينما السورية، خاصة بعد غياب طويل للإنتاج السينمائي في فترة حزب البعث السوري نتيجة سيطرة "المؤسسة العامة للسينما" على تمويل وتوزيع الأعمال السينمائية لفئة قليلة فقط من النخب والمثقفين، إلا أن ما أطلق عليها "السينما الأسدية" [11] قد عانت من القيود التمويلية والفنية التي فرضها النظام الحاكم على المخرجين وصُناع السينما لضمان تقديم خطاب سينمائي يتسق مع سياساته ويدعم مصالحه، وهو ما أدى بدوره لدفع الكثير من المخرجين للالتفاف على تلك السياسات بتقديم محتوى ملئ بالاستعارات الرمزية لطرح ومعالجة قضايا الواقع السياسي والاجتماعي السوري.


 

ومع بداية الأزمة في مارس 2011، انقسم جمهور السينما السورية سياسيًا وفق ما قاله المخرج السوري زياد كلثوم، بين "جمهور مع النظام، وجمهور مع الثورة"[12] . فمن جانب، أخذ النظام في دعم وتمويل صناعة "سينما روائية" مُترجمة إلى مختلف اللغات، يتم خلالها طمس وقائع الحرب وتوثيق ما يحدث في سوريا على أنه حرب ضد الإرهاب والمؤامرات الخارجية. ومن جانب آخر، نجحت الأفلام التي تقدمها المعارضة، بتمويل خارجي، في "توثيق الرواية الثورية" لدعم ومناصرة القضية السورية، مما ساهم في دفع المنظمات الحقوقية الدولية لفتح باب التحقيق في الكثير من قضايا انتهاكات حقوق الإنسان التي تتم سواء من قبل قوات النظام، أو القوات الأجنبية والميليشيات الإرهابية والمسلحة على الأراضي السورية. فعلى سبيل المثال رُشِّح فيلم "من أجل سما" المُنتج عام 2019، والفائز بـ 59 جائزة حول العالم كان أبرزها "البافتا" و"الجمهور" من مهرجان كان السينمائي الدولي، لجائزة الأوسكار في العام الماضي، وحقق صدى عالمياً كبيراً بتسليط الضوء على قضية الصراع في حلب.

شخصنة الدراما


 

انعكس حلم إعادة دولة "الخلافة العثمانية" على ملامح السياسة الداخلية والخارجية لتركيا، وعلى توسعها في توظيف سياسة "الدبلوماسية الناعمة" في دعم هذا الحلم، وإضفاء طابع الشرعية عليه استنادًا على أسس أيديولوجية وتاريخية يتم الترويج لها إقليمًيا ودوليًا من خلال التركيز دائمًا على تقديم تركيا كنموذج سياسي واقتصادي يمكن الاقتداء به في العالم الإسلامي، وهو ما لا يتسامح دون شك مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى حجم الانتهاكات التي تمارسها السلطات ضد حقوق الإنسان في الداخل على المستويين السياسي والقومي، فضلاً عن التداعيات السلبية التي فرضتها التدخلات التركية في الشئون الداخلية لبعض دول المنطقة حتى على الداخل التركي.


 

وفي هذا السياق، أثار مسلسل "حريم السلطان" الذي تم عرضه في الفترة من 2011 إلى 2014 والذي يُعد بداية انخراط أعمال الدراما التركية في المجال السياسي، ضجة وجدلاً واسعاً وصل لشن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هجومًا ضده، ومطالبة البرلمان التركي بوقف عرضه بتهمة تشويه حياة السلطان العثماني سليمان القانوني، وهو ما ترتب عليه بدء التوجه التركي لإنتاج أعمال يعكس مضمونها إعادة استحضار تاريخ الإمبراطورية العثمانية من وجهة نظر أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم، بما يدعم طموح القومية التركية، وتوجهاتها في ضوء مفهوم "العثمانيين الجدد" سواء بشكل مباشر أو ضمني. ويُعد مسلسل "قيامة أرطغرل" أول تلك الأعمال الدرامية [13]. وقد حذر المؤشر العالمي للفتوى التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، في 8 فبراير 2020، من مشاهدة مسلسلى "قيامة أرطغرل" و"وادي الذئاب"، مضيفاً أن "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم ولن يتوانى عن إحياء حلمه باستخدام كافة القوى، سياسياً أو دينياً أو حتى عبر القوة الناعمة عن طريق الأعمال الثقافية والفنية" [14].

وفي إطار مشروع "العمق الاستراتيجي"، سعت القيادة التركية لتبني قطاع الدراما ودعمه من خلال جعل المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون مُراقِبًا لخطوات صناعة وتسويق أعمال الدراما التركية لضمان التوسع في تصديرها خاصة في منطقة الشرق الأوسط [15]، حيث يؤكد الكاتب والباحث التركي هاقان دمير، أن "لدى دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط شغفًا كبيرًا بتركيا، جزء كبير منه بسبب المسلسلات التركية وما عكسته الدراما من صور جديدة ومختلفة قريبة إلى قلوب المشاهد العربي. فكان لها تأثير أعمق عليه للتعرف على العالم التركي وكانت أبلغ من تأثير أي عدد من المقالات" [16].


   

 

لكن هذه المزاعم في مجملها تفتقد للمصداقية التي تكشفها الإجراءات التعسفية، وموجة الاعتقالات الواسعة التي شنها النظام التركي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، ضد عدد كبير من النشطاء والساسة والصحفيين بتهمة تورطهم مع حركة فتح الله غولن، حيث اُعتقل المخرج التركي علي أفجي وحُكم عليه بالسجن 6 سنوات عام 2017 عن فيلمه "الصحوة" الذي تدور أحداثه حول محاولة الانقلاب، حيث ينتهي الفيلم بمشهد إعدام أردوغان [17]

وفي سياق مُتسق مع النهج القمعي والسلطوي الذي تتخذه إدارة أردوغان ضد الأكراد، مارست تركيا دعاية مضادة للفيلم الكردي "من أجل الحرية" للمخرج الكردي أرسين جليك لتحول دون عرضه في العديد من المهرجانات السينمائية والدول الأوروبية. حيث بُنى الفيلم على شهادات الناجين، ومذكرات الذين قتلوا أثناء مقاومة أهالي بلدة سور آمد بمدينة ديار بكر، وذلك في مواجهة القمع الشديد الذي مارسته ضدهم قوات الاحتلال التركية خلال الفترة 2015 - 2016 في أعقاب فوز الأكراد بانتخابات البلدية وإعلانهم عن قيام الإدارات الذاتية المحلية [18].

ختامًا، يمكن القول إن هناك تأثيراً مُتبادلاً بين توجه العمل الدرامي السينمائي والتليفزيوني، وبين تطورات ومُستجدات الواقع السياسي وما يفرضه من مُتطلبات على الصعيدين الداخلي والخارجي بالنسبة للدول والشعوب، لاسيما في ظل وصول تلك الأعمال الدرامية للعالمية سواء عن طريق منصات البث ووسائل التواصل الاجتماعي، أو من خلال المهرجانات والمحافل الدولية، وهو ما مكنها من أن تكون واحدة من أهم وأخطر القوى الناعمة بالنسبة للدول، وبالنسبة أيضًا لصُناع تلك الأعمال ومُموِّليها سواء من الجهات المحلية أو الأجنبية.


[1] اندبندنت عربية،  "استياء كردي من مسلسل إيراني "شوه حقائق الحرب" ضد "داعش"، 27 يناير 2021، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3rqVeN8

[2] موقع ميدل ايست اون لاين،"الموصل' أول فيلم عالمي باللهجة العراقية على شاشة نتفليكس"، 31 أكتوبر 2020، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3t5dNbo

[3] إيليانا داغر، "بين الحقيقة والاقتباس: أفلام الموساد "البطولية" تبيّض صورة إسرائيل"،اندبندنت عربية، 9 ديسمبر 2020، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3cp0xID

[4] المرجع السابق.

[5] الوطن الكويتية،"الفيلم السينمائي الإيراني "البقرة" رمز إلي حالة القمع والفقر أيام الشاه"، 11 يونيو 2014، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3rs1Ydw

[6] نرجس باجوفلي، "تسيس السينما: " كيف تُوظَّف الأفلام في دعم النظام الإيراني؟"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 7 أبريل2017، متاح على الرابط التالي:

www.futureuae.com

[7] المرجع السابق.

 [8]أسماء يوسف، "الخنزير الإيراني ينافس على جائزة الدب البرليني"، منصة أمل برلين، 23 فبراير 2018، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3cOK1BV

 [9]محمد رامي عبد المولي، "تونس الثورة": وماذا عن السينما؟"، منصة السفير العربي الإعلامية، 2 مارس 2017، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/39tQ9gI

[10] محمد رامي عبد المولى، "السينما التونسية تقتفي آثار المهاجرين"، مجلة أوريان 21، 28 فبراير 2020، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3t5pOgX

[11] أنس الحوراني، "أربعة نماذج للسينما الأسدية"، موقع الجمهورية، 16 مايو 2019، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/2YrcWDE

[12] أمان البزرة، "الجمهور السوري والسينما التي تخصه: قصة تغييب - الجزء الأول"،موقع أوبن ديموكراسي، 28 نوفمبر 2019، متاح  على الرابط التالي:

https://bit.ly/39pfc4L

[13] محمد فوزي، "موقع الدراما في السياسة الخارجية التركية"، المركز الديمقراطي العربي، 18 يوليو 2019، متاح على الرابط التالي:

https://democraticac.de/?p=61779

[14] المصري اليوم، "الإفتاء تحذر من مشاهدة مسلسلى "قيامة أرطغرل" و"وادي الذئاب"، 8 فبراير 2020، متاح على الرابط التالي:

https://bit.ly/36LvxPi

[15] خالد بشير، "الدراما التركية.. هل هي وسيلة "العدالة والتنمية" للتمدّد الناعم؟"، حفريات، 6 مارس 2018، متاح على الرابط التالي:

https://bit.ly/3tyxw3c

[16] مجدي سمير،"الدراما التركية... القوّة الناعمة التي تدخل إلى بيوت كل العرب"، رصيف 22، 1 نوفمبر 2018، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3aC5Q59

[17] العربية، "انظر كيف أعدموا أردوغان في فيلم سجنوا مخرجه 6 سنوات"، 8 سبتمبر 2018، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/39SbgJS

[18] رونا هي،"الفيلم الكردي "من أجل الحرية" يُعرض في الهند"، 11 نوفمبر 2019، متاح على الرابط التالي: https://ronahi.net/?p=52257

طباعة
آمنة فايد

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية