مقالات تحليلية

الإعلام الشعبوي: أنماط التوظيف واحتمالات الاستمرار

رانيا مكرم * 1534 2-2-2021
طباعة

تطورت أنماط وأشكال الإعلام منذ سنوات، لتشمل نماذج مستحدثة، يتم الترويج لها حسب قوة تأثيرها. ومنذ ظهور مصطلح الإعلام الجديد، تتوالى الأنماط الجديدة للإعلام بداية بالإعلام البديل، مروراً بالإعلام الشعبي، وانتهاءاً بالإعلام الشعبوي. وعلى الرغم من نقاط الالتقاء الكثيرة بين هذه الأنماط المختلفة للإعلام، فإن ثمة ما يميزها عن بعضها، فإذا كانت جميعها تشير إلى نوع الإعلام التفاعلي بين المتلقي وصانع المحتوى الإعلامي، وهو ما يطلق عليه اصطلاحاً على وجه العموم "الإعلام الجديد"، الذي لم يعد يعتمد على محترفين لبناء ونشر محتواه، لاسيما مع ظهور "الإعلام الشعبي" وما يسمى بـ"صحافة المواطن"، بما يعبر عن اتجاهات الشارع من خلال الجماهير، فإن الإعلام الشعبوي يشير اصطلاحه إلى تكييف الرسالة الإعلامية وفقاً للمزاج العام للشعب، بمفرداته، وأسلوب حديثه، وأولوياته، وليس شرطاً أن يكون صانعه من غير المحترفين، بل يمكن أن يصنع من قبل مؤسسات الدولة ذاتها، بهدف تقديم محتوى إعلامي جاذب لأكبر قطاع من الشعب.

وفي مستويات أخرى أكثر حرفية يسعى القائمون على وسائل الإعلام إلى خلق مناخ شعبوي يتسلل للرأى العام المجتمعي بصورة تدريجية، حتى يكون هذا المحتوى هو المعبر بالفعل مستقبلاً عن المزاج العام للمجتمع. وعلى الرغم مما يبدو عليه الإعلام الشعبوي من بُعد عن المهنية في كثير من حالاته، والتي عادة ما يكون غيابها سمة أساسية في إعلام الدول الأقل تقدماً، فإن أبرز النماذج الإعلامية الشعبوية قد تبلورت في الدول الغربية، وامتدت لتشمل دولاً أخرى، حيث شُكِّل في كل منها نموذج خاص بها من الإعلام الشعبوي.

أنماط متباينة

يمكن القول إن الإعلام الشعبوي كان في الأساس نتيجة لصعود الاتجاهات الشعبوية التي شكلت المناخ العام في العديد من الدول خلال السنوات الأخيرة، وتبلور هذا النمط من الإعلام مع سيطرة النخب الشعبوية باختلاف اتجاهاتها على المشهد السياسي في بعض الدول. ويمكن الإشارة إلى أهم أنماطه فيما يلي:

1- إعلام شعبوي متعصب: ظهر الإعلام الشعبوي كأحد أدوات الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، والحركات والأحزاب اليمينية في الدول الغربية، حيث يعتمد الإثنان على الخطاب الشعبوي الذي يركز على المشاعر العاطفية والدينية للمتلقي، الذي غالباً ما يعتنق الأفكار نفسها، أو يفكر في اعتناقها. وقد اعتمد الخطاب الديني الشعبوي في البداية على الصحف، والمساجد، والمؤتمرات الجماهيرية لمخاطبة مريديه، وذلك حتى ظهور القنوات التلفزيونية الخاصة المملوكة لأعضاء التيار الإسلامي، التي وُظِّفت لخدمة توجهات هذه الحركات. ومع التغيرات السياسية التي أدت إلى اعتلاء بعض أقطاب الحركات اليمينية المتطرفة للسلطة في العديد من الدول الغربية، تحولت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة إلى منصات لهذا الخطاب الشعبوي، والترويج لأفكاره المتطرفة، وليسود خطاب الكراهية، وتشويه الآخر، من خلال شعارات مثل "المواطن أولاً" وانتشار تلك الدعوات التي تروج إلى ضرورة إبعاد المهاجرين، لضمان فرص عمل للمواطنين.

وكما حملت وسائل الإعلام الشعبوية في المنطقة الخطاب الديني المتطرف وعبّرت عنه سواء في القنوات المملوكة لجماعة الإخوان المسلمين، أو تلك المملوكة لـ"داعش"، تبنت بعض وسائل الإعلام الغربية أفكار الحركات اليمينية المتطرفة، وروجت لكراهية المهاجرين، وهو ما بدأ بوضوح مع شعار "أمريكا أولاً" الذي تبناه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وحوله إلى إجراء تنفيذي، في 27 يناير 2017، باتخاذه قراراً بمنع بعض الجنسيات من دخول الولايات المتحدة.

 كما برز هذا التوجه الشعبوي في الإعلام الفرنسي عقب تولي الرئيس ايمانويل ماكرون لمنصب الرئاسة، وكذلك أثناء الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 23 أبريل 2017، وما قبلها، بعد تأهل مرشحة حزب الجبهة الوطنية المتطرف مارين لوبان للدورة الثانية من الانتخابات، حيث أتت في المرتبة الثانية وبفارق صغير عن منافسها مانويل ماكرون، فبدأت بعض الصحف والقنوات التلفزيونية الفرنسية في تبني خطابات عنصرية سياسية ودينية، والدفاع عن الهوية الوطنية في مواجهة كل ما هو أجنبي، حتى أن بعض أعمدة صحفية تحدثت عن ضرورة منع المظهر الديني في ملابس المسلمين، لاسيما الحجاب، وتطرقت لطريقة الذبح الإسلامية وانتشارها في العديد من الأسواق الفرنسية. فضلاً عن ظاهرة الازدراء الديني الكاريكاتيري المتكرر للرموز الدينية.

وبالمثل، شهد الإعلام البريطاني التوجه نفسه عقب التصويت علي قانون "بريكسيت" والخروج من الاتحاد الأوروبي، فعلى سبيل المثال، أفردت قناة "Channel 4" العامة مساحات كبيرة من محتواها للدفاع عن فكرة "البريكسيت"، على الرغم من الطبيعة الخاصة للقناة، كونها عامة وحديثة التوسع في تغطية كامل المملكة المتحدة، والبدء في بثها خارجياً، في بعض الدول الأوروبية مثل أيرلندا، وسويسرا، وبلجيكا، وهولندا. كما شهدت إيطاليا تجربة إعلام شعبوي شهيرة خلال فترة حكم سيلفيو برلسكوني، الذي امتلك هو وعائلته أكبر شركة إنتاج وسائط متعددة، تحت اسم "Fininvest" لعل أشهر قنواتها التجارية قناة "Mediaset"، التي أسهمت، حسب الخبراء، في زيادة شعبية بيرلسكوني وحزبه، علي الرغم من المحتوى الترفيهي التجاري الذي كانت تقدمة الشبكة الإعلامية الخاصة به، نظراً لاعتمادها على خطابه الشعبوي. ويقدم الإعلام نموذجاً محاكياً لذلك في كل من بولندا والمجر مع صعود السياسيين ذوي الخطاب القومي والشعبوي.

2- إعلام شعبوي يهدف للترويج السياسي: كما كانت نشأة مفهوم "الشعبوية" سياسية، فإن أحد أهم أنماط الإعلام الشعبوي هو ذلك النمط الذي يتم توظيفه سياسياً، بهدف إضفاء وجاهة خاصة على بعض الأحزاب السياسية، أو سياسيين بعينهم، لاسيما في أوقات الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، وهو نموذج ليس بالجديد على المشهد الإعلامي في عدد من دول المنطقة، التي يبرز فيها أكثر من نموذج في هذا السياق، من هذه النماذج الإعلام التونسي الذي شهد تغيراً بارزاً عقب الثورة في عام 2011، فامتلك العديد من السياسيين التونسيين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، منصات إعلامية للترويج لبرامج مالكيها وأهدافهم السياسية، لاسيما أثناء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، مثل قنوات المستقلة، والحوار، ونسمة، والجنوبية، وغيرها من القنوات التي تمتلكها شخصيات حزبية شهيرة.

وقد كان للحراك الثوري في المنطقة دور مهم في بروز هذا النمط من الإعلام المتحزب ذا النزعة الشعبوية، بفعل السيولة الإعلامية التي شهدتها فترة اندلاع هذا الحراك، حيث انقسمت وسائل الإعلام ما بين مؤيد ومعارض لهذا الحراك، في ظل افتقاد كل منهما للموضوعية والمهنية، واعتمادها على أدوات هجومية على الآخر المختلف، فكان الطريق الأسهل لاستقطاب الرأى العام توجيه التهم، وتسفيه الآخر وتجريمه، في مقابل تبني شعارات وطنية.

ولعل النموذج الإعلامي اللبناني الأبرز في سياق الحديث عن الإعلام السياسي والحزبي، نظراً لسيطرة الانتماءات السياسية على مجمل المشهد السياسي والإعلامي اللبناني، المُشَاهَد والمسموع والمقروء، حيث يسود الخطاب الشعبوي في وسائل الإعلام اللبنانية على اختلاف انتماءاتها السياسية والطائفية، ولعل التظاهرات التي استمرت لأشهر في البلاد، أو ما يسمى باحتجاجات أكتوبر 2019، كانت كاشفة، إلى حد كبير، عن حقيقة شعبوية الخطاب الإعلامي للأحزاب التي سارعت إلى تبادل الاتهامات، وانحياز كل وسيلة إعلامية لولائها الحزبي والطائفي، مما تسبب في تغذية توتر الشارع، وظهور شعار "كلكن يعني كلكن" الذي لم تتبناه قناة تلفزيوينة بعينها، بل ظهر ضمن تغطية أخبار المظاهرات في النشرات الإخبارية.  

3- إعلام شعبوي ترفيهي "إلهائي": لما كان تعريف الإعلام الشعبوي يشير إلي أنه ذلك النمط من الإعلام الذي يتكيف محتواه مع المزاج العام للمجتمع، فقد ظهر إعلام ترفيهي شعبوي خاص، بات يعتمد على الأعمال الترفيهية ضئيلة التكلفة، ورديئة المحتوى، حتى أن قنوات خاصة قد تم إطلاقها بهدف عرض الأعمال السينمائية التجارية التي عادة ما لا يتم عرضها في القنوات التي تتمتع بقدر من المهنية واحترام الرأى العام. كما ظهر هذا الطابع الشعبوي في مستوى الإعلانات التي تعرض في أغلب القنوات التلفزيونية، التي باتت تعتمد على الأغاني الشعبية الهابطة، بل وتستعين بمؤديي هذه الأغاني، الذين باتوا ضيوفاً على البرامج الترفيهية في بعض القنوات من جانب آخر اعتماداً على نجاحهم شعبياً.

ويعتمد ذلك النمط الترفيهي من الإعلام، في كثير من الأحيان، على المحتوى الصادم والجريء للقضايا والمعلومات المطروحة، حتى ظهرت قنوات خاصة بالسحر والشعوذة، لاسيما مع سماح الكثير من الدول حديثاً بامتلاك قنوات خاصة، والحصول على ترددات لها بسهولة على الأقمار الصناعية العاملة فيها. فيما اتبعت بعض القنوات العامة النهج ذاته بغرض تقديم محتوى شعبي لإلهاء المتلقي عن قضايا بعينها.

4- التواصل الاجتماعي "بديل حاضر": لم يقتصر وصف الشعبوية على وسائل الإعلام التقليدية، سواء كانت عامة أو خاصة، وإنما امتد أيضاً ليشمل منصات التواصل الاجتماعي، التي وُظِّفت من خلال حسابات الشعبويين، والمؤيدين لهم، ولعل النموذج الأمريكي في هذا الإطار يعد الأبرز، لاسيما بعد الهجوم المتبادل بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وكثير من وسائل الإعلام الأمريكية، حيث وصف ترامب بعض وسائل الإعلام بـ"حزب المعارضة"، فيما ظلت أغلب وسائل الإعلام الأمريكية في مواجهة ترامب طيلة فترة توليه منصب الرئيس، باستثناء قناة "فوكس نيوز" وقناة "MSNBC"على سبيل المثال. ومع استمرار سخرية الرئيس من الصحفيين، في مؤتمراته الرئاسية، أصبحت حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما موقع "تويتر"، بمثابة إعلامه الخاص، حيث بثَّ ترامب أفكاره وصاغ خطاباته الشعبوية، وعلَّق علي قراراته السياسية، بل وتبادل الاتهامات مع خصومه السياسيين، وعندما واجه حسابه قيوداً، تمثلت في وضع موقع "تويتر" ملصقاً على تغريدتين لترامب، مفاده أنه يروج لمعلومات مضللة، وقّع الأخير، أمراً تنفيذياً يستهدف شركات وسائل التواصل الاجتماعي، مهدداً إياها بالوقف أو التنظيم. فيما تطور الأمر لوقف حساب ترامب الشخصي على "تويتر" نهائياً، في 8 يناير الفائت (2021) بحجة أنه يمجد العنف، ويدعو إليه، عقب اقتحام مبنى الكونجرس في 6 من الشهر نفسه. كما استمرت السجالات حتى بعد إغلاق حساب ترامب نهائياً، وذلك عندما سُئِلت الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي، في أول فبراير الجاري، إذا كان حظر ترامب على "تويتر" يسهل ولاية الرئيس بايدن، فصرحت بقولها أنه "قليلاً ما نفكر أو نتحدث عن الرئيس ترامب (...)  لا نستطيع القول أننا نفتقده على تويتر".

ومن جانبهما، قام موقعا "فيس بوك" و"تويتر" بوضع إجراءات تنظيمية تقضي بتقصي صحة الأخبار، وحذف الشائعات، ومنع ترويجها، وكذلك وقف الحسابات الوهمية، والتي تُحرِّض على العنف، فيما ظل موقع "يوتيوب" بعيداً عن السيطرة الرقابية المطلوبة، لاسيما في ظل التربح الذي يجنيه الموقع بالتشارك مع أصحاب القنوات، والتي باتت من أهم وسائل نشر الشعبوية بكل أنماطها السابقة الذكر.

مستقبل متذبذب

على الرغم من أن الإعلام الشعبوي قد نتج بالأساس من خلال التفاعل بين المتلقي وما تقدمه وسائل الإعلام من محتوى، في ظل ظروف سياسية واجتماعية تصاعدت بمقتضاها الخطابات الشعبوية لأغراض وأهداف عدة، فإن ثمة مخاطر عديدة يفرضها وجود مثل هذا النمط من الإعلام على الصعيد المجتمعي تحديداً، لاسيما عندما يتصل الأمر بترويج الشائعات والتحول لمنصات لنشر خطابات الكراهية والتعصب.

هذه المخاطر وكيفية التعامل معها تشكل محدداً مهماً لمستقبل هذا النمط من الإعلام، لاسيما وأن الخبراء ما زالوا يعتبرون أن احتمال استمرار الشعبوية السياسية بات قائماً بقوة، في ظل صعود التيارات اليمينية في العديد من دول العالم، وكذلك خضوع عدد من الدول لهذا النوع من الإعلام التعبوي كمرادف لأنظمة السلطة الحاكمة لها، مثل الصين وإسرائيل وتركيا وإيران وكوبا وفنزويلا، على سبيل المثال لا الحصر.

ولعل أفول الإعلام الشعبوي الديني في المنطقة، عقب إخفاق الحركات الإسلامية في السلطة، أو الوصول إليها في عدد من الدول، يعد مؤشراً على إمكانية محاصرة هذا النمط من الإعلام الشعبوي، من خلال محتوى إعلامي قادر على مواجهة الأفكار بالأفكار، وإجلاء الحقائق. كما تشير تجربة الإعلام الأمريكي في مواجهة الشعبوية السياسية أيضاً إلى أن الإعلام المؤسسي الذي يتمتع بقدر من الاستقلالية يمكنه الصمود أمام محاولات تحويله لإعلام شعبوي. غير أن ذلك يظل مشروطاً ومحكوماً بمصالح وتوجهات رأس المال المالك في كثير من الأحيان.

أما فيما يخص الإعلام الشعبوي ذا الطابع الترفيهي، فإن استمراره بذات الكثافة يتوقف على مدى القبول المجتمعي له، وما يحققه من مكاسب، لاسيما في ظل غياب رقابة فاعلة على ما يقدمه من محتوى، وما يحققه من أرباح تضمن له الاستمرار، فإذا كان الهدف الأساسي له هو التربح من خلال تكييف المحتوى الإعلامي مع توجهات الذوق العام، فإن هذا الربح سيظل الحافز على الاستمرار في تقديمه.

طباعة
رانيا مكرم

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية