متابعات تحليلية

تركيا: استعدادات مبكرة لانتخابات 2023

آمنة فايد * 1932 17-1-2021
طباعة

بدأت الساحة السياسية التركية تستعد مبكراً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي سوف تجرى في يونيو 2023، حيث تصاعدت حدة الجدل حول الإجراءات القانونية التي تتخذها الحكومة في مواجهة المعارضة التي تتزايد شعبيتها، على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والصحية، وتوتر العلاقات الخارجية لتركيا. إذ يبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحليفه حزب الحركة القومية إمكانية إجراء تعديل في قانون الأحزاب لاستبدال شرط الحصول على 50%+1 للفوز في الانتخابات بنظام الأغلبية، وطرح بديل يعتمد على فوز المُرشح الحاصل على النسبة الأعلى من الأصوات في الجولة الأولى بانتخابات الرئاسة وإلغاء الجولة الثانية [1].

فضلاً عن ذلك، أقر البرلمان التركي، في 27 ديسمبر 2020، قانوناً جديداً يُخول للحكومة، وأجهزتها الأمنية، الرقابة على منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والخيرية [2]، خاصة المعارضة في سياساتها وبرامجها لتوجهات الحزب الحاكم في قضايا حقوق الإنسان والحريات. ويمنح القانون الجديد وزارة الداخلية الحق في وقف نشاط أى منظمة أو جمعية أو أى حملة تبرع إلكترونية يُشتبه في صلتها بأى "جهة إرهابية" وفرض غرامات مالية ضخمة عليها. كما تمتلك الجهات الأمنية بموجب القانون حق تعيين المسئولين، والاطلاع على سجلات ووثائق وميزانيات أى منظمة مدنية، وهو ما يعني أن كافة أنشطة وبرامج وسياسات تلك المنظمات لن تكون بمعزل عن الرقابة الأمنية للسلطات.

تآكل تدريجي

تأتي هذه الإجراءات الاستباقية لتضييق الخناق على المعارضة، في ظل الاستياء الشعبي المُتزايد من تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، والذي انعكس في تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية وفق استطلاع الرأى الذي أجرته شركة "ماك" فى 22 ديسمبر2020 [3]، والذي كشفت نتائجه عن تراجع مؤيدي تحالف "الجمهور"- المكون من حزبى العدالة والتنمية والحركة القومية- إلى 45.8% من الأصوات، في مقابل حصول حزب الشعب الجمهوري على 24.8%، وحزب الخير على 11.2%.

وجاءت هذه النتائج في سياق متسق مع آخر تطورات المشهد السياسي التركي في الداخل والخارج. إذ مثلت النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس 2019، لاسيما ما يتعلق بانتزاع قوى المعارضة عدد كبير من المعاقل التقليدية للحزب في اسطنبول وأنقرة، ضربة قوية لقاعدته الشعبية، خاصة أن فوز مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو برئاسة أكبر مدينة تركية، والعاصمة الاقتصادية والثقافية "اسطنبول" بدعم من حزب الشعوب الديمقراطي، لم يكن فقط بمثابة انتصار للمعارضة فحسب وإنما للأكراد أيضاً، كونه ثاني أكبر الأحزاب المعارضة في البرلمان، والداعم الأكبر لمنح الأكراد كامل حقوق المواطنة في تركيا.

ومن جانبه، يواجه حزب العدالة والتنمية أزمة تشتت الأصوات واستقطابها من قبل أحزاب المعارضة، خاصة تلك التي تأسست على أيدي بعض أعضاءه المُنشقين، لاسيما أحمد داوود أوغلو مؤسس حزب المستقبل، وعلى باباجان مؤسس حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا). ويعتبر أردوغان قادة تلك الأحزاب هم الأكثر تهديداً له في الوقت الحالي كونهم كانوا مُطلعين على كافة سياسات الحزب، واستراتيجياته وكذلك ثغراته. ولا يمكن استبعاد أن ينضم الحزبان إلى أحزاب أخرى لتشكيل تكتل حزبي قوي في مواجهة ائتلاف العدالة والتنمية والحركة القومية خلال الانتخابات القادمة بما يضمن تجنب تشتت أصوات المعارضة، وكذلك استقطاب صوت الناخب الكردي لاستغلال ملف الأكراد كورقة رابحة في شرق وجنوب شرق البلاد.  

ضغوط متعددة

يفسر الكثير من المُراقبين للمشهد التركي تراجع شعبية أردوغان وخوفه من خسارة حزبه للعديد من مؤيديه لصالح قوى المعارضة خلال الانتخابات القادمة، في ضوء ما آلت إليه أوضاع البلاد نتيجة فشل إدارة عدد كبير من الملفات الاقتصادية والسياسية، والذي تسبب في تصاعد حدة الاستياء الشعبي ضد حكومته وحزبه الحاكم. ويمكن تناول ذلك على النحو التالي:

1- الأزمة الاقتصادية: رغم أن الانتقادات التي توجهها المعارضة لحكومة أردوغان حول إدارتها للملف الاقتصادي، وإدانتها للتدخل في وضع السياسات والاستراتيجيات المالية، وإلقاء كامل المسئولية عليها بشأن ما تشهده تركيا الآن من تدهور حاد في قيمة الليرة، وارتفاع في معدلات التضخم ونسب الفقر والبطالة ليست جديدة، إلا أنها تصاعدت في الأشهر الأخيرة لتصل إلى حد اتهامه بـ"الخيانة" على خلفية توقيعه اتفاقاً في 26 نوفمبر 2020 مع قطر يقضي ببيع 10% من أسهم بورصة اسطنبول لجهاز قطر للاستثمار[4]، وذلك ضمن بعض الاتفاقيات التي أبرمها مع الأخيرة لتعزيز قدرة حكومته على مواجهة الأزمة الاقتصادية، وهو ما اعتبرته المعارضة بمثابة محاولة لـ"رهن" الاقتصاد التركي لقطر. ووصفت المعارضة أيضاً بيع مصنع "تانك بالت" لإنتاج قطع غيار الدبابات إلى قطر بمثابة "بيع" للجيش، حيث قال نائب البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري ماهر بشارير تلك الصفقة قائلاً: "إنها المرة الأولى في تاريخ الجمهورية التي يتم خلالها بيع الجيش لصالح قطر"[5].

ووفقاً للتقارير الصادرة عن الأداء الاقتصادي لتركيا خلال عام 2020، فإن سياسة أردوغان الخاصة برفع أسعار الفائدة فرضت مع جائحة كورونا "أزمة مزدوجة"، ومن هنا وجهت المعارضة اتهامات للحكومة بتجاهل كافة المُقترحات التي تم تقديمها بشأن أفضل السياسات وأكثرها كفاءة لإدارة الملف الاقتصادي في ظل تفشي وباء كورونا، مما أسفر عن قفز العجز التجاري بنسبة 154%، وفق تقرير معهد الإحصاء التركي في 31 ديسمبر 2020، وارتفاع مستوى التضخم إلى ما بين 12 و14%، واحتلال الليرة مرتبة متقدمة عالمياً كأكثر العملات انخفاضاً بعد فقدانها 24% من قيمتها مقابل الدولار خلال عام 2020، حيث أصبحت الأسوأ أداءاً بين عملات الأسواق الناشئة على مستوى العالم بعد عملتى الأرجنتين والبرازيل [6].

2- الحريات وحقوق الإنسان: في ضوء تعدد القضايا الخلافية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ربما يتجه الأخير إلى فرض المزيد من العقوبات على تركيا في القمة التي سيعقدها في شهر مارس من العام الجاري، رداً على السياسات التعسفية والقمعية تجاه المعارضة في الداخل وما يتم ممارسته من انتهاكات لحقوق الإنسان، وللضغط على أنقرة من أجل وقف تحركاتها العدائية تجاه كل من اليونان وقبرص فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط.

ورغم أن أنقرة سعت إلى اتخاذ بعض الخطوات الإيجابية لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي؛ وتجنب التعرض لمزيد من تلك العقوبات، إلا أنها تجاهلت مطالبة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن عثمان كافالا، أبرز رموز المجتمع المدني والمُعتقل منذ عام 2017، حيث أقرت المحكمة الدستورية التركية، في 29 ديسمبر 2020، بأن احتجازه لم ينتهك حقه في الحرية والأمن [7].والجدير بالذكر في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي قد وضع تعديل قانون مكافحة الإرهاب الذي تطبقه تركيا على السياسيين والصحفيين والنشطاء المُعارضين لها بصورة تعسفية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، ضمن شروط قبول انضمامها للاتحاد الأوروبي.

3- التمدد الخارجي: فرضت التدخلات التركية المستمرة في الأزمات الإقليمية المختلفة ارتدادات مباشرة على الداخل، حيث أشارت اتجاهات عديدة إلى أنها أسهمت في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتوسيع نطاق الخلافات بين الحزب الحاكم وقوى المعارضة. ومنذ بداية الاتفاق الأمني والعسكري المُبرم بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية في 27 نوفمبر 2019؛ تتبنى بعض أحزاب المعارضة موقفاً رافضاً لمبدأ التدخل المباشر في النزاع الليبي. بل إن النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي تولاى حاتم أوغلولاري تقدمت، في 5 يناير 2021، بطلب للتحقيق مع وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو في اختطاف كرديات من منطقة عفرين بشمال سوريا والتي تسيطر عليها تركيا والميليشيات الموالية لها ونقلهن إلى ليبيا لـ"الاستغلال الجنسي" [8].

معادلة جديدة

تبقى ملامح المرحلة القادمة، والسابقة على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، متوقفة، إلى حد كبير، على ما ستشهده الساحتان الإقليمية والدولية من تطورات ومُستجدات في العديد من القضايا والملفات الشائكة، خاصة مع بداية تولي الرئيس الأمريكي جو بايدن مقاليد منصبه في 20 يناير الجاري. فمن المُتوقع أن تفرض إدارته معادلة جديدة مختلفة عن تلك التي تبناها الرئيس السابق دونالد ترامب مع تركيا.

وتشير تقارير عديدة إلى أن فريق بايدن يبحث مع الكونجرس في تطبيق المزيد من العقوبات على تركيا، في ظل التحفظات العديدة التي يبديها الرئيس الجديد على السياسات التركية، وهو ما دفع الرئيس التركي طيب أردوغان إلى بدء محادثات على مستوى الخبراء تمهيداً لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استبق وصول بايدن إلى البيت الأبيض بالتأكيد على أهمية الروابط المُتجذرة بين الطرفين، معرباً عن أمله في رفع مستوى التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري.

وتعكس مساعي أردوغان خلال الفترة الحالية لتقليص حدة التوتر مع بعض القوى، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، مدى حرصه على رفع العقوبات الاقتصادية عن بلاده، وتلافي فرض المزيد منها قبل موعد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، خاصة أن انخراطه في أكثر من جبهة صراع خارجية كان له دور في استنزاف الميزانية، وبالتالي تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتأجيج الاستياء الشعبي ضد الحكومة والحزب الحاكم.

ونظرًا لأن حجم الأزمات التي فرضتها سياسات أردوغان خلال السنوات الماضية، على المستويات المختلفة، يفوق إمكانية تداركه لها على المدى القصير عبر بعض الإصلاحات الرمزية، فإنه لجأ إلى آلية القانون لقمع المجتمع المدني وتدعيم قبضته عليه بجعل كافة منظماته غير الحكومية تحت رقابة الأجهزة الأمنية، وذلك لتجنب تأسيس المزيد من الحركات والائتلافات المعارضة لحكومته وحزبه، مع سعيه خلال المرحلة القادمة لبحث إمكانية تمرير قانون تعديل الأحزاب "50%+1"، بما يضمن فوزه في الانتخابات القادمة من الجولة الأولى.


[1] داود أوغلو: أردوغان سيبحث عن بدائل لشرط "50+1" كي يبقى في السلطة، آر تي أرابيك، 2/1/2021:

https://cutt.ly/ejImuiI

[2] الخليج الإماراتية، 27/12/2020:

https://cutt.ly/0jImibR

[3] موقع العين، انهيار جديد لشعبية حزب أردوغان وحليفه.. اقتربت النهاية، 23/12/2020:

https://al-ain.com/article/popularity-erdogan-end-near

[4] الشرق الأوسط، اتهامات لإردوغان بالخيانة بعد بيع جزء من بورصة إسطنبول لقطر، 4/12/2020:

https://cutt.ly/yjImov4

[5] الشروق، تركيا: التحقيق مع برلماني معارض بعد تصريحات حول «بيع الجيش» لقطر، 29/11/2020:

https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=29112020&id=22c46200-54d2-4c20-ab62-39d111e28b4b

[6] الشرق الأوسط، توحش العجز التجاري ينهش الليرة التركية «المريضة»، 1/1/2021:

https://cutt.ly/LjImpAi

[7] رويترز، أعلى محكمة تركية تقول إن احتجاز رجل الأعمال كافالا لم ينتهك حقوقه، 29/12/2020:

https://cn.reuters.com/article/idARAL8N2J9287

[8] الشرق الأوسط، نائبة معارضة في البرلمان التركي تطالب بتحقيق في "خطف كرديات" إلى ليبيا، 6/1/2021:

https://cutt.ly/SjImstu

طباعة
آمنة فايد

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية