تقديرات استراتيجية

انعكاسات تنفيذ اتفاق الرياض على الأزمة اليمنية

أحمد عليبة * 3502 26-12-2020
طباعة

شهدت الأزمة الجنوبية اليمنية بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي انفراجة، بعد جمود دام نحو 14 شهراً، منذ توقيعهما اتفاق الرياض، في 5 نوفمبر 2019، برعاية سعودية. وتمثلت الخطوة الأولى في دخول الملحق العسكري من الاتفاق حيز التنفيذ ميدانياً في 11 ديسمبر الجاري (2020)، عبر عملية إعادة الانتشار العسكري للقوات التابعة للطرفين تحت اشراف تحالف دعم الشرعية، على نحو يطوي مرحلة الصدام المسلح بينهما قبل وبعد إبرام الاتفاق. فيما تعلقت الخطوة الثانية بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في 18 من الشهر نفسه، إيذاناً بدخول الملحق السياسي من الاتفاق بدوره حيز التنفيذ، ليتبقى بذلك الملحق الاقتصادي المرتقب تنفيذه في وقت لاحق من مباشرة الحكومة الجديدة مهامها من العاصمة المؤقتة عدن بعد حلفها اليمين الدستورية أمام البرلمان المعترف به في سيئون. ومن المتصور أن انعكاسات دخول الاتفاق حيز التنفيذ لن تنحصر فقط في ملف الأزمة الجنوبية، لكنها ستمتد بالتبعية إلى ملف الأزمة اليمنية بشكل عام.

ترتيبات جديدة

يعيد دخول اتفاق الرياض حيز التنفيذ عملياً ضبط العلاقة بين الانتقالي والشرعية، وتنظيم الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية التي شهدت تدهوراً خلال فترة الصراع بينهما، وذلك على النحو التالي:

1- إعادة الانضباط العسكري: يتضمن الملحق العسكري ثلاث مراحل أساسية: الأولى، نزع أدوات الصدام من الميدان، عبر عودة جميع القوات التي تحركت من مواقعها ومعسكراتها الأساسية باتجاه محافظات عدن وأبين وشبوة منذ بداية أغسطس 2019 إلى مواقعها السابقة، على أن تحل محلها قوات الأمن التابعة للسلطة المحلية في كل المحافظات الجنوبية خلال 15 يوماً (باستثناء اللواء الأول حماية رئاسية، الذي سيبقى فى موقعه في عدن لتأمين القصور الرئاسية وتحركات الرئيس وقيادات المجلس الانتقالي)، وسحب الأسلحة الثقيلة من الطرفين. وبحسب التقارير الميدانية، فإن هذه المرحلة قد نفذت بالفعل.

والثانية، إعادة الانضباط في المناطق التي سيتم سحب القوات منها، من خلال تشكيل قوة أمنية لحماية المنشآت خلال شهر من بدء تنفيذ الاتفاق ستكون ملحقة بوزارة الداخلية. والثالثة، إعادة الانتشار وهيكلة القوات، من خلال توحيد القوات العسكرية وتنظيمها في مناطق عدن وحضرموت وأبين ولحج، تحت قيادة وزارة الدفاع، وستستغرق شهرين تقريباً لتنفيذها.     

2-  تقاسم السلطة: بإعلان حكومة "المناصفة والمحاصصة" التي تتشكل من 24 وزيراً بين الشماليين والجنوبيين، يمكن القول إنه تم تجاوز العقبة الرئيسية المتمثلة في عملية "تقاسم السلطة" والتي كانت سبباً في تعثر تنفيذ الاتفاق منذ توقيعه في نوفمبر 2019. ويمكن تقسيم هذه العملية إلى ثلاث مستويات: الأول، المناصفة الجهوية،حيث حصل الجنوبيون على 13 حقيبة وزارية مقابل الشماليون الذين كان من نصيبهم 11 وزارة، دون أن يعد ذلك إخلالاً بمبدأ المناصفة، لاسيما أن الرئيس عبد ربه منصور هادي ارتأى منح وزارة الخارجية لأحمد عوض بن مبارك وهو جنوبي، حيث ينظر إليه باعتباره شخصية قومية عابرة للجهوية.

وبالنسبة لتوزيع الحصص الوزارية، فكان للجنوبيين النصيب الأكبر من الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية) يقابلها (الدفاع) للشماليين، وهى من نصيب الرئيس في التسميات، حيث أعيد تسمية الفريق الركن محمد المقدشي وزيراً للدفاع.

أما الحقائب الخدمية فوزعت مناصفة بين الطرفين (الشرعية والانتقالي)، وكان نصيب الشماليين منها (الاتصالات والإعلام والصحة والتعليم العالي والبيئة وحقوق الإنسان والإدارة المحلية والأوقاف)، مقابل وزارات (الشباب والرياضة والنقل والزراعة والثروة السمكية والشئون الاجتماعية والخدمة المدنية والتعليم الأساسي والتخطيط) للجنوبيين، وعلى المنوال ذاته وزعت حقائب المجموعة الاقتصادية والتي حصل فيها الجنوبيون على حقيبة (النفط والمالية) مقابل (الصناعة والتجارة) للشماليين.

والثاني، المحاصصة الإقليمية، إذ حصل إقليم عدن (عدن – أبين – لحج - الضالع) على النصيب الأكبر بواقع 7 حقائب وزارية، متقدماً على إقليم حضرموت الجنوبي (المكلا – المهرة – شبوه – سقطرى) بوزارة واحدة. أما أقاليم الشمال الأربعة، فوزعت بينها الـحقائب الـ11 المخصصة للشمال، وكان لإقليم الجند (تعز -إب) الحصة الأكبر بنحو 7 حقائب، فيما حصل إقليم أزال (صنعاء- صعدة- عمران- ذمار) على 3 حقائب، ومنحت حقيبتان فقط لإقليم سبأ (الجوف- مأرب- البيضاء) بينما لم يحصل إقليم تهامه (الحديدة – ريمة – المحويت – حجة) على أى حقائب وزارية، ربما على خلفية أن مركز الإقليم، وهو الحديدة، تسيطر عليه المليشيا الحوثية.


 

والثالث، المحاصصة الحزبية، حيث راعى التوزيع الأوزان الحزبية بحصول كل تيار سياسي على نسبة تتماشى مع هذا الوزن، ومن بينها حزب المؤتمر الشعبي العام – القطاع الموالي للشرعية- وأحزاب الإصلاح والاشتراكي ومؤتمر حضرموت والناصرى والرشاد. 

3- وقف التدهور الاقتصادي: هناك ملفان في هذا الشق: الأول، تهيئة الأجواء لعمل الدولة من الجنوب بشكل سلس يسمح بإدارة مواردها، بما يضمن جمع وإيداع جميع إيراداتها، بما فيها الإيرادات النفطية والضريبية والجمركية، في البنك المركزي في عدن، والصرف بموجب الميزانية المعتمدة وفق القانون اليمني، وربما الأهم وضع حد لنزيف العملة المحلية في إطار سعر الصرف مقابل العملات الأجنبية.

والثاني، احتواء تردي الأوضاع الاقتصادية في الجنوب، والذي انعكس في تعطل صرف الرواتب، وانهيار البنية التحتية، وتراجع الخدمات بشكل عام في كافة المناطق المحررة. وعلى الأرجح، فإن توجيه الدعم الخليجي والدولي إلى الداخل اليمني وتحديداً للبنك المركزي في عدن سينقذ الوضع الاقتصادي المنهار، إضافة إلى أن وجود الحكومة في عدن وتولي الجنوبيين معظم الحقائب الاقتصادية سيسهم في إعادة تشغيل قوى الإنتاج المعطلة بسبب الأزمة.

تداعيات مباشرة

ربما يفرض تنفيذ الاتفاق الخاص بالملف الجنوبي تداعيات مباشرة على مستقبل الأزمة اليمنية بشكل عام، يتمثل أبرزها في:

1- تجاوز عقبة تعدد الأزمات: ضاعفت الأزمة الجنوبية من أزمات اليمن التي كانت منحصرة من قبل في الانقلاب الحوثي على الشرعية (سبتمبر 2014)، بل إن بعض المراقبين كانوا ينظرون للأزمة الجنوبية على أنها "انقلاب ثانٍ" على الشرعية، من منظور مساعي المجلس الانتقالي الجنوبي إلى اكتساب شرعيته كسلطة مستقلة. وفعلياً اقترب الانتقالي من هذه الخطوة بإعلان الإدارة الذاتية لعدن في 25 إبريل 2020، إلا أنه لم يلق تأييداً إقليمياً أو دولياً، فيما اعتبرته الحكومة الشرعية إضعافاً لمسار الوحدة، وخاض الطرفان بعد هذا الإعلان مباشرة جولة تصعيد مسلحة كانت الأعنف من بين ثلاث جولات )الأولى هى معركة عدن في أغسطس 2019 قبل إبرام الاتفاق، والثانية هى معركتى آبين في مايو ونوفمبر 2020). لكن هذا المسار الانفصالي تراجع مرحلياً مع الإعلان عن تشكيل حكومة مشتركة.  

2- تعزيز نفوذ الشرعية: مثّل الصراع بين الشرعية والانتقالي خصماً من مساحات السيطرة الفعلية للأولى على الأراضي المحررة، وبالتالي يوفر إنهاءه قيمة مضافة لمساحة نفوذها. وهنا، فإن هذا المتغير لا يتعلق بالأزمة الفرعية الخاصة بالملف الجنوبي فحسب، إذ أن عودة الحكومة، وفق تشكيلها الجديد، لا تقتصر على الجنوب، وإنما تمتد إلى المناطق المحررة، حيث ستُمنح السيطرة على ما يقارب من ثُلثى مساحة البلاد (إقليم عدن وحضرموت) والنصيب الأكبر من أقاليم (سبأ والجند) وقطاع من الشريط الساحلي في الغرب الواقع بين إقليمى (تهامه والجند) مقابل الميليشيا الحوثية التي تسيطر على إقليم أزال وفي القلب منه العاصمة صنعاء، وبعض قطاعات من باقي الأقاليم المحيطة به لاسيما إقليم تهامه، حيث تسيطر على عاصمته الحديدة بشكل رئيسي.

3- إنهاء "حالة" حكومة المهجر: منذ اندلاع الأزمة (سبتمبر 2014) تحولت عدن إلى "العاصمة الثانية" للبلاد. وبعد تحرير الجنوب من تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح فى إبريل- مايو 2015، بدأت الحكومة تتردد على عدن بشكل متقطع، مع الاستمرار في إدارة الأمور عن بعد في الرياض. ومن المتصور أن الحكومة لم تدرك المتغيرات التي فرضتها تلك الحرب وفى مقدمتها هاجس الجنوبيين من إرث حرب الوحدة (مايو 1994)، إضافة إلى تشكل خريطة سياسية للجنوب مع تغير موازين القوى السياسية والصعود المتفرد للانتقالي، والذي قاد إلى تشكيل مجلسه السياسي (مايو 2017) وتحوله تدريجياً إلى سلطة إدارة فعلية لعدن لملء الفراغ الحكومي، على نحو شكَّل مساحة تعارض مصالح بين الطرفين، أفضت في الأخير إلى منع الانتقالي للحكومة الشرعية، بما فيها الرئيس هادي، من التوجه لعدن، وبالتالي كان هدف الاتفاق الرئيسي هو إنهاء الانقسام السياسي وإعادة الحكومة للعمل من عدن.

4- احتواء الدعوات الانفصالية: قادت تداعيات الأزمة بين الشرعية والانتقالي إلى صعود سيناريو تقسيم البلاد، وليس مجرد سيناريو الانفصال بين شطريها الشمالي والجنوبي. فقد رفض "مؤتمر حضرموت الجامع"- الذي يمثل إقليم حضرموت سياسياً- الانضواء تحت مظلة الانتقالي، كرد فعل على إعلان الأخير الإدارة الذاتية في إبريل 2020، كما هدد المؤتمر بأنه إن لم يبق تحت راية الشرعية فقد يذهب إلى الانفصال، ودفع هذا المسار قوى انفصالية أخرى للصعود على الساحة في المهرة، على سبيل المثال، وبالتالي فإن دخول الاتفاق حيز التنفيذ سيؤدي إلى خفوت الدعوات الانفصالية التي تنامت بسبب تصاعد الصدام بين الشرعية والانتقالي.

5- القابلية للتعميم: الشائع فى الأزمة هو عدم تنفيذ مخرجات أى اتفاق، لكن دخول اتفاق الرياض حيز التنفيذ سوف يغير ذلك، وبالتالي يمكن القول إن الاتفاق يمثل نموذجاً للشراكة الوطنية القابلة للتعميم حتى مع الحوثيين، خاصة وأن هناك إرهاصات عديدة لذلك، كان أبرزها اتفاق السلم والشراكة (سبتمبر 2014) الملحق بالمبادرة الخليجية (إبريل 2011) والذي فتح الباب أمام مشاركة الحوثيين في السلطة قبل انقلابهم مباشرة.

كما أجرت الرياض والميليشيا الحوثية مفاوضات ثنائية مباشرة في أكثر من جولة خلال عام 2016 وفق ما أعلن عنه وزير الخارجية السعودي آنذاك عادل الجبير، وأقرت الأولى هدنة من طرف واحد في إبريل 2020 لتحفيز الأخيرة على الانخراط في عملية التسوية السلمية التي ترعاها الأمم المتحدة، لكن يظل هذا الأمر رهن موقف إيران من عملية الانخراط الحوثي في تسوية من هذا النوع، والالتزام بمخرجاتها إن تمت. 

تحديات محتملة

في مقابل ذلك، يواجه تنفيذ الاتفاق تحديات عديدة لا تبدو هينة، ويتمثل أبرزها في:   

1- صعوبات التطبيع السياسي: لا يزال من المبكر القول بأن الاتفاق هو انعكاس لإرادة سياسية حقيقية بين المكونات المتنافرة أيديولوجياً وسياسياً بحكم طبيعتها، وأن تلك القوى طوت صفحة الصراع فجأة، بقدر ما يمكن القول بأن مصالح تلك القوى وضغوط تحالف دعم الشرعية هى التي فرضت عملية الشراكة السياسية. فجذور هذا الصراع تمتد إلى حقبة الحرب الأهلية التي سميت بـ"حرب الوحدة"، وأغلب أطراف اتفاق الرياض هم أطراف تلك الحرب، وبالتالي فإن "إرث الثأر" بين تلك القوى لا يزال متغيراً مؤثراً، وسرعان ما يتم استدعاؤه مع أول مؤشر للخلاف.

فقد فتح تشكيل الحكومة، على سبيل المثال، نافذه لعودة حزب الإصلاح "الإخوان المسلمين" في المشهد الجنوبي بعد أن سعى الانتقالي لإخراجه عبر الصدام مع الحكومة الشرعية، وكان جوهر الصدام هو حرب وجودية بين الانتقالي والإصلاح، ويتعلق بصدام تاريخي تحاول اتجاهات عديدة تأطيره حالياً باعتباره أحد أوجه تباين وجهات النظر داخل تحالف دعم الشرعية، ولكن في حقيقة الأمر، فإن نشأة الإصلاح وتحالفه مع النظام الشمالى بقيادة علي عبد الله صالح في مطلع تسعينيات القرن الماضي كان الهدف منه بناء قوة إسلامية معارضة لليسار الحاكم في دولة الجنوب ما قبل الوحدة. وفي المقابل، فإن جوهر الانتقالي هو مجموعة حركة "حتم" (حق تقرير المصير) التي أسسها عيدروس الزبيدي عام 1996 – بعد عامين على حرب الوحدة - والذي أسس الانتقالي ويترأسه حالياً. وبمعنى آخر، فإن إرث العداء التاريخي والتعارض الأيديولوجي يقلص من احتمالات توافق الطرفين، وذلك فضلاً عن باقي العدائيات الأخرى التي تشكلت خلال الممارسات السياسية في السنوات الثلاثة الأخيرة منذ نشأة الانتقالي سياسياً عام 2017، وبدعم شعبي كقوة انفصالية بالأساس.

2- إشكالية النموذج: يمكن النظر إلى المحاصصات السياسية والجهوية التي اعتمدت في التشكيلة الحكومية باعتبارها نموذجاً للتوزيع المتوازن للسلطة، لكن في ضوء خبرات الممارسة السياسية، لم تثبت هذه العملية جدواها في العديد من الحالات الإقليمية. فقد تعثرت في العراق، كما لم تنجح في لبنان، حيث أفرزت الممارسة حالة من الاستقطاب السياسي داخل حكومات المحاصصة أعادت إنتاج الأزمات السياسية بأشكال أخرى، في ظل سعى الأطراف إلى بناء توازنات جديدة.

وحتى في ضوء الخبرة التاريخية اليمنية، فمن المتصور أن جميع الأطراف ستوظف هذا التطور، تكتيكياً، لصالح استراتيجيتها الرئيسية التي تتقدم على أى استراتيجية أخرى، خاصة في ظل تصارع الأجندات الأيديولوجية، وهو ما يعني أن القاسم المشترك الذي ساهم في تمرير الاتفاق هو حاجة كافة الأطراف للتحالف، من منظور المصلحة الخاصة، وليس من منظور المصلحة الوطنية في المقام الأول، الأمر الذى يفرض على التحالف عبء مراقبة أداء الأطراف والتدخل بشكل مستمر لمعالجة أى انحراف عن الأهداف التي أبرم لأجلها الاتفاق وفي مقدمتها الإبقاء على الحد الأدنى من مظاهر الشراكة السياسية.

3- غياب الشراكة الحقيقية: وتتعلق بالهيكل البنيوي لأطراف الاتفاق. إذ يمكن القول إن الحكومة تشكل محور توافق سياسي بين مختلف الأطراف، أو واجهة للشراكة السياسية، لكن لا توجد قاعدة سياسية حقيقية يمكن أن يتأسس عليها بنيان أكثر صلابة للشراكة الوطنية والسياسية. فعلى سبيل المثال، فإن القوى الجنوبية ليست ممثلة في البرلمان الذي ستؤدي الحكومة أمامه اليمين الدستورية، بل إنها لا تعترف به من الأساس باعتباره الامتداد الطبيعي لبرلمان 2003 في عهد النظام السابق، وهو ما أكدته قيادات جنوبية عديدة، بل إن طرح نقل مقر البرلمان من سيئون إلى عدن كان مثار خلاف واسع بين الأطراف حتى في ظل دخول اتفاق الرياض حيز التنفيذ.

وقياساً على ذلك أيضاً، فإن عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة، بين الانتقالي والشرعية، يصعب أن تتم بالشكل المتعارف عليه في برامج "الإدماج" (DDR) وإصلاح قطاع الأمن (SSR) (عملية بنائية جديدة تسمح بإدخال القوى غير النظامية إلى المنظومة العسكرية وفق ضوابط محددة وإقصاء غير الصالح منها، كأدوات متكاملة لبناء الدولة في مراحل ما بعد الصراعات، حيث تحتكر الدولة استخدام القوة داخلياً وخارجياً)، بينما في الحالة اليمنية يبدو الوضع مختلفاً، خاصة أن الدولة ليست هى المحتكر الوحيد للقوة، كما أن حالة الازدواجية لن تتغير، على الأرجح، في ظل وجود قوات تابعة للانتقالي لديها استقلالية عن قوات الشرعية، رغم أنها ستدار عملياً عبر التحالف في إطار "القوة المشتركة". 

4- معضلة التوظيف: وترتبط بتوجيه فائض الجهد العسكري للمواجهة مع الحوثيين كأحد الأهداف التي نص عليها الاتفاق. ويعتقد أن هذا السياق ينطوي على قدرٍ هائل من التحدي، خاصة في المرحلة الأولى من الاتفاق، مع انصراف الأطراف إلى عملية صياغة الترتيبات الخاصة بإعادة الانتشار، فضلاً عن الترتيبات السياسية، وتشكيل قوات تأمين حدود للمناطق المحررة بما فيها الجنوب، خاصة فى ظل محاولات الحوثيين الاستباقية لمد جبهة الحرب باتجاه الجنوب، لاسيما في محافظات مثل الضالع والبيضاء، بدعم إيراني، وهو ما عكسته العمليات التي وقعت مؤخراً ضد الملاحة البحرية وطالت سفينتين يونانية وبريطانية في 25 نوفمبر و5 ديسمبر 2020 على التوالي.

فضلاً عن ذلك، فإن هناك سياقاً تاريخياً حاكماً للعلاقة بين الجنوب وتعز منذ حرب الوحدة يمثل عقبة أمام تدخل الجنوبيين عسكرياً فى جبهة تعز التي تشهد معركة بين الحوثيين والشرعية، إضافة إلى المخاوف من الارتدادات العسكرية الحوثية باتجاه الجنوب مرة أخرى، لاسيما وأنه لم تتشكل بعد حالة من الثقة بين الانتقالي وقوات الشرعية، ما يعني أن حسابات الأول ستتجه إلى عدم المغامرة بدخول مواجهة من هذا النوع، لكن في الحد الأدنى يكفي أن نزع فتيل التصعيد بين الشرعية والانتقالي أوقف، في حد ذاته، حالة استنزاف عسكرية كان الحوثيون هم الطرف المستفيد منها.

في النهاية، يشكل دخول اتفاق الرياض حيز النفاذ فرصة لتصويب الانحراف الذي شهدته الأزمة اليمنية بشكل عام، بإنهاء الخصومة السياسية بين طرفى الأزمة الجنوبية، في حلقتها الأخيرة، كما يوفر فرصة لتمهيد الطريق نحو تسوية الصراع التاريخي في الجنوب، والذي يعود إلى عقود من الزمن ترسخت فيها الثأريات وصراع الأيديولوجيات والتصدع الجهوي والتنافس السياسي.

 فضلاً عن ذلك، فإن رأب الصدع الداخلي بين القوى اليمنية يشكل فرصة للتحالف لإعادة ترتيب الجبهة الداخلية ووقف نزيف الصراع والصدام المسلح بين حلفاءه المحليين، ويوجه رسالة للقوى الدولية بأنه يملك أدوات لترميم أزمات اليمن، وتغيير الانطباع السائد تجاه الحالة اليمنية بشكل عام والذي يقوم على أن الاتفاقيات وضعت لكى يتم انتهاكها وعدم الوفاء بمخرجاتها.

لكن على الجانب الآخر، يمكن القول إن دخول الاتفاق حيز التنفيذ هو بداية اختبار لمسار جديد بين أطرافه، حافل بالفرص والتحديات في الوقت ذاته، حيث ستكون نتيجة هذا الاختبار محدداً رئيسياً لأحد اتجاهين: فإما نقطة انطلاقة للخروج من الأزمة اليمنية وإما بقائها في المربع الأول.

طباعة
أحمد عليبة

صحفي بمؤسسة الأهرام