متابعات تحليلية

مسار التسوية الليبية: إشكاليات التعثر وسيناريوهات الخروج من المأزق

أحمد عليبة * 4638 20-12-2020
طباعة

انطلق ملتقى الحوار الليبي الشامل في منتجع "قمرت" التونسي في التاسع من نوفمبر 2020، برعاية الأمم المتحدة لتسوية الأزمة الليبية، ووضع حد لدورة المراحل الانتقالية المتعاقبة عبر عقد كامل لم تساهم أي منهافي تحقيق الاستقرار، مخلفة صراعات وانقسامات حادة انعكست على كافة مؤسسات الدولة ومكوناتها السياسية والاقتصادية والأمنية. وجاءت الانطلاقة بعد عملية معقدة استغرقت ما يقرب من شهرين لإتمام الجانب الإجرائي كاختيار موقع الملتقى، واختيار 75 عضواً يمثلون كافة الأطياف الليبية (بينهم سياسيين ينتمون للنظام السابق للمرة الأولى)، ووضع جدول أعمال لاختيار أعضاء المناصب العليا في السلطة، وتحديدا أعضاء المجلس الرئاسي والحكومة. 

وتقسم الأمم المتحدة ملف التسوية الليبية إلى ثلاث مسارات رئيسية (سياسي، اقتصادي، عسكري)، واستثمرت البعثة الأممية لدى ليبيا التي تدير الحوار مخرجات عدة لقاءات تمهيدية قبيل إطلاق المسار الشامل في تهيئة الأجواء لدفع هذا المسار، كان أبزرها جولات جمعت الفرقاء الليبيين في أربع محطات رئيسية، هي: لقاء "مونترو" في سويسرا (7 سبتمبر 2020) والذي توازى مع إعلان وقف شامل لإطلاق النار بين الفرقاء الليبيين، ما كان له أثرة في إزاحة العقبة الرئيسية لإطلاق العملية السياسية، ولقاء الغردقة في مصر (27 سبتمبر 2020) والذى وضع خريطة طريق لعمل اللجنة العسكرية الليبية (5+5)، بالتزامن مع إطلاق حوار  "بوزنيقية" المغربي لاختيار أعضاء المناصب السيادية. تلاه في وقت لاحق إطلاق حوار اللجنة الدستورية في القاهرة (11 أكتوبر 2020).

وبعد ما يقارب من شهرين ونصف الشهر على إطلاق هذا المسار، يتراجع التفاؤل في إمكانية إنجاز خريطة طريق لمرحلة انتقالية جديدة فى ليبيا فى المدى الزمني الذى كان متوقعاً فى الفترة ما بين شهري نوفمبر وديسمبر 2020؛ فعلى الرغم من الحراك المستمر فى كافة مسارات الحوار إلا أن الإنجاز على كافة المسارات لا يزال محدودا للغاية،فأغلب المسارات الفرعية شهدت تعثراً ، كمسار توحيد البرلمان، فعلى الرغم من انعقاد جلسة مكتملة النصاب في "غدامس" تنفيذاً لمخرجات لقاء "طنجة" المغربية المتوافق عليها في نهاية نوفمبر المنقضي، إلا أنه عقدت جلسات موازية بين "غدامس" و"بنغازي". وبالتعبية تجمد المسار الفرعي الخاص باللجنة الدستورية. كما تتنامى الشكوك حول فاعلية مسار (5+5) العسكري بفعل خرق تركيا وحكومة الوفاق لمقررات وثيقة "مونترو" التي أكدت على وقف تدفقات الأسلحة والعمل على إنهاء وجود المرتزقة الأجانب في غضون ثلاثة أشهر. كما لا تزال أنقرة تبرم المزيد من الاتفاقيات العسكرية مع الوفاق، وسط مخاوف من أن تفضي هذه المظاهر إلى إهدار إنجاز وقف إطلاق النار، لاسيما في ظل عملية تحشيد المرتزقة والميليشيات على خطوط التماس مع الجيش الوطني الليبي، وإعلان نوايا الطرفين إطلاق مناورات مشتركة.

وعلى التوازي يتعثر مسار الحوار السياسي الشامل في تونس في ضوء الفشل في حسم اختيار آلية واحدة من بين أربع آليات طرحتها البعثة الأممية لانتخاب أعضاء السلطة التنفيذية، وهي :

الآلية الأولى: هي المجمعات الإقليمية الثلاثة (طرابلس– برقة– فزان)، هي التي تحسم الانتخابات الخاصة بالرئاسي، على أن يحسم الملتقى السياسي عملية اختيار رئيس الحكومة، حيث يتم اختيار رئيس المجلس الرئاسي وأعضائه من خلال حصول المرشح  على ما لا يقل عن خمس تزكيات من الإقليم المرشح فيه، أو أن يحصل على تزكيات من كافة الأقاليم بواقع 4 تزكيات للجنوب 5 للشرق و7 للغرب. وإذا جرت تسمية مرشح واحد في إقليم ما يُعتبر هذا المرشح فائزا في ذلك الإقليم.ويُعين الرئيس من بين الأعضاء الثلاثة الفائزين من الأقاليم، بشرط أن يكون من الإقليم ذي العدد الأكبر من السكان والمختلف عن إقليم رئيس الوزراء. وعلى التوازي تجري عملية اختيار رئيس الوزراء الذى يتطلب ترشحيه الحصول على ما لا يقل عن 15 تزكية من أعضاء الملتقى. ويُجرى التصويت في الجلسة العامة على جولتين. وعلى الفائز أن يقوم باختيار نائبين له من إقليمين مختلفين أحدهما امرأة، وهو ما يُتبع في كافة الآليات. 

الآلية الثانية: وتعتمد على جولتين لاختيار رئيس المجلس الرئاسي وأعضاؤه، الأولى تتم في الأقاليم، ويجري فيها اختيار مرشحين اثنين (بنفس التزكيات التي تتضمنها الآلية الأولى)، ومن يقع عليهم الاختيار  من كل إقليم يصعدان للتصفية في الجلسة العامة لاختيار واحد من كل إقليم، باستثناء أن يفوز شخص واحد يعتبر فائزاً بالتزكية. بينما يجري اختيار رئيس الوزراء ونوابه بنفس الطريقة المتبعة في الآلية الأولى عبر التصويت المباشر في الجلسة العامة.

الآلية الثالثة: يتم اختيار المجلس الرئاسي بالتصويت المباشر في المجمعات الانتخابية دون الحاجة للتصويت في الجلسة العامة للملتقين وبنفس الآليات المتبعة في التصويت في المجمعات، بينما يتم اختيار  رئيس الوزراء عبر جولتين، الأولى في المجمعات الإقليمية الثلاثة، على أن يتم التصويت على جولتين في الجلسة العامة للملتقى.

 الآلية الرابعة: وهي آلية الانتخاب بالقائمة، حيث يتم إعداد قائمة من أربع أسماء تتضمن كافة المناصب (الرئاسي ونوابه ورئيس الوزراء) ويتعين على القائمة الواحده الحصول على تزكيات 15 عضواً من الجلسة العامة للملتقى، ويتم التصويت على القوائم في الجلسة العامة، في جولات متتالية حتى تفوز واحده منها فقط.

وبعد جولتين من التصويت على الآليات، جرت الجولة الأولى في  3 ديسمبر 2020، وأسفرت عن اختيار الآليتين الثانية والثالثة بواقع 39 صوتاً للثانية، و 24 صوتاً للثالثة، من إجمالي 71 صوتاً من أعضاء الملتقى. بينما لم تُحسم الجولة الثانية ( 15 ديسمبر الجاري) اختيار واحدة من تلك الآليتين، الأمر الذى دفع البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة استشارية لتذليل عقبات هذا الإخفاق، خاصة بعد إعلان 30 عضواً رفضهم التوقيع على التصويت، وبالتالي يتبقى 41 عضوا فقط من بين 71 عضوا مشاركين فعلياً (من إجمالي 75 عضوا، فقد توفي عضو، وانسحب آخر في بداية إطلاق الحوار اعتراضاً على تشكيلة البعثة للأعضاء بغالبية للمكون الإسلامي، وتغيب اثنين لم تستطيع البعثة الوصول إليهما وفق بيان لها) ما يعني أن أي من الآليتين لن تصلا إلى عتبة الحسم المطلوبة ( 75 % في الجلسة العامة للملتقى الشامل).

إشكاليات ثلاث

يعكس أداء القوى المنخرطة في الحوار برعاية أممية وجود ثلاث إشكاليات رئيسية تسهم في عرقلة المسارات المطروحة على طاولات الحوار.

الاشكالية الأولى: تعارض المصالح

يبدو أن مسارات التسوية تحولت إلى حلبة سباق حادة التنافس بين القوى المنخرطة فيها؛ فهندسة مناصب السلطة وفق القواعد المقررة تنطوي على تكتلات مركبة، سياسية وجهوية وأمنية،أفرزتها موازين القوى التي تشكلت خلال مرحلة الصخيرات على مدار الخمس سنوات الماضية. وقد وصفت "ستيفاني وليامز" ممثل البعثة الأممية بالإنابة هذا الوضع بـ"فوضي السلطة". وبالتعبية يصر كل طرف على تمرير مشروعة الخاص، انطلاقاً من دافع رئيسي تتبناه غالبية الأطراف،ومفاده أن المرحلة الانتقالية المحددة زمنياً بـ18 شهراً هي القاعدة المؤسسة للمستقبل السياسي للبلاد، وبالتالي يسعى الجميع إلى استثمارها لصالحه. وتتداعىآثار هذه الحسابات على مسارات التسوية بشكل مباشر، حيث يتم التعامل معها كحزم واحدة، ومن ثم فإن حدوث انفراجهفي أي منها ينعكس على باقي المستويات، والعكس صحيح؛فحتى المسارات التي تحددت آلياتها، مثل مسار توزيع المناصب السيادية المعتمد في المغرب الذي حسم الآليات لكنه لم يحسم الأسماء ترقباً لما يجري فى الحوار الشامل، وكذلك البرلمان الذى كاد أن يصل إلى عتبة إنهاء الانقسام بشكل جذري لكنه تراجع على خلفية انكشاف الهدف من لقاء "غدامس "الأول وهو الإطاحة برئيس البرلمان عقيله صالح فى خطوة استباقية تهدف إلى تقويض فرصته في ترأس المجلس الرئاسي. وهكذا، في أغلب المسارات.

الإشكالية الثانية: الاستقطاب الخارجي

هذا الاستقطاب تنعكس مظاهرهعلى كافة المسارات. وكان أبرز مؤشرات هذه الإشكاليةما حدث مع إطلاق الحوار ملتقى تونس، حيث تنامى الحديث عن دور المال السياسي الفاسد (بتعبير البعثة الأممية)،والتمويل الخارجي،فى التأثير على عملية التصويت لانتخاب المناصب.وكان لهذا الاتجاه أثر رئيسي فى عرقلة مسار الحوار، لاسيما ما يتعلق بتحديد آليات الانتخاب؛ فقد تم تحديد عدة خيارات فى بداية الأمر مرجعيتها "إعلان القاهرة" ومبادرة عقيله صالح، إلا أن هذا المسار انحرف بفعل حدة الاستقطابات، والتي أفرزت تكتلات داخل الحوار يعصب على أي منها أن تحقق الحد الأدنى لمنح أي من الخيارات المتاحة لآلية حسم المناصب النسبة المطلوبة. كذلك لا يبدو أن تراجع فايز السراج -الرئيس الحالي للمجلس الرئاسي- جاء من خارج خط الاستقطاب الخارجي، خاصة المطبخ التركي الذى يدير تكتل الوفاق فى الحوار عن بعد ومن خلال اتباع تكتيك الإنهاك للوصول إلى المسار الذى يحقق مصالح هذا الطرف؛ فالهدف من هذه المناورة واضح كخطة بديله لإعادة إنتاج الوفاق بالتمديد، مع تثبيت مواعيد الانتخابات، وهي الخطة التي كان السراج قد اقترحها بعد زيارات متكررة ومتقاربة زمنياً إلى أنقرة خلال الصيف الماضي، ويعمل التكتل المقرب منه على محاولة تمريرها كخطة بديلة لانسداد أفق المسار الحالي، وإن كانت لا تحظى بتوافق كامل من الوفاق؛ فغالباً لا يدعمها فتحي باشأغا وزير داخلية الوفاق المرشح لرئاسة الحكومة، فى ظل الخلاف المكتوم بينه وبين السراج.

الاشكالية الثالثة: استراتيجية البعثة الأممية

تعتمد البعثة الأمميةاستراتيجيةمعقدة فيإدارة الحوارات، ساهمت فى إطالة أمد المسار، ما يمنح الأطراف فرصة للمناورة، فضلا عن تعزيز هامش التدخلات الخارجية فى التأثير على مجرياته، على الرغم من إدراكها لذلك، وهو ما كررته "وليامز" فى إفاداتها الأممية بقولها "إن الوقت ليس فى صالح الليبيين"، فقد أدت استراتيجية "التسوية من أسفل" وتفكيك الملفات، واتباع سياسية الخطوة خطوة، إلى تشعب الحوار من مسارات رئيسية إلى مسارات فرعية، وتحولت المسارات الفرعية إلى لجان استشارية، وبالتالي استغرقت فى تفاصيل يصعب التحكم فيها أو السيطرة عليها فى المدى الزمني المطلوب. كذلك، لم تترجم البعثة تحذيراتها للحفاظ على ما تم إنجازه إلى واقع؛ فعلى سبيل المثال لم تُفعل علمياً خطة الـ90 يوميا لإجلاء المرتزقة الأجانب، وكذلك الأمر بالنسبة لاستمرار تدفقات الأسلحة التركية إلى ليبيا.

ومن اللافت فى ضوء استعراض هذه الإشكاليات، لاسيما الأولى والثانية،أنها ليست طارئة على طبيعة التفاعلات السائدة والحاكمة للمشهد الليبي بشكل عام طيلة السنوات الماضية، والتي ترسخت بمرور الوقت لتشكل سلوكا ممنهجا للفاعلين في الأزمة الليبية على الصعيدين الخارجي والداخلي غير قابلة للتغير، وهو ما يمكن أن نستنج منه أن تراجع "المشروع الوطني" كأولوية، لصالح تصدر المشروعات الخاصة ببعض القوى، لاسيما المدعومة منها خارجياً، في حين أن ما يُطلق عليه مجازاً "التيار الوطني" يبدو أن أدواته محدودة للغاية فى ظل تأثير أدوات الطرف المقابل.

سيناريوهات الخروج من المأزق الراهن

يمكن القول، إنه على الرغم من تعثر مسارات الحوار إلا أنها لم تصل بعد إلى حالة الفشل التام، وبالتالي لا يزال هناك رهان على الإنجاز حتى وإن استغرق ذلك مزديا من الوقت والجهد.وفى هذا الإطار، يمكن طرح بعضالسيناريوهات المحتملة.

1- سيناريو الإنقاذ

يمكن أن يحدث ذلك بتحقيق اختراق نوعي في المسار الشامل من خلال حسم آلية اختيار أعضاء السلطة، ويبدو أن هذا السيناريو أصبح مسارا اضطراريا،لتفادي انتكاس المسار، من المتصور أن التفاعلات داخل الملتقى تسير في مسارين: الأول،خفض سقف نسبة الحسم المقررة بـ 75% كعتبة لفوز آلية واحدة من بين الأربعة المطروحة. الثاني، تغير الوزن النسبي للتكتلات، وهو سباق يجري فى الكواليس لعقد صفقات بين مختلف القوى لتأمين مصالح كل طرف قبل الوصول إلى الجلسة الثالثة.إضافة إلى توفير فائض جهد الأمم المتحدة بالتفرغ للمسار الرئيسي المتمثل فى الملتقى العام وحمسه أولا حتى ينعكس على باقي المسارات الفرعية بالتبعية. وبالتالي،تحولاستراتيجية البعثة إلى التركيز على عملية "التسوية من أعلى". كما يتطلب هذا السيناريو حدوث اختراق نوعي فى تأثير العامل الخارجي، من خلال قوى وازنة يمكنها الحد من تأثير التدخل التركي في الحوار.

2- سيناريو الحد الأدنى

هذا السيناريو وارد أيضا في حال انسداد الأفق أمام مسار التسوية حتى وإن كان أقل احتمالاً، لكن هناك مؤشرات عديدة تحاول دعم فرصه، كإعادة طرح اسم السراج. وهناك أيضا محاولة ورادة في سياق ما تم الإعلان عنه في جلسات البرلمان في بنغازي بأنه تم اعتماد سيناريو بديل فى حال فشل مسار التسوية. كذلك تلميح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى أن هناك خطة تسوية روسية بديلة للمسار الأممي، وهي محاولة متكررة على غرار ملف التسوية السورية، وإن كانت أقل حظا، لكنها تراهن على فشل المسار الأممي من جهة، وتراجع الدعم الأمريكي لمسار التسوية الليبية، من جهة أخرى، وهو سياق غير وارد لسببين، الأول أن الولايات المتحدة تلقي بثقل كبير فى هذا الملف بعد أن قطعت شوطاً كبيراً فيه، والثاني يتعلق بالتسريبات الخاصة بإتاحة المزيد من الوقت للمبعوثة الأممية بالإنابة ستيفاني وليامز لإنجاز الحوار بعد أن تم تعيين البلغاري الجنسية نيكولاي ملادينوف الأسبوع الجاري خلفاً لغسان سلامة. وتلقى واشنطن بثقلها خلف ستيفاني الأمريكية الجنسية. لكن هذا السناريو أيضا فى حال حدوثه لا يعني العودة إلى المربع الأول فى الأزمة الليبية، وإنما الإقرار بمكتسبات الحد الأدنى، وهي تأكيد مواعيد الانتخابات المقررة خلال 18 شهراً.

خلاصة القول، إن استمرار دوران عجلة مسار التسوية الليبية حتى لا تعود إلى الخلف يعتمد على القدرة على ضبط تفاعلات الحوار وترجيح موازين القوى. لكن حتى في حال حدوث ذلك، هناك نتيجة أخرى تستحق التوقف عندها، وهي أن الخبرة الليبية في ضوء تعدد المراحل الانتقالية خلقت جماعات مصالح زبائنية، أكثر مما شكلت خبرات وطنية، والنتيجة المنطقية لذلك أن تخطي عتبة خطة التسوية لا تعني بالضرورة وصول ليبيا إلى حالة الاستقرار في المدى القريب.

طباعة
أحمد عليبة

باحث - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية