يُعتبر العالم العربي من أكثر مناطق العالم التي ينتشر فيها الفاعلون المسلحون من غير الدول. وهذه الظاهرة ليست جديدة في العالم العربي، لكن الجديد الذي طرأ عليها في مرحلة ما بعد "الربيع العربي" يتمثل في الزيادة الكبيرة في عددها، خاصة في ظل تفكك أجهزة الدولة ومؤسساتها في عديد من البلدان العربية، ووقوعها فريسة لحروب أهلية طاحنة باتت تشكل تهديدًا لها في وجودها ككيانات سياسية. كما تشهد بلدان أخرى توترات وصراعات داخلية بدرجات أقل.
إلى جانب هذه الزيادة العددية، برز في مرحلة ما بعد "الربيع العربي" تنوع كبير في خريطة هؤلاء الفاعلين، وذلك من حيث الهويات والأيديولوجيات، والأهداف والاستراتيجيات الحركية، والهياكل التنظيمية ونمط القيادة، ومصادر التمويل، والقدرات العسكرية، والنطاق الجغرافي لأنشطة التنظيم، وطبيعة علاقة التنظيم مع كل من الدولة والتنظيمات الأخرى. وبسبب هذا التعدد والتنوع باتت عملية تصنيف الفاعلين المسلحين من غير الدول صعبة ومعقدة.
وفي ضوء ما سبق، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة على التساؤلات التالية: ماهي أبرز أشكال الفاعلين المسلحين من غير الدول في العالم العربي، وماهي أهم مظاهر تمدد أدوارهم، وبخاصة في مرحلة ما بعد "الربيع العربي"؟ ماهي أسباب زيادة عدد الفاعلين المسلحين من غير الدول وتصاعد تأثيراتهم في مرحلة ما بعد "الربيع العربي"؟ ما هي طبيعة المخاطر والتهديدات، القائمة والمحتملة، التي يمثلها الفاعلون المسلحون من غير الدول على الأمن الوطني والإقليمي والدولي؟ ماهي الاستراتيجيات والسياسات التي اتبعتها - وتتبعها- الدول العربية في التعامل مع الفاعلين المسلحين من غير الدول في العالم العربي؟ وماهي حدود فاعليتها؟ ماهي الآفاق المستقبلية لظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول في ضوء مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي؟