مقالات تحليلية

التوازنات الداخلية في إيران... حدود التأثر بالضغوط الخارجية

طباعة

رغم أن الضغوط الخارجية الراهنة التي تتعرض لها إيران -على خلفية العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، وتزايد الحشد العسكري الأمريكي بالقرب من حدودها، فضلا عن اتساع نطاق التوتر في العلاقات مع بعض دول الجوار خاصة بعد الاتهامات التي وُجهت لإيران بالمسئولية عن الهجمات التي تعرضت لها بعض السفن والناقلات في منطقة الخليج- ساهمت في دخول التفاعلات السياسية الداخلية مرحلة من "التهدئة"، على اعتبار أن الأزمة الخارجية الحالية تفرض تقليص حدة الانقسامات وتعزيز فرص التوافق، إلا أن ذلك يبدو مؤقتا بانتظار تبلور ظروف سياسية ربما تؤدي إلى تصاعد حدة الصراعات السياسية الداخلية، التي سوف تتحول الضغوط الخارجية إلى محور رئيسي فيها، خاصة في ظل تحفز بعض القوى السياسية إلى استغلال المعطيات التي فرضتها تلك الضغوط على الساحة الداخلية من أجل تعزيز حظوظها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر إجرائهما في عامي 2020، 2021 على التوالي.

تنافس في البرلمان

من هنا، يمكن القول إن حالة التهدئة السياسية التي تشهدها إيران حاليا ربما تنتهي قريبا، وهو ما يعكسه مؤشران رئيسيان. أولهما، عدم تمكن تيار "المعتدلين" و"الأصوليين التقليديين" من الاتفاق على مرشح واحد لرئاسة الدورة الحالية لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) التي أُجريت انتخاباتها في 26 مايو 2019، حيث تنافس كل من علي لاريجاني، رئيس الدورة المنتهية وأحد أقطاب تيار "الأصوليين التقليديين"، ومحمد رضا عارف، زعيم كتلة "أوميد" (الأمل) التي تعبر عن تيار "المعتدلين"، حيث فاز الأول بـ155 صوتا، في حين حصل الثاني على 105 أصوات.

ويعني ذلك أن التوافق السياسي الذي نجح الطرفان في تكريسه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، لم يعد يحظى باهتمام خاص من جانبهما، على أساس أن كل طرف يسعى الآن إلى إعادة ترتيب صفوفه وأنماط تحالفاته وائتلافاته استعدادا للاستحقاقات السياسية القادمة. وقد أشارت كتابات إيرانية عديدة إلى أن استمرار هذا التوافق كان من الممكن أن يحدث في حالة ما إذا عزف أحد التيارين، خاصة المعتدلين، عن المنافسة على مقعد رئيس الدورة الحالية لمجلس الشورى، وهو ما لم يحدث في النهاية.

وينصرف المؤشر الثاني إلى تزايد الضغوط التي يمارسها بعض أقطار تيار الأصوليين الراديكاليين في مجلس الشورى من أجل إقالة وزير النفط بيجن نامدار زنكنه، بحجة عدم كفائته في التعامل مع التداعيات الاقتصادية القوية التي فرضتها العقوبات الأمريكية. إذ سعى النائب هدايت الله خادمي إلى جمع توقيعات من جانب نواب المجلس لمطالبة الرئيس حسن روحاني بعزل زنكنه، على غرار ما حدث سابقا مع وزير الاقتصاد مسعود كرباسيان، ووزير العمل والرفاه الاجتماعي علي ربيعي، الذين سحب البرلمان منهما الثقة في أغسطس 2018.

ورغم أن الرئيس روحاني استجاب لضغوط البرلمان في هذا الصدد، فإنه سعى إلى تعيين بعض الوزراء الذين أطيح بهم في مناصب أخرى، مثل علي ربيعي الذي عُين متحدثا باسم الحكومة، في 25 مايو 2019. ويبدو أن ذلك مثل خطوة متعمدة من جانب روحاني من أجل تقليص حدة الانتقادات التي يتعرض لها من جانب تيار المعتدلين الذي يتهمه بعض أقطابه بعدم القدرة على دعم حلفائه أو العزوف عن منع خصومه السياسيين من شن حملات ضدهم.

ومع ذلك، ما زال الرئيس روحاني يقاوم ضغوط المحافظين لإقالة زنكنه، رغم التحفظات التي أبداها بنفسه على آليات تعامل وزارة النفط مع العقوبات، حيث يسعى حاليا إلى عدم منحهم الفرصة لتدشين مرحلة جديدة من الإقالات لمسئولي حكومته، خاصة أن ذلك يضعف من قدرة الحكومة ويشتت جهودها الرامية إلى تقليص حدة الأزمة الاقتصادية التي تصاعدت حدتها مع فرض العقوبات الأمريكية. من هنا، كان ملفتا أن يؤكد المتحدث باسم الحكومة، على ربيعي، أنه لا نية لإقالة وزير النفط الذي يمارس - وفقا له- مهام عمله بشكل اعتيادي في الوقت الحالي.

انقسام المعتدلين

لكن رغم تلك الجهود التي يبذلها روحاني في الوقت الحالي، إلا أنها لم تنجح في وقت يتراجع فيه تأييد القاعدة الانتخابية المؤيدة له، بسبب إخفاقه في التعامل مع بعض الملفات الأساسية التي حظيت باهتمام خاص من جانبها، وعلى رأسها رفع الإقامة الجبرية عن قادة ما يسمى بـ"الحركة الخضراء"؛ مير حسين موسوي ومهدي كروبي.

هذا التراجع عبر عنه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، الذي يعتبر بمثابة "الزعيم الروحي للحركة الإصلاحية"، بتحذيره، في 6 مارس 2019، من أن المناخ السياسي في البلاد أدى إلى "إحباط الشارع"، خاصة بعد فشل مشروع الإصلاحات، مشيرا إلى أنه سوف يؤدي إلى عزوف مؤيدي التيار المعتدل عن المشاركة في الاستحقاقات السياسية القادمة.

هذه التصريحات تطرح دلالة مهمة، تتمثل في أنه لا يمكن الحديث عن وجود كتلة معتدلة واحدة داخل إيران حاليا، بل هناك كتل متعددة، وربما تتحول إلى قوى متناقضة ومتنافسة في المرحلة القادمة. ويمكن التمييز بين ثلاثة أجنحة أساسية في المرحلة الحالية:

الجناح الأول، تقوده ائتلاف "أوميد" في المجلس بقيادة محمد رضا عارف، والذي يعمل حاليا على ترتيب صفوفه بهدف تجديد فوزه في الانتخابات البرلمانية القادمة.

الجناح الثاني، هو اليسار الإصلاحي، الذي يتزعمه خاتمي، ويمثله "مجمع روحانيون مبارز"، وهو الجناح الذي يتعرض لضغوط قوية في الوقت الحالي، بسبب اقترابه من "الحركة الخضراء"، حيث تسبب دعم خاتمي لقادتها في منعه من حضور المناسبات العامة أو الظهور في وسائل الإعلام، وربما السفر إلى الخارج.
الجناح الثالث، هو القوى الليبرالية التي تمردت بشكل كبير على الخطاب السياسي للإصلاحيين منذ أزمة عام 2009، التي أيدت فيها مزاعم "الحركة الخضراء" بارتكاب عمليات تزوير واسعة أدت إلى تجديد فوز الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية، على حساب مير حسين موسوي. ويمثل هذا الجناح بعض القوى التي فرضت السلطات قيودا شديدة عليها مثل "جبهة المشاركة الإسلامية"، التي كان يتزعمها محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الذي اتهم السلطات في 6 نوفمبر 2018 بتزوير الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في هذا العام، عبر إضافة 8 ملايين صوت إلى صناديق الاقتراع في وزارة الداخلية لصالح أحمدي نجاد، على نحو دفع السلطات لتقديمه للمحاكمة، في بداية يونيو 2019.

ورغم أن فرص توصل تلك الأجنحة إلى ائتلاف جديد قبل الاستحقاقات الانتخابية القادمة تبدو ضعيفة، وذلك في ظل اتساع نطاق الخلافات السياسية بينها، خاصة حول الموقف من النظام ومن أداء الرئيس حسن روحاني، إلا أن عزوفها أيضا عن التحرك من أجل تعزيز فرص المشاركة السياسية في تلك الاستحقاقات يبدو صعبا في الوقت نفسه.

نجاد جديد؟

بدأت بعض الأطراف المحسوبة على هذه الأجنحة إلى التحذير من أن ذلك سوف يعطي الفرصة للأصوليين من أجل إعادة تكريس سيطرتهم من جديد على معظم مؤسسات صنع القرار في النظام، على غرار ما حدث بداية من عام 2005، وهو العام الذي أطيح فيه بالإصلاحيين الذين تم إقصاءهم من السلطة، بعد انتهاء الفترة الرئاسية الثانية لخاتمي في هذا العام وخسارة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني -الذي دعمه الإصلاحيون- للانتخابات الرئاسية التي أُجريت في ذلك العام أمام أحمدي نجاد.

بمعنى آخر، فإن هذه الأطراف بدأت في الإشارة إلى أن عزوف المعتدلين عن المشاركة في الانتخابات سوف يعزز من احتمالات ظهور "أحمدي نجاد" جديد داخل النظام، بكل ما يمكن أن يفرضه ذلك من ضغوط سياسية عليهم. من هنا، بدأت تقارير عديدة في الإشارة إلى أن اجتماعات تُعقد من أجل تكوين ائتلاف يقوده كل من محمد خاتمي وعلى أكبر ناطق نوري (الذي نافس خاتمي نفسه في انتخابات عام 1997 وفاز عليه الأول) استعدادا للانتخابات القادمة.

صراع الأصوليين

بالتوازي مع ذلك، لا يبدو الأصوليين أكثر توافقا من المعتدلين. إذ تكشف المؤشرات أن الصراع السياسي داخل تيار الأصوليين سوف يتجدد خلال المرحلة القادمة، مع اقتراب انتخابات البرلمان والرئاسة.

وقد بدت مؤشرات ذلك جلية ومبكرة؛ إذ أشارت اتجاهات عديدة إلى أن أحد أهداف مشروع القانون الذي صادق نواب البرلمان عليه في 3 مارس 2019، والذي يقضي بمنع الترشح في البرلمان لأربع دورات متتالية، هو منع لاريجاني من تمديد بقاءه في المجلس سواء كنائب أو كرئيس للبرلمان، خاصة أنه يتولى هذا المنصب منذ عام 2008، بعد أن استبعده الرئيس السابق أحمدي نجاد من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين الإيرانيين على إثر خلاف سياسي ما زال قائما بينهما حتى الآن.

ورغم أن لاريجاني محسوب على تيار الأصوليين، إلا أن خصومه داخل هذا التيار يتزايدون بشكل تدريجي، خاصة في ظل حرصه المستمر على الوصول إلى توافق مع تيار المعتدلين ودعم تمرير المشروعات التي تتبناها حكومة الرئيس حسن روحاني. وربما يحاول خصومه عبر المشروع الجديد تقليص فرصه في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، حيث أنه ما زال يُطرح كأحد المرشحين المحتملين فيها.

ومع أن لاريجاني أشار، في بداية مايو 2019، إلى أنه لا يفكر في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، التي لن يترشح فيها روحاني، إلا أن ذلك قد يكون موقفا مبدئيا ربما يتغير مع اقتراب موعد هذا الاستحقاق لاسيما في حالة ما إذا تعرض لضغوط من جانب أنصاره من داخل تيار الأصوليين، وربما من بعض أقطاب تيار المعتدلين، للإقدام على تلك الخطوة، من أجل منع عناصر أكثر تشددا داخل تيار الأصوليين من الوصول إلى منصب الرئيس.

هذا الصراع المستمر داخل تيار الأصوليين يعود إلى أن الأخير انقسم بدوره إلى خمسة أجنحة رئيسية:

الجناح الأول، هو "الأصوليين التقليديين"، أو ما يسمى بـ"الولائيين"، والذي يقوده علي لاريجاني، وحافظ في الفترة الماضية على توافقه السياسي مع الرئيس حسن روحاني، إلا أنه تعرض لضربة سياسية لا تبدو هينة، عندما خسر أحد أقطابه -وهو على مطهري- منصبه كنائب لمجلس الشورى، في انتخابات الهيئة الرئاسية التي أُجريت في 26 مايو الفائت، لصالح النائب الأصولي عبد الرضا مصري الذي حصل على 143 صوتا مقابل 128 لصالح مطهري، حيث دائما ما كان يتعرض لانتقادات شديدة من خصوم لاريجاني، خاصة في ظل دعوته لرفع الإقامة الجبرية عن زعيمي "الحركة الخضراء" التي فرضت منذ فبراير 2011.

الجناح الثاني، يقوده تحالف "جمنا" أو "الجبهة الشعبية لتحالف قوى الثورة الإسلامية"، الذي يتطلع إلى تعزيز نفوذه داخل مراكز صنع القرار، خاصة بعد أن تم تعيين أحد أهم أقطابه -وهو إبراهيم رئيسي- في منصب رئيس السلطة القضائية، في 7 مارس 2019، خلفا لمحمود هاشمي شاهرودي الذي توفى في 24 ديسمبر 2018.

الجناح الثالث، يقوده الرئيس السابق أحمدي نجاد، ويقوم باستمرار بشن حملات ضد الجناح الأول، خاصة علي لاريجاني وشقيقه صادق لاريجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، ويحاول بدوره الوصول من جديد إلى مراكز صنع القرار، إلا أن السلطات تسعى إلى فرض عقبات عديدة أمام محاولاته في هذا الصدد.

الجناح الرابع، يتزعمه رئيس مجلس الشورى الأسبق غلامعلي حداد عادل، الذي يقود ما يسمى بـ"ائتلاف المؤثرون"، ويحاول عبره تعزيز نفوذه داخل المجلس واستعادة منصب رئيس البرلمان.

الجناح الخامس، يتبع رجل الدين المتشدد آية الله مصباح يزدي، ويسمى بـ"ائتلاف الصمود"، ويتبنى نهجا متشددا، يسعى عبره إلى تكريس نفوذه داخل تيار الأصوليين بالتوازي مع إقصاء كل الأجنحة الأخرى.

إن كل ما سبق يشير إلى أن ما تشهده إيران من تفاعلات سياسية في المرحلة الحالية يدخل في إطار "الهدوء الذي يسبق العاصفة"، حيث أنه كلما اقترب موعد الاستحقاقات السياسية القادمة، كلما بدأت الصراعات تتصاعد وتظهر إلى العلن بين الأجنحة السياسية المختلفة، على نحو يكشف أن خريطة توازنات القوى الداخلية مقبلة على تحولات بارزة خلال المرحلة القادمة.

طباعة
د. محمد عباس ناجى

رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية