مقالات تحليلية

الحسابات المعقدة في انتخابات الكنيست سبتمبر 2019

سعيد عكاشة * 1341 3-6-2019
طباعة

لم يكن حل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) الذي اُنتخب منذ أقل من شهرين، أمرًا واردًا بأي حال، ولكن المفاجأة وقعت وتمت الدعوة لانتخابات جديدة في السابع عشر من سبتمبر القادم (2019). لماذا أقدم أفيجدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتينو على تحدي ناتانياهو، وجزء لا يستهان به من الرأي العام الاسرائيلي، برفض الانضمام للائتلاف الذي كان زعيم الليكود بنيامين ناتانياهو يسعى لتشكيله، متسببا في الدعوة لانتخابات جديدة؟ لماذا لم يقاتل ناتانياهو، كما اعتاد، من أجل الإبقاء  على حظوظه في تسجيل رقم قياسي في البقاء في السلطة يتجاوز المدة التي قضاها مؤسس الدولة ديفيد بن جوريون فيها؟ وهل يضمن ليبرمان أن يتحسن موقع حزبه في الانتخابات القادمة؟ هل ستظل فرص جبهة اليمين في التحكم في السلطة في إسرائيل قائمة إذا ما ضعف ناتانياهو، أو واجه العزل بسبب احتمال إدانته في قضايا فساد واستغلال للنفوذ؟ هل يستفيد تحالف "كاحول لافن" من النزاعات التي تضرب جبهة اليمين حاليا، ويحقق المفاجأة بتولي حكم إسرائيل في الفترة القادمة؟

كل هذه الأسئلة باتت مطروحة على الساحة الإسرائيلية، وستظل حتى موعد الانتخابات القادمة. ومن الصعب تقديم إجابات حاسمة عليها جميعا في هذا الوقت المبكر؛ فالتطورات الداخلية في إسرائيل ومعها التوترات الإقليمية الحالية والتي يعتريها التغيير السريع ستؤثر حتما على إمكانية التوصل لإجابات موثوق بها لفترة طويلة. لذلك من الأفضل رصد العناصر المحتمل أن تلعب الدور الرئيسي في الحملات الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية في الفترة المقبلة لمحاولة التنبؤ بمآلات الوضع قبل موعد الانتخابات. 

أولا: من سيتحمل مسؤلية ضرب الاستقرار في إسرائيل؟

يدور الصراع مبكرا بين بنيامين ناتانياهو وافيجدور ليبرمان حول من كان وراء فشل تشكيل الائتلاف وذهاب إسرائيل إلى انتخابات حديدة؟ 

أهمية هذه المعركة تنبع من حقيقة إدراك ناتانياهو وليبرمان أن الناخب الإسرائيلي ليس سعيدا بالاضطرار للذهاب إلى صناديق الاقتراع مرتين في غضون أقل من ستة أشهر، وسيبحث عمن تسبب في هذا الوضع ليعاقبه في الانتخابات القادمة. وفِي الوقت الذي حٓمل ناتانياهو مسئولية الفشل في تشكيل الائتلاف لليبرمان بقوله، في تصريحات له في 30 مايو 2019، "إن ليبرمان مستعد من أجل بضعة مقاعد ونزوات شخصية ومبادئ غير ثابتة لجرّ دولة بأكملها إلى انتخابات زائدة تكلف مبالغ باهظة، فقد كان من المفروض اليوم أن نقدم حكومة يمينية قوية ومستقرة لمواطني إسرائيل بعد أن اختارني مليونان ونصف مليون مواطن لقيادة الحكومة والدولة، ومنحوني 65 مقعداً لتأليف حكومة يمينية، لكن شخصاً واحداً فقط هو أفيغدور ليبرمان رفض الإيفاء بوعده للناخب وأقدم مرة أُخرى على إسقاط حكومة يمينية -يشير إلى انسحابه من الائتلاف الأسبق في نوفمبر 2018- مع أنه لم يكن لديه -أي ليبرمان- نية للتوصل إلى اتفاق وأراد فقط إسقاط الحكومة". في  الوقت نفسه، حاول ليبرمان أن يرد على هجوم ناتانياهو وأن يبرئ نفسه من هذه التهمة دون أن ينفيها، حيث شدد على أنه لم يشأ خيانة الناخب الذي أعطاه ثقته بناء على برنامج الحزب الذي كان ينص على منع صدور أي تشريع يسمح بإعفاء المتدينين من التجنيد، وبالتالي فهو لم يرفض الانضمام للائتلاف الذي كان ناتانياهو يسعى لتشكيله إلا بسبب ثباته على مبادئه واحترامه لمن انتخبوه. 

ويُبين استطلاع للرأي أُجري عقب حل الكنيست أن الكفة تميل إلى تحميل ليبرمان مسؤلية الذهاب لانتخابات حديدة، حيث أوضح الاستطلاع الذي نشرته صحيفة "معاريف" في 31 مايو 2019 أن 65٪ من المشاركين في الاستطلاع غير راضين عن حل الكنيست 21 بعد شهر ونصف شهر من انتخابه، في حين قال 30٪ منهم إنهم راضون عن ذلك. وقال 46٪ إن ليبرمان يتحمل مسؤولية الذهاب إلى انتخابات مبكرة، بينما قال 35٪ إن نتنياهو هو الذي يتحمل مسئولية ذلك.

لكن لا يعني ذلك أن هذه النتائج يمكن أن تكون معبرة بدقة عن توجهات الرأي العام الإسرائيلي، حيث يظل هناك هامش الخطأ الذي تعترف به أدبيات استطلاعات الرأي العام، فضلا عن وجود نسبة من المترددين الذين لم يحسموا موقفهم. وأخيرا لا تبقى مواقف الرأي العام ثابته لفترة طويلة، وتعتمد على ما يمكن كشفه من تحركات لأطراف الصراع قبل حل الكنيست وبعده والتي قد تغير من توجهات المستطلعين على الدوام. لكن لو بقيت الأمور على حالها كما يوضحها هذا الاستطلاع، فإن فرص ناتانياهو، الذي وعد بالفوز بالانتخابات الجديدة، ستبقى كبيرة في الاستمرار في حكم إسرائيل، وقد تطيح في المقابل بليبرمان وحزبه من الحياة السياسية مستقبلا. 

ثانيا: إلى أي مدى يدرك اليمين مخاطر التشتت؟

تبين الخبرات المتراكمة منذ عقد من الزمن أن أحزاب اليمين واليمين المتشدد تحتل المكانة المركزية في الخارطة السياسية الإسرائيلية، لكن هذه المكانة يمكن أن تتعرض للانهيار إذا نظرت هذه الأحزاب إلى نفسها على أنها أحزاب متنافسة وليست متحالفة. كما تدرك هذه الأحزاب أيضا أن وجود زعيم قوي لجبهتها شرط ضروري لاستمرار بقائها كأحزاب منفردة وكقوى سياسية تشارك في السلطة. الصورة الحالية يجب أن تصيب جبهة اليمين بأطيافه المختلفة بالقلق؛ فالتنافس والصراع بدا ظاهرا داخلها في الانتخابات الماضية، حيث يعاني الليكود من "التلاسن" الحاد بين من يؤيدون ناتانياهو وبين من يفكرون في الانحياز لمنافسه "جدعون ساعر" الذي يطمح في قيادة الليكود مستقبلا. كما أن الفشل غير المتوقع لحزب اليمين الجديد (تحالف نفتالي بينت وإيليت شاكيد) في تجاوز نسبة الحسم يُبين مدى مخاطر التشتت وتبديد الأصوات التي كان يمكن أن تكون رصيدا مهما للجبهة في تشكيل الكنيست، فإذا أضفنا إلى ذلك تسبب أفيجدور ليبرمان في تقويض الائتلاف الحاكم في العام الماضي، ثم إفشاله تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات إبريل الماضي، نكون أمام وضع غير مريح لجبهة اليمين.

على الجانب الآخر، يمثل وجود بنيامين ناتانياهو كزعيم قوي شرطا مهما لتوحيد جبهة اليمين وتقليل الصراعات الداخلية فيها، غير أن ناتانياهو يتعرض حاليا لخطر المحاكمة والإدانة في قضايا الفساد واستغلال النفوذ المرفوعة ضده، وسيشكل اختفاؤه من الحياة السياسية أزمة شديدة لجبهة اليمين. كذلك، فإن الاستطلاع المشار إليه سابقا يُبين أن ناتانياهو لم يعد يحظى بقبول الرأي العام، حيث أوضح 40٪ من المشاركين في الاستطلاع انهم يرغبون في أن يكون بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة بعد الانتخابات، بينما قال 48٪ منهم إنهم يرغبون في أن يتولى شخص آخر هذا المنصب.

من أجل ذلك يبدو مفهوما لماذا يثير الكثير من المعلقين السياسيين المنتمين لليمين أهمية الانتباه قبل الانتخابات المقبلة لحل المشكلات التي تضرب جبهة اليمين؛ فيقترحون على ناتانياهو استقطاب ايليت شاكيد لقائمة الليكود في الانتخابات المقبلة، كما يحذرون من استمرار تجاهل تمثيل اليهود من أصول روسية في قائمة الليكود الانتخابية المقبلة تاركين ليبرمان وحده كممثل لهذه الفئة سياسيا، ويدعون إلى قطع الطريق على محاولات ليبرمان الحالية  ضم نفتالي بينت إلى حزبه. 

بمعني آخر، إذا استطاع ناتانياهو تحجيم الصراعات داخل الليكود وداخل جبهة اليمين، باستخدام التخويف من فقدانها السلطة، فقد ينجح ليس فقط في دعم مركزه، بل في الإطاحة بكل من يعارضونه سواء جدعون ساعر أو افيجدور ليبرمان، والعكس يمكن أن يحدث فيفشل ناتانياهو في المهمة، ويصبح استمرار حكم اليمين مستقبلا على المحك.

قدرة كاحول لافن على استغلال الوضع الراهن

لم يتمكن تكتل "كاحول لافن" -تحالف بني جانتس مع حزب يش عتيد- من إزاحة الليكود في الانتخابات الماضية، لكنه نجح في أن يحصل على عدد مساوي من مقاعد الكنيست، وهو أمر وإن كان إيجابيا في جانب منه، إلا أن وجوده في جبهة الوسط التي لا تشكل في الغالب منافسًا حقيقيًا لجبهة اليمين، يقلل من فرص النظر إليه كبديل محتمل، بدليل تجاوز الرئيس الإسرائيلي راؤبين ريفيلين إيكال مهمة تشكيل الحكومة بعد فشل ناتانياهو، بالرغم من أنه -نظريا ووفقا للقانون- كان يستحق هذه الفرصة. 

تكمن مشكلة التكتل في أنه يركز معركته على ناتانياهو بشكل شخصي ويحاول محاصرته في نقطة ضعفه البارده وهي سيف المحاكمة المحتملة له على اتهامات الفساد وسوء استغلال السلطة. ورغم أن ذلك قد يزيد الضغوط على ناتانياهو في مواجهة الرأي العام، إلا أنه ليس شرطا كافيا للحلول محل الليكود واليمين في حكم الدولة، وما لم يغير كاحول لافن من تكتيكه الأحادي ويوسع من أدواته لإقناع الرأي العام بجدارته في أن يكون بديلا، وما لم يتمكن أيضا من إقامة جسور مع بعض أحزاب اليمين المعادية لناتانياهو ليضمن تفكيك جبهة اليمين عامة... ما لم يحدث ذلك، فإن كاحول لافن قد يتعرض لخسارة بعض المقاعد التي حصل عليها في انتخابات إبريل الماضي. وحسب الاستطلاع المشار إليه سابقا سيحصل التكتل على 33 مقعدا (حصل على 35 مقعدا في انتخابات إبريل). كما أن جبهة اليمين ستحصل على 72 مقعدا مقابل 39 مقعدا فقط لأحزاب الوسط واليسار التي ينتمي لها تكتل كاحول لافن. 

ومع الأخذ في الاعتبار المحاذير التي وضعناها للثقة باستطلاعات الرأي التي تتغير أيضا نتائجها بشكل سريع، لا يبدو أن كاحول لافن يمتلك فرصة حقيقية في الانتخابات المقبلة ليكون منافسا قويا لليكود، خاصة إذا ظل على تركيزه في محاربة ناتانياهو وليس تقديم ما يقنع الرأي العام بأنه القادر على قيادة إسرائيل في المرحلة المقبلة والحرجة إقليميا ودوليا.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية