مقالات تحليلية

التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة... أهداف عديدة

طباعة

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في رفع مستوى وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط عبر نقل حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" وسفينة "يو إس إس أرلينغتون" إلى جانب قاذفات "تي 52" ومنظومة صواريخ باتريوت. ورغم أنها بررت ذلك بالاستعداد لاحتمال تحرك إيران لاستهداف مصالحها في المنطقة إما مباشرة أو عبر الإيعاز للميليشيات الموالية لها للقيام بهذه المهمة، إلا أن ذلك في مجمله لا ينفصل عن التصعيد المتبادل بين الطرفين حول البرنامج النووي الإيراني، الذي عاد إلى الواجهة من جديد بعد الإجراءات "العقابية" المتبادلة التي اتخذتها كل من واشنطن وطهران في الفترة الأخيرة، حيث فرضت الأولى عقوبات متتالية لتجفيف مصادر التمويل الإيرانية، وخفضت الثانية مستوى التزاماتها في الاتفاق النووي، خاصة على مستوى اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67% والمياه الثقيلة.

هذا التصعيد يبدو أنه لن ينحصر في البرنامج النووي فقط، رغم أهميته بالطبع، وإنما سيمتد أيضا إلى الملفات الخلافية الأخرى، على غرار برنامج الصواريخ الباليستية والأدوار التي تقوم بها إيران في المنطقة. وبدت مؤشرات ذلك جلية في اهتمام واشنطن بالعمليات التخريبية التي تعرضت لها أربع سفن تجارية في المياه الاقتصادية الإماراتية، في 12 مايو 2019، والتي لم توجه فيها اتهامات مباشرة لأى طرف حتى الآن بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات التي تجريها السلطات الإماراتية في الوقت الحالي.

تضييق الخناق

يمكن القول إن ثمة أهدافا رئيسية ثلاثة تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تحقيقها عبر الحشد العسكري الذي تقوم به في المنطقة خلال المرحلة الحالية، وتتمثل في:

1- تعزيز الضغوط: تسعى واشنطن عبر هذه التحركات إلى وضع النظام الإيراني أمام خيارات ضيقة وتقليص مساحة الحركة وهامش المناورة المتاح أمامه، عبر توجيه رسالة مباشرة له بأنها إلى جانب فرض عقوبات على الصادرات النفطية والتعاملات التجارية مع الخارج فإن الولايات المتحدة لن تتوانى عن رفع مستوى وجودها العسكري بالقرب من حدود إيران، وربما استخدام القوة العسكرية في حال ما إذا تطلب الأمر ذلك.  

ورغم أن الظروف التي قد تدفع إلى استخدام القوة العسكرية لم تتوافر بعد، فإن الإدارة الأمريكية تتصور أن اقتراب الآلة العسكرية الأمريكية من الحدود الإيرانية يمكن أن يكون له تأثير كبير على صانع القرار الإيراني. وتفيد خبرة التعامل مع إيران على مدى العقود الأربعة الماضية أنها دائما ما تقوم بإجراء تغييرات في سياستها في حالة ما إذا كان هناك تصور عام داخل دوائر صنع القرار بأن ثمة خطرا يقترب من حدود إيران.

وقد بدا ذلك جليا، على سبيل المثال، خلال الفترة التي تلت الحرب الأمريكية على العراق، والتي أدت إلى إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، حيث كان هناك تخوف لدى طهران من أن تكون هي الدولة التالية في قائمة الحرب على الإرهاب على نحو كان له تأثيره الكبير في سرعة موافقة إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم بمبادرة منها في أكتوبر 2003، أى بعد الغزو الأمريكي للعراق بنحو 6 أشهر. وقد حدث ذلك خلال مرحلة تولي الرئيس الحالي حسن روحاني منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الذي كان يدير المفاوضات مع الترويكا الأوروبية آنذاك التي كانت تتكون من بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

بعبارة أخرى، فإن الهدف من تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة هو خدمة سياسة العقوبات الاقتصادية التي تتبعها واشنطن في تعاملها مع إيران منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2017، حيث تسعى الإدارة الأمريكية من خلال ذلك إلى دفع إيران نحو القبول بخيارها المفضل وهو إجراء مفاوضات جديدة للوصول إلى صفقة تستوعب كل مكامن الخلاف الحالية بين الطرفين، خاصة ما يتعلق بـ"الثغرات" التي يتضمنها الاتفاق النووي الحالي الذي توصلت إليه طهران مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015.

2- الاستعداد للأسوأ: لا يمكن فصل تلك التحركات الأخيرة التي اتخذتها واشنطن على الصعيد العسكري عن الإجراءات الأخيرة التي تبنتها إيران والخاصة بإعادة تنشيط البرنامج النووي من جديد. فقد أعلنت طهران، في 8 مايو الجاري، عن تخفيض مستوى الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وخاصة ما يتعلق بالامتناع عن بيع الفائض من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67% والمياه الثقيلة في الأسواق الدولية، إذ كان الاتفاق النووي يتيح بيع ما يزيد عن 300 كيلو جرام من اليورانيوم منخفض التخصيب و130 طن من المياه الثقيلة، حيث أشار الرئيس حسن روحاني إلى أن إيران سوف تحتفظ بهذا الفائض.

لكن الإجراء الأكثر خطورة يتمثل في احتمال رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من3.67% وربما إلى 20% على غرار ما كان قائما قبل الوصول للاتفاق النووي. وقد هددت إيران بالفعل باتخاذ تلك الخطوة في غضون شهرين في حالة ما إذا لم تبدأ القوى الدولية في رفع مستوى التعاملات التجارية والمصرفية معها وتجاوز العقبات التي تحول دون ذلك في القوت الحالي.

وتوازى ذلك مع تأكيد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن إيران يمكن أن تبدأ عمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% في غضون أربعة أيام، في إشارة إلى أن إيران تحتفظ بمجمل مكونات برنامجها النووي حتى بعد الوصول للاتفاق النووي في عام 2015.

وهنا، يرجح أن تتجه الإدارة الأمريكية إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة بإرسال مزيد من القطع البحرية والمنظومات العسكرية المتطورة، خاصة أن إيران في حالة تحويل تلك التهديدات إلى خطوات إجرائية على الأرض تكون قد أفرغت الاتفاق النووي من مضمونه، بما يعني أنها قد تحاول في مرحلة لاحقة رفع مستوى أنشطتها النووية من جديد وربما الإقدام على اتخاذ القرارات الكفيلة باقترابها من مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية. وقد ألمح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في 28 أبريل الماضي، إلى أن الانسحاب من معاهدة الحد من الانتشار النووي قد يكون خيارا محتملا بالنسبة لإيران.

3- رسالة ردع: يبدو أن الإدارة الأمريكية لم تعد تستبعد أن تتجه إيران إلى محاولة رفع كلفة الإجراءات العقابية التي تواصل واشنطن فرضها ضدها. ورغم أن التهديدات الإيرانية باستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة ليست جديدة، حيث غالبا ما تستند إليها طهران في حالة تصاعد حدة التوتر مع واشنطن، فإن الأخيرة لا يبدو أنها تتحرك من فراغ، حيث أشارت تقارير عديدة إلى أن إيران قد تقدم على الاستناد إلى هذا الخيار.

ورغم أنه لم يتم توجيه اتهام رسمي إلى إيران بالمسئولية عن العمليات التخريبية التي تعرضت لها بعض السفن التجارية في المياه الاقتصادية الإماراتية، فإن ردود الفعل الأمريكية تجاه هذا الحادث لم تكن بعيدة عن التوتر والتصعيد مع إيران، إذ حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران من الإقدام على هذا الخيار، حيث قال، في 13 مايو الجاري، أنه "سوف تعاني بشدة إذا استهدفت المصالح الأمريكية"، مضيفا: "سنرى ما سيحدث مع إيران.. إذا فعلوا أى شئ فسيكون ذلك خطأ فادحا جدا".

لكن في المجمل يمكن القول إن تحقيق هذه الأهداف الأمريكية لا يبدو أنه سيكون مهمة سهلة. فقد اعتادت إيران على مدى العقود الأربعة الماضية التعرض لعقوبات أمريكية ودولية، وامتلكت خبرة لا يُستهان بها في التعامل معها واحتواء تداعياتها لدرجة أنها نجحت في تحقيق قفزات كبيرة في برنامجها النووي خلال تلك الفترة، على نحو عزز قدرتها على الحصول على مكاسب مهمة في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015.

وهنا، فإن التوقعات المتفائلة للرئيس ترامب باقتراب موعد الاتصال مع الإيرانيين لا تتناسب مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى أن إيران لن تقبل بسهولة بهذا الخيار، وأنها ستحاول تبني سياسة كسب الوقت إما انتظارا لموعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة على أمل أن تسفر عن وصول رئيس أمريكي جديد إلى البيت الأبيض، أو لتعزيز موقعها التفاوضي قبل أن تقرر بالفعل أن الوقت قد حان للعودة إلى طاولة المفاوضات مع "الشيطان الأكبر".

طباعة
د. محمد عباس ناجى

رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية