مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

في ظل تزايد وتيرة العمليات الإرهابية في مختلف دول العالم، وزيادة العمليات الموجهة تجاه المؤسسات الإعلامية، تزايدت الحاجة لإيجاد صيغة إعلامية موضوعية لتغطية العمليات الإرهابية، دون الإخلال بالعمل الإعلامي المهني، مع توخي الحذر في نقل المعلومات المغلوطة التي تسعى الجماعات الإرهابية إلى تمريرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد خصص عدد سبتمبر2018، من دورية "بدائل" الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، لتحليل كيفية تعامل الإعلام مع الأحداث الإرهابية طبقا لعدة تجارب دولية، وتحديد طبيعة الدروس المستفادة من تلك الخبرات والتي يمكن أن يستفيد منها الإعلام المصري في تعاطيه مع الإرهاب.

وتوضح دكتورة إيمان رجب خبير في الأمن الإقليمي بمركز الأهرام ورئيس تحرير الدورية في افتتاحية العدد التي تحمل عنوان "دور الإعلام في مكافحة الإرهاب" أن دورالإعلام في مصر في التعامل مع الإرهاب والتطرف بصفة عامة يعد من القضايا شديدة الأهمية خلال المرحلة الحالية، خاصة وأن مصر تأتي في الترتيب رقم 11 على مستوى العالم من حيث مدى تأثرها بالإرهاب وفق تقرير مؤشر الإرهاب العالمي Global Terrorism Index للعام 2017.

وتوضح الدكتورة إيمان رجب أن هناك دافع رئيسي وراء اهتمام قوات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الإرهاب خلال المرحلة الحالية باتخاذ قرارات تدريجية تخلق آليات للتواصل المستمر مع وسائل الإعلام على تنوعها، سواء من خلال إتاحة بيانات رسمية بعد وقوع أي عمل إرهابي أو لتوفير معلومات عن عمليات مكافحة الإرهاب، أو من خلال تنظيم زيارات للمراسلين العسكريين لشمال سيناء التي تعد أكثر المناطق تضررا من موجة الإرهاب التي تواجهها مصر حاليًا.

بعبارة أخرى، تؤكد الدكتورة إيمان رجب أن هناك اتجاه ما للاستفادة من الإعلام باعتباره أداة يمكن توظيفها في مكافحة الإرهاب، كما توضح بأنه رغم إيجابية هذا التوجه، إلا أنه قد كشف بعدًا آخر في كيفية تعاطي الإعلام المصري مع الإرهاب وقضاياه، وهو بعد يتعلق بغياب الكوادر القادرة على تخطيط سياسة إعلامية متخصصة في التعامل مع الإرهاب.

ونتيجة لذلك، ترى الدكتورة إيمان أن مسألة وجود قدرات وكفاءات مهنية على دراية بكيفية التعاطي مع المعلومات المتاحة، والخاصة بأي عمل إرهابي، تعد من القضايا ذات الأولوية بالنسبة للعديد من الدول ومنها مصر بصفة خاصة.

وتحلل الدكتورة انجي أبو العز،مدرس الإذاعة والتليفزيون ورئيس شعبة اللغة الإنجليزية بكلية الإعلام في جامعة بني سويف، في الدراسة الرئيسة للعددعدد ستًا من التجارب الدولية، وهي الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإسبانيا وهي دول عانت، ولا تزال تعاني، من خطر المنظمات الإرهابية مثل "داعش"، وذلك إلى جانب دليل اليونسكو للصحفيين بشأن تغطية الإرهاب في وسائل الإعلام.

وتنقسم هذه الدراسة إلى أربع محاور أساسية، يناقش المحور الأول مسألة تغطية العمليات الإرهابية في وسائل الإعلام بشكل عام. ويعرض المحور الثاني ست تجارب دولية في تغطية وسائل الإعلام للإرهاب، وهي الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإسبانيا وهي دول عانت، ولا تزال تعاني، من خطر المنظمات الإرهابية مثل "داعش"، وذلك إلى جانب دليل اليونسكو للصحفيين بشأن تغطية الإرهاب في وسائل الإعلام. أما المحور الثالث فيحلل الإشكاليات التي يواجهها الإعلام المصري في تغطيته للعمليات الإرهابية خلال المرحلة الحالية، بينما يتناول المحور الرابع والأخير أهم الدروس المستفادة من التجارب الدولية التي تتناولها الدراسة والتي يمكن تطبيقها في بيئة الإعلام المصري عند تغطيته للأحداث الإرهابية.

اولاً:تغطية العمليات الإرهابية في وسائل الإعلام

في هذا المحور تؤكد الدكتورة انجي أبو العز على أنه بالرغم من أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام في تغطية العمليات الإرهابية، إلا أن هذه التغطية تتوقف إلى حد كبير على التعريف الذي تتبناه وسائل الإعلام للإرهاب، في ظل تعدد أنواع الإرهاب ما بين إرهاب إجرامي، وإرهاب نفسي، وإرهاب حربي، وإرهاب سياسي.

ومع استخدام المنظمات الإرهابية لوسائل الإعلام لتحقيق غايتها المتمثلة في أولا جذب انتباه الجمهور، وثانيا الحصول على تعاطف بعض من الجمهور، وثالثا بث الرعب والخوف في الجمهور العام.

من هنا يبرز دور الإعلام في فضح هذه الجماعات إظهارها على حقيقتها أمام الرأي العام، مع الأخذ في الاعتبار أن توافر التغطية الإعلامية للجماعات الإرهابية هو مؤشر إيجابي على نجاح العمل الإرهابي، على اعتبار أن العمليات الإرهابية التي لم تحظ بتغطية إعلامية هي عمليات فاشلة.

لذلك يواجه الإعلام مهمة صعبة في إقامة التوازن بين واجباته في إعلام وإجبار الجمهور، وبين الخطر في أن تصبح رسائل الإعلام أداة في أيدي الإرهابيين، وعلى الجانب الآخر يلعب الإعلام دورا حيويا في الإعلان عن الانتصارات السياسية والعسكرية ضد الإرهاب ويهدف بهذا الدور رفح الروح المعنوية، والحصول على الدعم الداخلي لمواصلة المعركة المصرية ضد الإرهاب.

ثانياً: الخبرات الدولية في تغطية وسائل الإعلام للإرهاب

تحلل الدراسة ست تجارب دولية لتغطية الإعلام للعمليات الإرهابية نستعرض في هذا التقرير ثلاث تجارب منها هي 1- الولايات المتحدة الأمريكية 2- فرنسا 3- بريطانيا، على النحو التالي:

 ·الولايات المتحدة الأمريكية

بتحليل تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في تغطية العمليات الإرهابية، وجدت الدراسة أن هناك علاقة قوية بين التغطية الإعلامية الأمريكية للعمليات الإرهابية والتشجيع على تنفيذ المزيد من الهجمات؛ حيث أشارت إحدى الدراسات إلى أن دقيقة واحدة من تغطية القاعدة في مقطع إخباري لمدة 30 دقيقة، تتسبب في هجوم واحد في الأسبوع التالي له، وهو ما يعني أن التركيز على التغطيات الإعلامية للعمليات الإرهابية تؤدي إلى توليد المزيد منها.

كما أن الكثير من التغطيات الإعلامية في الولايات المتحدة تربط الأحداث الإرهابية بالدين الإسلامي والعرب والمسلمين، أي أن هناك تسييسا في الخطاب الإعلامي عند تناول العمليات الإرهابية، الأمر الذي تسبب في إثارة التعصب تجاه العرب والمسلمين في الكثير من وسائل الإعلام وفى تصريحات القيادات السياسية. 

 ·فرنسا

تشير الدراسة إلى أن الخبرة الفرنسية في التغطية الإعلامية لتناول العمليات الإرهابية عقب هجوم نيس 2016، وحادث اغتيال كاهن في روان بورماندي تمثلت فى تحرك مجموعة من المؤسسات الصحفية والإعلامية لوضع مجموعة من المعايير والقواعد فيما يخص تغطية الإعمال الإرهابية في الإعلام الفرنسي.

وتشير الدراسة إلى إقرار المؤسسات الصحفية الفرنسية بأنها لن تقوم بنشر أو بث صور أشخاص مسئولين عن أعمال إرهابية لتجنب تمجيدهم خاصة حال تعرضهم للقتل على يد السلطات الفرنسية. حيث أكدت هذه المؤسسات أن جميع عناصر المجتمع يجب أن يشاركوا في مكافحة الإرهاب وان المنظمات الإعلامية لها دور خاص تلعبه.

 ومع ذلك تشير الدراسة إلى أن جميع وسائل الإعلام لم تنتهج الحذو نفسه، حيث واصل بعض الإعلاميين الحكم على كل حادثة على حدة، وتحديد ما إذا كانت المصلحة العامة تقضي بنشر بعض الصور والمعلومات عن الأحداث والعمليات الإرهابية أم لا.

·بريطانيا

تشير الدراسة إلى أن الخبرة البريطانية في تغطية العمليات الإرهابية إلى اتجاه الإعلام البريطاني نحو إدانة العمليات الإرهابية في إطار أنها جرائم ضد الإنسانية جمعاء. بعكس الخبرة الأمريكية التي تربط بين الإرهاب والعالم العربي والإسلامي.

وأكدت الدراسة على استمرار الصحف ووسائل الإعلام البريطانية في نشر صور الأشخاص المسئولين عن العمليات الإرهابية وأسمائهم وذلك بعكس ما أنتجته الصحف الفرنسية.

ومع ذلك ميزت الدراسة الخبرة البريطانية في تغطية العمليات الإرهابية بعدد من المعايير أولها، القواعد التي وضعتها المحكمة البريطانية لمنع نشر المعلومات المتعلقة بالعمليات الإرهابية التي تؤثر على المحلفين، على نحو يحول دون تحقيق لمحاكمة العادلة للمتهمين في تلك الجرائم. ثانيها، التغطية المسئولة بحيث يجب أن تكون التغطية الإعلامية للأحداث في تلك العمليات مسئولة عن نشر الحقائق المتعلقة بعدد ضحايا العمليات الإرهابية.

ثالثها، الاتساق حيث تتعرض بعض وسائل الإعلام البريطانية إلى انتقادات بسبب عدم اتساق تغطيتها للهجمات الإرهابية التي يتعرض لها مسلمون. رابعها الحذر في استخدام كلمة إرهابي حيث قدمت هيئة البي بي سي توجهات للصحفيين حول استخدام كلمات العمليات الإرهابية والإرهاب. خامسها، مراعاة المهنية والمعايير الأخلاقية في تغطية العمليات الإرهابية.

ثالثاً: إشكاليات التغطية الإعلامية للعمليات الإرهابية في الإعلام المصري

تحلل الدراسة في هذا الجزء الإشكاليات التي تواجه الإعلام المصري في تغطيته للعمليات الإرهابية وانتهت الدراسة بعدد من الإشكاليات هي:

·سطحية معظم المعالجة الإعلامية للعمليات الإرهابية، حيث تعتمد أغلب التغطيات الإعلامية؛ سواء أخذت شكل أخبار أو تقارير على تقديم معلومات بشأن أي حـدث إرهابي جديد دون الإشارة لجذور الحدث وسياقه

·تركيز الإعلام على مظاهر الأزمة، وليس على الأطر العامة التي تميل إلى البحث عن أسباب الظاهرة وكيفية مواجهتها وعلاج آثارها السلبية على المجتمع.

·محدودية تعاون المصادر الرسمية مع الصحفيين والإعلاميين لتوفير البيانات والمعلومات لهم، وذلك اتساقًا مع حق الجمهور في المعرفة.

·نتيجة الاعتماد على مصدر واحد للحصول على معلومات عن تلك الأحداث،  فإن محدودية المعلومات الرسمية التي تصدر عن مؤسسات الدولة المعنية أو تأخر صدورها، يجعل الجمهور المتلقي وبعض الإعلاميين على حد سواء يتجهون إلى مصادر بديلة تشمل وسائل الإعلام الغربية، ومواقع غير موثوق فيها عبر الإنترنت والتي تقدم بيانات مغلوطة ومبالغ فيها.

·تداخل بعض المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بالتطرف والعنف والإرهاب، في ظل غياب الرؤية الخاصة بما تريده أجهزة الدولة من الإعلام، الأمر الذي يجعل الأمر متروكًا للاجتهادات الشخصية للقائمين على تغطية الأحداث الإرهابية إعلاميًا.

·يعد ضعف التأهيل المهني للصحفيين والإعلاميين في مجال تغطية قضايا الإرهاب، في ظل عدم وجود دليل مهني واضح حول التغطيات الخاصة بالأحداث والعمليات الإرهابية في مصر، من الأمور المؤثرة في تغطية أي عملية إرهابية ترتكب على أرض الوطن.

·استغلال بعض وسائل الإعلام ذات الطـابع التجـاري الطابع المثير للحدث الإرهابي، وتقديمه بقدر من الإثارة والمبالغة والتهويل، وذلك بقصد جذب المزيد من القراء أو المشاهدين، من أجل تحقيق مكاسب سريعة إعلامية ومادية. فضلًا عن أن بعض وسائل الإعلام تعمل على الترويج للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة بدون قصد، من خلال التوسع في نشر صور هذه العمليات الإرهابية التي تروع المواطنين، وكذلك نشر أسماء الجناة وصورهم عقب مقتلهم مما قد يدخل الجمهور في دائرة تمجيد الإرهابيين.

رابعاً مقترحات لتعزيز دور الإعلام في تغطية العمليات الإرهابية.

تحدد الدراسة في هذا الجزء عدد من الدروس المستفادة والتي يمكن استخلاصها من التجارب الدولية السابق مناقشتها، والتي يمكن تطبيقها في بيئة الإعلام المصري عند تعامله مع العمليات الإرهابية، ونستعرض بعض من هذه الدروس فيما يلي:

·من المهم أن يعيد الصحفيون ومديرو البرامج الإخبارية والقائمون على صناعة الإعلام والصحافة التفكير في ضوابط تغطية الإرهاب وفق المعايير الاسترشادية المتضمنة في دليل اليونسكو وبما يتوافق مع التعقيدات الداخلية التي تمر بها الدولة، كما يمكن الاستفادة من المعايير والقواعد المتبعة في تغطية الأحداث الإرهابية في وسائل الإعلام البريطانية.

·يتعين على وسائل الإعلام عند تناول العمليات الإرهابية، أن يتم تحديد السياسة الخاصة بتغطية تلك العمليات بحيث تراعي أخلاقيات العمل الإعلامي والدقة والمصداقية، وبالتالي يكون من الأفضل عدم نشر معلومات لم يتم التحقق منها، بدلًا من المخاطرة بالمصداقية من خلال التسرع في نشر أمور غير حقيقية.

·عدم نشر صور وأسماء الإرهابيين المتسببين في التفجيرات والذين لقوا حتفهم، حتى لا يتم تمجيدهم بعد الوفاة، وذلك على غرار السياسة الخاصة بصحيفة لوموند الفرنسية والتي أوقفت نشر الصور وأسماء الإرهابيين مؤخرًا.

·ضرورة الرجوع إلى مصادر موثوقة قبل نشر أي أخبار تتعلق بالإرهاب، وتفعيل فكرة ثنائية المصدر للمعلومة.

·عدم التعامل مع الأحداث الإرهابية على كونها قصة خبرية أو سبق إعلامي عادي، وضرورة تجنب منح الإرهابيين خدمات عبر مساعدتهم في ترويع المجتمع، فزيادة التغطية يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة. لذا من المهم تجنب الإفراط في التغطية المصورة للهجمات الإرهابية من خلال تقليل المدد المخصصة لتغطيتها، وعدم إبرازها بشكل كبير، وذلك مع المحافظة على حق الجمهور في المعرفة.

·اهتمام الصحفيين والإعلاميين بتقديم مساهمة إيجابية في منع الإرهاب عن طريق عرض كيفية استجابة الدول المتضررة من العمليات الإرهابية لها، وما تتخذه من إجراءات في هذا الصدد.

·التصدي للأفكار والمعلومات الكاذبة على شبكة الإنترنت، وسن قوانين تتماشى والتطور في مجال الإعلام والاتصال، ومن المهم هنا تجنب تطبيق النموذج الإسباني في هذا المجال؛ نظرًا لسنه قوانين صارمة لا تفرق بشكل واضح بين ما هو إرهابي وغير إرهابي.

·تفعيل سياسة حجب مواقع الإرهابيين لضمان عدم تدفق الأفكار الإرهابية والمتضمنة لأفكار متطرفة.

·إنشاء قاعـدة معلوماتيـة إعلاميـة حـول ظـاهرة الإرهاب والعمـل علـى تحليـل تلـك المعلومـات بمـا يضـمن محاصرة الإرهابيين إعلاميًا وثقافيًا.

·ضرورة التركيز على ما تسببه الأعمال الإرهابية من أضرار فادحة للدولة والمجتمع، مثل التركيز على الضحايا ومعاناتهم، وجهود قوات الأمن، وعدم الانسياق وراء قصص كاذبة قد يترتب عليها تعاطف الجمهور مع الإرهابيين.

·إبراز الأضرار المباشرة التي تقع على المواطنين جراء أعمال العنف والإرهاب، بحيث تصبح قضية القضاء على الإرهاب قضية شخصية لكل مواطن.