متابعات تحليلية

المحرك الإقليمي: إسرائيل ومراجعات الاتفاق النووي الإيراني

د. طارق فهمي * 6035 22-10-2017
طباعة

تناغم الموقف الرسمي الإسرائيلي مع ما ورد في خطاب الرئيس الأمريكي ترامب بشأن إيران. فقد رأت إسرائيل هذا التصعيد فرصة مهمة "لتصحيح" الاتفاق، إن تم استغلالها والبناء عليها بشكل جيد، وسارت الأمور كما هو مخطط لها من دون إشكاليات، خاصة أن الهواجس الإسرائيلية لا تتعلق فقط بالقدرات العسكرية الحالية لإيران، بل بما يمكن أن تقوم به إيران في المدى المنظور، وبعد انتهاء مدة الاتفاق، والتداعيات الاستراتيجية النهائية للإنجازات الإيرانية المتواصلة على المستوى العسكري والصاروخي، والتي باتت تمثل تهديدًا للأمن القومي لإسرائيل، وتمس مرتكزات  ومنطلقات التفوق النوعي للقدرات الإسرائيلية أمنيًا واستراتيجيًا.

لقد انطلقت الهواجس التي ترددت في إسرائيل عقب تجربة الصاروخ الإيراني الأخير "خورمشهر" من أنها تشكل خطوة نوعية متقدمة في سياق تطور يفاقم مستوى الخطورة على التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي. أضف إلى ذلك فإن الصاروخ الإيراني الذي يحمل ثلاثة رؤوس؛ بات يشكل تحديًا جديًا لمنظومة الاعتراض الصاروخي الإسرائيلي، والتي ما تزال في مرحلة التطوير من نظام "القبة الحديدية" إلى نظام "العصا السحرية" و"السماء الحمراء" قيد الاختبار في الوقت الراهن.

أولًا: التقييمات الإسرائيلية للاتفاق النووي الإيراني

كانت هناك معارضة إسرائيلية للاتفاق النووي الإيراني منذ توقيعه. وعلى العكس من التقديرات الدولية والأوروبية في ذلك الوقت، والتي ذهبت إلى أن الاتفاق مثل "صفقة" مهمة لتكبيل الطموحات النووية الإيرانية، فقد ظلت الرؤية الإسرائيلية متمسكة بالجوانب والتداعيات السلبية للاتفاق، على الأقل من وجهة نظر الحسابات والطموحات الإسرائيلية في الإقليم. وبشكل عام، يمكن تحديد الموقف الإسرائيلي من الاتفاق، كما عبرت عنه التقديرات الرسمية لأجهزة المعلومات في إسرائيل، في العناصر التالية:

1- مازالت إيران تسعى للحصول فعليًا على المواد اللازمة لامتلاك السلاح النووي، والعمل على إنتاج الأجهزة الكافية لذلك، والسعي لحيازة السلاح النووي المطلوب، فضلًا عن تطوير قدراتها الصاروخية كجزء من تطوير منظومة السلاح النووي، حيث تصبح التجارب الصاروخية الأخيرة، ومنها الصاروخ "خورمشهر"الذي يمكنه الوصول إلى 2000 كم متر مما يغطي مساحة إسرائيل بأكملها ومسافات كبيرة من أوروبا والشرق الأوسط، خطوات أساسية للوصول إلى هذا الهدف.

2- ضرورة إبقاء الحكومة الإسرائيلية على جميع الخيارات مفتوحة في التعامل مع الشأن الإيراني عامة، والنووي خاصة، وجاء في هذا السياق المطالبات الإسرائيلية لتعديل الاتفاق النووي مع إيران، بما يتماشى مع الطرح الإسرائيلي المعلن والذي تكرر منذ توقيع الاتفاق واستمر حتى الوقت الراهن، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي رسميًا في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2017. أضف إلى ذلك تأكيد إسرائيل المستمر احتفاظها بحق في الدفاع عن نفسها بصورة فردية بالأساس، وبالتنسيق مع الحليف الأمريكي.

3- هناك مخاوف إسرائيلية كبيرة من تمسك إيران بخياراتها الإقليمية والنووية، وهو ما يشير- وفقًا للتحليلات الإسرائيلية- إلى صحة الموقف الإسرائيلي والذي كان -وما زال- معارضا للاتفاق النووي، في ظل تأكيدها غياب القيود على قدرات إيران الصاروخية، وكذلك على سياساتها الإقليمية خاصة دعمها حزب الله وحركات المقاومة،كما أن الاتفاق الراهن يسمح لإيران بتطوير هيكل اقتصادها بما يمنح لها الفرصة بالعودة إلى مساعي إنتاج القنبلة النووية، الأمر الذي سيؤدي إلى انحسار فرص الهجوم الإسرائيلي على المواقع النووية الإيرانية وهو ما لم يتطرق إليه الاتفاق. وفي هذا السياق، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تضمين الاتفاق -في حالة تعديله القيود والضوابط الكافية لكبح البرنامج الصاروخي الإيراني والطموحات والسياسات الإيرانية في الإقليم ومراعاة كافة الثغرات المتعلقة بالأمن القومي الإسرائيلي.

وبرغم ذلك يرى تيار داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، والخبراء السابقون في مراكز البحوث الاستراتيجية، أن بنود الاتفاق "جيدة" لأنها تساعد في نهاية المطاف على تأجيل المشروع النووي الإيراني، وهو أشد تأثيرًا من الخيار العسكري المطروح إسرائيليًا. ويرى هؤلاء أن من يحلل بنود الاتفاق سيلاحظ وجود نقاط إيجابية كثيرة تخدم مصلحة إسرائيل، وتستجيب لحاجاتها الأمنية، وأن ما حظيت به إيران في هذا الاتفاق هو انتصارات نظرية، في حين أن ما حققته الدول العظمى هي إنجازات كثيرة على الصعيد العملي، وذلك على النحو التالي:

1- نظريًا، حافظت إيران على حقها في امتلاك برنامجها النووي، وبذلك تستطيع أن تستمر في الإعلان للرأي العام الإيراني بأن منشآتها النووية لن تغلق، وأن تخصيب اليورانيوم سيستمر، وأن العقوبات الاقتصادية سوف تُرفع. ومن ثم، تظهر إيران بمظهر المنتصر أمام الشعب الإيراني ، وستبشرهم بنمو اقتصادي سيحسن من مستوى معيشتهم. لكن من الناحية العملية، فإن بنود الاتفاق فرضت قيودًا كثيرة على البرنامج النووي الإيراني لسنوات كثيرة. وعليه، فإن ادعاءات إسرائيل حول أن إيران ستحظى بتطبيع كامل لبرنامجها النووي مع العالم خلال عشر سنوات من الاتفاق، وأنها ستتمكن من تنفيذ كل ما تخطط له هو ادعاء غير صحيح.

2- فرض الاتفاق نظام رقابة مشددعلى إيران، فبحسب الاتفاق ظل من حق مراقبي الأمم المتحدة الوصول إلى جميع المنشآت النووية الإيرانية، ولحقول اليورانيوم، وللمستودعات النووية، لمدة تتراوح بين 20-25 سنة. وهنا نقطة إيجابية أخرى؛ وهي أن إيران وافقت على التصديق وتطبيق البروتوكول الإضافي لميثاق منع انتشار الأسلحة النووية، وهو ملحق يسمح لمراقبي الأمم المتحدة بالقيام بزيارات مفاجئة لجميع المنشآت المشكوك أنها تُستخدم لأغراض نووية غير مشروعة. كما ستواجه إيران صعوبات كبيرة أمام تطوير برنامج نووي سري، وإذا حاولت القيام بذلك فإن فرص الكشف عنه ستكون كبيرة.

3- هناك تخوف من أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستجدان نفسيهما معزولتين أمام الدول الأوروبية وروسيا والصين في حالة إلغاء الاتفاق، وستبدو الولايات المتحدة- ومن خلفها إسرائيل- شريكًا لا يمكن الوثوق بتعهداته والتزاماته الدولية.

ويدعم وجهة النظر هذه عدد من قادة الجيش وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي المكلف بمتابعة "الملف النووي الإيراني" الذين يرون أن هذا الاتفاق هو أخف الضررين في الوقت الحالي، وأن إلغاءه أو تعديله  لن يخدم المصالح الإسرائيلية بأي شكل من الأشكال.

ومن ثم، ووفق هذا الاتجاه، فإن الاستمرار في استهداف الاتفاق النووي مع إيران يعد خطأ تكتيكيا في الوقت الراهن. وفي المقابل، ربما يكون الأهم هو أن تنصب الجهود على محاولة وضع حد لمساعي إيران لاكتساب منطقة نفوذ في سوريا لبناء قواعد عسكرية مجهزة بصواريخ على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية.

وفي مقابل العمل على إلغاء الاتفاق، يطرح أصحاب هذا الاتجاه إمكانية تقديم خطة بديلة تقوم على تأجيل التهديد بإلغاء الاتفاق إلى وقت أكثر استراتيجية، على أن يتم التركيز في الوقت الحالي على تنظيم هجوم دبلوماسي داخل الأمم المتحدة ضد برنامج صواريخ إيران الباليستية ودعمها للإرهاب، وهما موضوعان لا يشملهما الاتفاق النووي أصلا .

وتبقى نقطة الاتفاق الوحيدة بين المعسكرين هي إقرار المسئولين الإسرائيليين بأن إيران لم تتورط حتى الآن في أي نشاط يمكن أن يعتبر انتهاكا لالتزاماتها النووية التي يفترض أن تمنعها حتى عام 2025 من الحصول على القنبلة النووية.

وبالإضافة إلى هذا الخلاف الإسرائيلي الداخلي، يظل هناك خلاف إسرائيلي- أمريكي حول مدى تأثير الاتفاق على الأمن القومي للجانبين، لكن في المقابل فإن كلاهما متفقتين على أن الاتفاق النووي يشكل خطورة عليهما في المدى المتوسط والبعيد، وأنه في إطاره العام جيد بالنسبة للدول الكبرى، ويمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية في الوقت الحاضر. ومن الواضح أن إعلام الرئيس ترامب الكونجرس أن إيران "غير ملتزمة"، وأنها تخرق بعض بنود الاتفاق -وهي وجهة النظر الإسرائيلية أيضا- فإن الاتفاق سيشهد منحى جديدا، إذ قد يقرر الكونجرس في هذه الحالة العودة مجددا إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد إيران. كما  سيقوم الجانبان الأمريكي والإسرائيلي بدراسة خياراتهما البديلة حول ما يجب القيام به في مواجهة إيران لتحقيق أهداف عدة، أهمها: إعادة تعديل الاتفاق بما يلبي المخاوف الإسرائيلية والأمريكية على المستوى النووي، وتقييد تطورها الصاروخي، ووقف دعم حزب الله وسوريا وحركات المقاومة في المنطقة، وهو ما يتماشي مع المطالبات الحزبية في إسرئيل، وخاصة داخل الائتلاف الحكومي.

ثانيًا: المطالب الإسرائيلية

تطالب الحكومة الإسرائيلية الإدارة الأمريكية بإضافة ملحق للاتفاق النووي يتعلق بالصواريخ الإيرانية، وتشديد المراقبة عليها ومراكز أبحاثها، وزيادة مدة المتابعة الدولية على البرنامج النووي الإيراني، وإن كانت الحكومة الإسرائيلية تقدر -في مجمل تقييماتها العسكرية- بأنه من غير الممكن أن تقبل إيران بهذا الملحق، الأمر الذي يفتح الباب أمام إمكانية إلغاء الاتفاق النووي، حيث ستسعى إيران في هذه الحالة إلى استئناف برنامجها النووي، وسيصبح، في المقابل، بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل التحرر من قيود الاتفاق والعمل بقوة على عدم تطوير إيران لقدراتها النووية والصاروخية.

أما في حالة اتجاه الأطراف إلى تعديل الاتفاق، فإن الحكومة الإسرائيلية تضع الضوابط التالية لتلك العملية، بشكل يضمن حماية أمنها القومي:

- التزام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش بعض المواقع الإيرانية أو إدراجها في قائمة المواقع التي يتشكك بأن إيران تمارس فيها ما يناقض روح ونص الاتفاق.

- إعادة مناقشة الملف النووي الإيراني داخل مجلس الأمن، وبالتوافق مع الدول الكبرى التي أبرمت الاتفاق، بما يسمح بإدخال تعديلات جوهرية على الاتفاق وإضافة فقرات محددة وفقًا للطرحين الإسرائيلي والأمريكي.

- التحذير من استمرار المساعي والجهود من أجل إلغاء الاتفاق من دون ضمان القدرة على منع إيران من تطوير أسلحتها النووية. وفي الوقت ذاته العمل ضد أي نشاط إيراني يتجاوز بنود الاتفاق.

- إجهاض الخطط الإيرانية الخاصة بتطوير الجيل التالي من أجهزة الطرد المركزي، وهي أسرع بعشر مرات من تلك التي امتلكتها إيران قبل الاتفاق.

- تقدر أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأن إيران ستصل عندما تنتهي مدة وإطار الاتفاق، ومن دون أن تخرقه، إلى وضع تملك فيه خيارات أسرع لإنتاج اليورانيوم المخصب، والصواريخ المناسبة لحمل القنبلة النووية التي تخطط إيران للوصول إليها مستقبلا، ومن ثم لابد من العمل بوسائل منفردة، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، على منع إيران في نهاية مدة الاتفاق من التحول إلى دولة نووية، أو على الأقل إلى دولة على العتبة النووية، أي دولة تستطيع إعداد قنبلة وإطلاقها في غضون أشهر، دون أن تكون هناك أي طريقة لإيقافها.

خلاصة

ستعمل الحكومة الإسرائيلية على ممارسة ضغوطات جديدة على الإدارة الأمريكية لدفعها لفتح ملف الاتفاق النووي مع إيران، خاصة عقب تجربة الاختبار الصاروخي الإيراني "خورمشهر"، الذي مثل مصدر قلق كبير بالنسبة لإسرائيل، وهو ما دفعها إلى توظيف هذا الحدث والتأكيد على أن إيران لن تلتزم بصيغة الاتفاق النووي، وستتجه لاعتماد خيارات انفرادية لتحقيق مراحل متقدمة في البرنامج النووي، وعدم الاقتصار على التجربة الصاروخية الأخيرة، بل سيمتد الأمر إلى مجالات أرحب في التعامل مع بنود الاتفاق، خاصة في مجال تخصيب اليورانيوم. ومن الواضح أيضا أن تجميد الاتفاق النووي مباشرة من قبل الإدارة الأمريكية -وهو خيار مستبعد في الوقت الراهن- قد يدفع بإيران في الواقع إلى الحصول على القنبلة النووية، أو إلى وضع سيدفع بالولايات المتحدة وإسرائيل لخوض مواجهة عسكرية محتملة مع إيران.

ومن الواضح كذلك أن إسرائيل تضع في حساباتها أن إيران ستحصل على اعتراف دولي بمكانتها كدولة عتبة نووية، وهذا حدث سيؤثر من الآن فصاعدا على موقف  كل دول المنطقة بأكملها وليس على إسرائيل بمفردها.

وستعمل الحكومة الإسرائيلية في هذا الإطار على زيادة ميزانية الأمن المقررة لوزارة الدفاع، وستكون الزيادات المقترحة من قبل المؤسسة العسكرية أحد المشكلات الكبيرة أمام الحكومة الإسرائيلية، لأن ذلك سيأتي على حساب المخصصات الموجهة لقطاعات الصحة والتعليم، خاصة على خلفية الاحتجاجات الدورية الشعبية على غلاء المعيشة وتزايد الضرائب والمخصصات المقررة للسكن والتوظيف.

ولا شك أن التصلب الإيراني المتوقع في مواجهة ما يطرح أمريكيا وإسرائيليا، في مقابل التصميم الذي يبديه الرئيس ترامب -والذي برز بوضوح بعد خطابه الأخير- على مواصلة نهجه المعلن، وهو ما سوف يؤدي بالنتيجة –بحسب هذا التصورــ إلى الصدام العسكري المباشر، إذ يمكن أن يؤدي المشهد في محصلته ووفقا للرؤية الإسرائيلية لوضع إيران بين مسارين، إما القبول بتعديل الاتفاق وتقديم التنازلات التي تطمح إليها إسرائيل، أو أن تؤدي تطورات التصعيد المتبادل إلى نقطة اللاعودة في إطار خيار صفري، بحيث يصبح لا بديل عن الصدام.

طباعة
د. طارق فهمي

أستاذ العلوم السياسية، ورئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط