إصدارات المركز - الملف المصري

الاستبعاد الاجتماعي في مصر: حالتا الأفراد ذوي الإعاقة والمرأة المعيلة

أمنية الجميل 1430 4-9-2017
طباعة

مقدمة

أجرى برنامج الأمم المتحدة للتنمية العديد من الدراسات في محاولة لفهم ظاهرة الاستبعاد الاجتماعي بالدول النامية والمتقدمة، وكشفت هذه الدراسات عن أهمية الحقوق المدنية والاجتماعية القابلة للتنفيذ، كالحق في الرعاية الصحية، والتعليم الأساسي، والرفاهية المادية. واعتبر الاستبعاد الاجتماعي صورة من صور عدم الاعتراف بالحقوق الأساسية. وفي حالة المجتمعات التي يتوافر فيها الاعتراف بمثل هذه الحقوق؛ فإن الاستبعاد الاجتماعي يُعَرف على أنه العجز عن الوصول إلى المنظومات السياسية والقانونية اللازمة لجعل هذه الحقوق واقعًا.

وقد أوضحت صوفي بسيس أن هناك ثلاثة أبعاد للاستبعاد: أولًا البعد الاقتصادي، وهو ينتج مباشرة من الفقر، مثل الاستبعاد عن العمل، والحرمان بالتالي من دخل منتظم. وثانيًا البعد الاجتماعي، ويتعلق بوضع الفرد في المجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى التمزّق في النسيج الاجتماعي والتضامن. وثالثًا البعد السياسي، ويتعلق بوضع بعض الفئات من السكان، مثل النساء والأقليات الدينية والعرقية.

وعند تطبيق هذا المفهوم على الحالة المصرية، نجد أن حالتي الأفراد من ذوي الإعاقة والمرأة المعيلة يمتلكان أكثر من خصيصة من خصائص الجماعات المستبعدة اجتماعيًّا. فكلاهما غير قادرين على الحصول على فرص عمل تتناسب مع الأدوار والوظائف الاجتماعية التي يحتلونها. كما أنهم على المستوى الاجتماعي لم يحظوا بالاهتمام والرعاية التي توفر لنظرائهم في مجتمعات أخرى. حتى إن إشكالية ممارسة الحقوق السياسية لذوي الإعاقة المكفولة لهم دستوريًا وقانونيًا لاتزال موضع جدل ولم تحسم بشكل نهائي.

فيما أولت الحكومة المصرية مؤخرًا اهتمامًا ملحوظًا بهاتين القضيتين، فأعلنت أن عام 2017 هو عام المرأة بشكل عام. كما أعلنت أن العام 2018 سيكون عام ذوي الإعاقة. وعملت على دعم أوضاعهم بسياسات وبرامج رعاية وإدماج. ففي ديسمبر 2016 أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي "إستراتيجية حماية وتأهيل وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة"، التي تحدد آلية وسياسات حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر بهدف توفير رعاية جيدة وتأهيل ملائم وحماية اجتماعية متكاملة وتمكين بالشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص. وتتألف الإستراتيجية من ستة محاور، أولها التشريعات والسياسات المُــنظمة لقضايا الإعاقة، وثانيها قواعد بيانات الأشخاص ذوي الإعاقة، وثالثها رعاية وتأهيل وتقويم الأشخاص ذوي الإعاقة، ورابعها التمكين الاقتصادي، وخامسها الحماية الاجتماعية الشاملة، وسادسها الوعي المجتمعي الداعم لدمج ذوي الإعاقة. كما أن البرلمان يناقش منذ شهور قانون "رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة".

أما بالنسبة للمرأة المعيلة فقد أُصدر قانون 23 لسنة 2012، والذي يكفل للمرأة المعيلة حق الرعاية الطبية والتأمين الصحي. ويقصد بهذا القانون المرأة التي تتولى بمفردها رعاية نفسها أو أسرتها ولا تتمتع بمظلة التأمين الصحي تحت أي قانون آخر. كما أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي مبادرة قومية للمشروعات متناهية الصغر، تمول من صندوق تحيا مصر ومن خلال بنك ناصر الاجتماعي، ليحقق تمكينًا اقتصاديًا للمرأة المعيلة والفئات الأكثر احتياجًا مارس الماضي. 

وحقيقة الأمر أن هذه المجهودات لا تعد سابقة في مجال الاهتمام بقضايا المرأة المعيلة والأفراد المعاقين في مصر. وذلك لعدم حداثة القضيتين من جهة، ولاتساع حجم المنتسبين لهاتين الجماعتين مع مرور الوقت من جهة أخرى. وإن كانت المجهودات المبذولة سابقًا لم تستطع تحقيق الأهداف المرجوة من إدماج وتمكين ورعاية فعلية للمرأة المعيلة والأفراد ذوي الإعاقة، فيرجع ذلك لإشكالية فهم أبعاد المشكلة وتوصيفها التوصيف الصحيح، ثم تخصيص الإمكانات والموارد القادرة على تحقيق مثل هذه النتائج.

ذوو الإعاقة في مصر:  ما بين التصنيف والتشريع

تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2006 ميثاق حقوق الأفراد ذوي الإعاقة "CRPD". وبلغ عدد الموقعين على الاتفاقية حتى الآن 160 وعدد المصدقين 174. وهذه الاتفاقية تحاول الانتقال بوضع الأفراد ذوي الإعاقة من الاقتراب الطبي والخيري لاقتراب حقوق الإنسان. كما أنها تسعى لدمج الأفراد من ذوي الإعاقة في مجتمعاتهم المحلية بشكل فعال وقوي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتبناة في العام 2015. وحقيقة الأمر إن وضع الأفراد ذوي الإعاقة في مصر يبتعد كثيرًا عما يذهب إليه العالم في رؤيته، ويأتي ذلك كنتاج عدد من الإشكاليات يمكن تفصيلها كما يلي:

· تعريف الإعاقة وتحديد المعاق

تعتمد مصر في تعريفها للإعاقة على النموذج الطبي؛ والذي يعرف على أنه نموذج اجتماعي سياسي يرى أن المرض أو العجز ينتج عن ظروف جسدية متأصلة في الفرد "حيث إنها أصبحت جزءًا من جسد الفرد"  مما يسبب له أضرارًا واضحة تقلل من نوعية حياته الـمُعاشة. ويؤثر هذا التعريف بشكل مباشر على التشريعات والقوانين الداعمة لحقوق الأفراد المعاقين بالمجتمع المصري سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو غيرها.

ورغم أن هذا التعريف يعتد به في كثير من الدول؛ خاصة النامية. إلا أنه يعاب عليه اقتصاره على الإعاقة الجسمانية والعقلية فقط، وعدم تصنيف الكثيرين على أنهم من ذوي الإعاقة ضدًا لما هو معمول به دوليًا. فنجد أن منظمة الصحة العالمية عرَّفت الإعاقة على أنها: "حالة من القصور أو الخلل في القدرات الجسدية أو الذهنية ترجع إلى عوامل وراثية أو بيئية تعيق الفرد عن تعلُّم بعض الأنشطة التي يقوم بها الفرد السليم المشابه في السِّن". وبالتالي فإن هذا التعريف يندرج تحته المصابون بظواهر واضطرابات نفسية مثل: الانطواء، والانفصام، والقلق.

إلى جانب هذا فقد وضع الطبيب الأمريكي سيدني كاتز  منذ خمسينات القرن الفائت مقياس لأنشطة الحياة اليومية  والتي على أساسها يصنف من هو غير قادر على ممارسة واحدة من هذه الأنشطة بالإعاقة؛ بما في ذلك المسنين غير القادرين على أداء النشاطات الاعتيادية الخاصة مثل الرعاية الذاتية والتغذية.

وبذلك فإن مصر في تعاملها مع قضية ذوي الإعاقة من خلال سياسات الرعاية والحماية تقصي العددين ممن ينطبق عليهم تصنيف "معاق" دوليًّا، ويحظون في دول أخرى بفرص الدعم الحكومي والمجتمعي. وحتى عند الانتقال لحالة ذوي الإعاقة وفقًا للمعايير المصرية؛ فإن مصر تعاني من قصور في مصادر البيانات الخاصة بالإعاقة والتي توضح حجم وخصائص المعاقين في مصر. فإلى جانب الأسباب الثقافية والاجتماعية؛ يرجع الكثيرون سبب القصور الشديد في استيفاء بيانات الإعاقة في التعدادات السكانية الدورية إلى عدم وضوح تعريف أو مفهوم "الإعاقة" بالنسبة لمدلي البيان وجامع البيان أيضًا. وينعكس هذا الأمر على الأرقام الرسمية الصادرة محليًا ودوليًا عن إعداد المعاقين في مصر. ففي حين تشير أرقام المسئولين الحكوميين على أن أعداد المعاقين يتراوح ما بين الثلاثة إلى أربعة ملايين معاق. صرحت وزارة الصحة العالمية بأن مصر بها ما لا يقل عن اثنا عشر مليون معاق بنسبة حوالي عشرة بالمائة من إجمالي الكتلة السكانية. وقدرت تقارير منظمات المجتمع المدني عدد ذوي الإعاقة بخمسة عشر مليون معاق.

· تشريعات غير مفعلة

تناولت الدساتير والتشريعات المصرية حقوق المعاقين منذ خمسينات القرن الماضي وحاولت أن تكون في ذلك متسقة مع المواثيق الدولية التي تتعامل مع حقوق المعاقين على أنها من أهم قضايا حقوق الإنسان. فنجد أن قانون الضمان الاجتماعي الصادر عام 1950 قد خصص فصل كامل لرعاية وإعادة تأهيل ذوي الإعاقة. ثم توالت بعد ثورة يوليو القوانين والتشريعات التي تعمل على حماية ورعاية الأفراد من ذوي الإعاقة. ومن بينهم قانون العمل رقم 91 لسنة 1959، والقانون رقم14 لسنة ١٩٥٩ بشأن التأهيل المهني للعاجزين عن العمل وتحديدهم، وقانون الطفل رقم 126 لسنة 2008 وغيرهم، وصولًا لقانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة للعام 2017 الذي يُناقش في البرلمان حاليًا.

كما كفل مؤخرًا دستور 2014 للمعاقين حقوقهم المدنية والسياسية على أساس من عدم التمييز بينهم وبين باقي المواطنين في مواده 53 و54 و80 و81 و180 و 214و 244. كما أصدر مجلس الوزراء قرار رقم ٤١٠ لسنة ٢٠١٢ بإنشاء المجلس القومي لشئون الإعاقة. والذي حدد مجال عمله من خلال أدوار استشارية، وتنسيقية، وإشرافية.

ورغم أن المواثيق الدولية والقوانين المحلية الوطنية قد كفلت لذوي الإعاقة حقوقهم ووضعت آليات لإدماجهم وتمكينهم في المجتمع إلا أن تجميد معظم هذه القوانين أدى لتفاقم أزمة ذوي الإعاقة في المجتمع المصري. فوفقًا للقانون المصري يحصل ذوو الإعاقة على معاش يسمى "معاش المعاقين" إلا أنه لا يصل للجميع. وقد يكون السبب في ذلك ما ذكرناه مسبقًا من عدم وجود قاعدة بيانات مفصلة تدرج جميع الأفراد من ذوي الإعاقات وتصنف تصنيفًا دقيقًا إعاقاتهم.

  كما أن قانون رقم ٣٩ لسنة ١٩٧5 القاضي بتخصيص نسبة خمسة بالمائة من الوظائف لذوي  الإعاقة لا يُفَعل في معظم المؤسسات والمنشآت؛ وينتج ذلك للاستهانة بغرامة المخالفة التي تقدر بمائة جنيه مصري. غير أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء كشف مؤخرًا عن تعيين  30717معاقًا في الأجهزة الحكومية ضمن نسبة الخمسة بالمائة التي حددها القانون.

وبالنسبة لممارسة الحقوق السياسية والتمثيل النيابي فقد جاء تعريف المواطن ذي الإعاقة، الذي يسمح له بالترشح في الانتخابات البرلمانية، طبقًا لقانون مجلس النواب 46 لسنة 2014: "مَن يعاني من إعاقة لا تمنعه من القيام بمباشرة حقوقه المدنية والسياسية على نحو ما يحدده تقرير طبي يصدر وفق الشروط والضوابط التي تضعها اللجنة العليا للانتخابات بعد أخذ رأي المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة". ويرى المختصون أن هذا القانون يتسم بأنه فضفاض؛ حيث إنه لم يحدد وجوب وإلزامية رأي المجلس القومي للأشخاص من ذوي الإعاقة من عدمه. كما أن أعداد الممثلين في المجالس النيابية والمحلية لا يتناسب مع حجم إعداد الأفراد ذوي الإعاقة في مصر.

ولعل واحدة من أهم الموضوعات التي أغفلها القانون المصري عند تناوله لحقوق الأفراد ذوي الإعاقة هو تأهيل البيئة المحيطة للتناسب مع إعاقتهم وتوفر له سبل التمكين. على عكس الدستور اللبناني على سبيل المثال الذي ذكر ذلك صراحة في أحد مواده وتلاها بقوانين داعمة. وبالتالي فتخطيط الحكومة المصرية للمباني والمنشآت العامة ووسائل المواصلات والشوارع يفتقر لأدوات تسهيل الحياة اليومية لعشر مجموع السكان.

· الشأن الاجتماعي والاقتصادي كمسبب للإعاقة ومعوق للرعاية

بحسب العديد من الدراسات التي أجريت على المسببات التي قادت أن تحتل مصر المرتبة الأولى عالميًا في نسبة المعاقين مقارنة بعدد السكان "تقديرات منظمة الصحة العالمية" فإن مصر كدولة نامية تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية تنعكس على أوضاع المواطنين في المناطق الريفية والمنتمين للطبقة المنخفضة في المناطق الحضرية تعرضهم لمشاكل صحية تسبب لهم إعاقات دائمة.

فبغض النظر عن تدني مستويات المعيشة، وصعوبة الوصول لمياه شرب آمنة في بعض المناطق الفقيرة، إلى جانب مشكلة التخلص من النفايات. فتعد مشكلة سوء التغذية أحد أهم مسببات الإعاقات الدائمة والتي يعاني منها الأطفال في مرحلة ما قبل الولادة وتؤثر على نموهم الجسماني والعقلي وتسبب مباشرة مشكلات فقد السمع والبصر الدائمين لدى الأطفال.

أما بالنسبة للموروثات الاجتماعية فلها دور كبير في انتشار حالات الإعاقة. فعلى سبيل المثال انتشار ثقافة زواج الأقارب في جميع الطبقات الاجتماعية لها تأثير مباشر في حدوث إعاقات جسمانية وعقلية. فوفقًا لدراسة عيادية وجينية أجراها المركز القومي للبحوث على مائة حالة من أطفال ذوي إعاقات، أظهرت النتائج أن تسعين بالمائة من الحالات تأثروا جينيًا بزواج الأقارب، خمسون بالمائة منهم كان الزواج بين أبناء العمومة. بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية الأخرى مثل الزواج المبكر أو تأخر سن الزواج لدى الفتيات.

وإلى جانب اعتبار المشاكل الاقتصادية والاجتماعية من مسببات الإعاقة في مصر، فهما أيضًا من معرقلات الحلول. فعدم قدرة الحكومة المصرية على تخصيص جزء من الموازنة العامة للدولة للإنفاق على استراتيجيات وسياسات دعم ذوي الإعاقة يتسبب في عدم الوصول للأهداف الموضوعة سواء على المستوى الصحي أو التعليمي أو غيرها. هذا بالإضافة للقصور في العمل على تغيير النظرة المجتمعية للفرد ذي الإعاقة بدءًا من الأسرة حتى الأفراد العاديين من خلال الإعلام والبرامج التوعوية وغيرها.

المرأة المعيلة في مصر: كتلة بشرية غير محددة

تعاني المرأة في مصر بشكل عام من صعوبة الحصول على فرص المشاركة الاقتصادية مقارنة بالرجل. فقد احتلت مصر المركز 132 من بين 144 دولة على مستوى العالم في المشاركة الاقتصادية وإتاحة الفرص وفق تقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2016. ومن حيث مشاركة النساء في القوى العاملة فقد احتلت مصر المركز 138 من 144 دولة وفق نفس التقرير. أما بخصوص الفجوة بين الجنسين فيما يتعلق بممارسة الوظيفة ذاتها فتتقاضى النساء سبعة وستين بالمائة من راتب الرجال في مصر.

وتعد مشكلة المرأة المعيلة في مصر أكثر تعقيدًا من سابقتها عن أوضاع الأفراد ذوي الإعاقة. ورغم تشابه كليهما في عدم وجود إحصاءات دقيقة توضح الأعداد الحقيقية لهؤلاء. إلا أن أزمة المرأة المعيلة تتمثل في أن قطاعًا كبيرًا من المنفقات على أسرهن يوفرن احتياجاتهن المادية من خلال أنشطة الاقتصاد غير الرسمي. وبالتالي فإن جميع المعاملات التي يقمن بها لا تسجل رسميًا لدى الجهات الحكومية، وهو الأمر الذي من شأنه عرقلة وإبطاء كل مجهودات التمكين الاقتصادي والدعم الاجتماعي.

وبقراءة بعض الأرقام الصادرة عن حجم النساء المعيلات في مصر نجد أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية قد أكد على أن نسبة المرأة المعيلة بالنسبة لعدد السكان تصل إلى أربعة وثلاثين في المائة. بينما رصدت بعض المنظمات الحقوقية أن النسبة تصل إلى ثمانية وثلاثين في المائة. وإن أعلى نسبة هي في الأرامل والمطلقات وأن أعلى نسبة بالنسبة للمعيلات توجد في محافظة سوهاج حيث بلغت  3.22 بالمائة من تعداد المحافظة. وتشير الإحصائيات إلى أن الأعداد تتزايد باستمرار في القاهرة والمحافظات وفى العشوائيات خاصة. كما أنه وفقًا لإستراتيجية المجلس القومي للمرأة 2030، فإن نسبة المرأة المعيلة تحت خط الفقر تمثل أكثر من ستة وعشرين بالمائة من القيمة المرصودة، ويستهدف المجلس من خلال إستراتيجيته أن تقل هذه النسبة إلى تسعة بالمئة بحلول 2030.

· التوعية بالحقوق القانونية

على الجانب القانوني، ذكرت المادة الحادية عشر من دستور 2014 التزام الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجًا. كما أن قانون رقم 23 لسنة 2012 قد كفل للمرأة المعيلة الرعاية الصحية ، وتم استحداث المادة 9 التي تنص على أن تتكفل الدولة بفارق التكلفة التي لا يعطيها التأمين الصحي للمرأة المعيلة مثل زرع الكبد والأمراض المزمنة.

إلا أن انتماء قطاع كبير من السيدات المعيلات للطبقة الفقيرة غير المتعلمة يحول دون درايتهم بحقوقهم القانونية، كما أن بعض البيانات تشير إلى أن عددًا كبيرًا منهن لم يصدرن بطاقات إثبات شخصية. وبالتالي يستحيل عليهن استخراج بطاقات التأمين الصحي.

· التمكين الاقتصادي

تدور كل الجهود المبذولة لحل مشكلة المرأة المعيلة سواء من وزارة التضامن الاجتماعي أو المجلس القومي للمرأة في إطار تمكين النساء المعيلات اقتصاديًا عن طريق القروض والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر. والتي يؤكد المسئولون دومًا على حرصهم أن تصل إلى النساء الأكثر احتياجًا.  إلا أن هذه المجهودات لا تأخذ بعين الاعتبار المشكلات الاجتماعية سواء كانت أسرية أو في البيئة المحيطة التي تقلل من كفاءة المرأة المعيلة على التنافس في سوق العمل. وتشير الدراسات أن النساء المعيلات سواء في الريف أو الحضر يتساوون في حجم المشكلات الاجتماعية التى يواجهونها؛ كنتيجة للموروثات الثقافية ونظرة المجتمع للمرأة التي تكفل أسرة بدون رجل.

هذا بالإضافة إلى أن قطاع كبير من النساء المعيلات نتيجة للظروف الاقتصادية لم يستطيعوا أن يحصلوا على قدر كبير من التعليم. لذا فإن التمكين الاقتصادي للمرأة المعيلة يجب أن يتواكب مع التأهيل النفسي والفكري ورفع قدراتها الإنتاجية والعمل على تغير نظرة المجتمع للدور الذي تلعبه المرأة خارج إطار المنزل.

خاتمة:

تتبنى الحكومة المصرية حاليًا برنامج إصلاح اقتصادي يسعى لإعادة التوازن لمؤشرات الاقتصاد الكلي. وهو الأمر الذي يستدعي أن تنظر للتنمية الاقتصادية بمفهومها الحديث الذي يرى ضرورة إدماج كل فئات وجماعات وقطاعات المجتمع في عملية التنمية واعتبار رأس المال البشري هو المتحكم والمهيمن في كفاءة عوامل الإنتاج المادية الأخرى.

يمثل كل من الأفراد ذوي الإعاقة والمرأة المعيلة نسبة لا يستهان بها من المجتمع المصري، والعمل على دمجهم وتمكينهم على جميع المستويات من شأنه إحداث استقرار على المستوى الاجتماعي والدفع في اتجاه عملية التنمية الاقتصادية من خلال استغلال عنصر بشري مهمل في عملية الإنتاج من جهة، وتقنين المعاملات والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية التي يقوم بها هؤلاء لكسب العيش من جهة أخرى.  وبالتالي رفع مستوى وجودة الإنتاجية ومهارات وكفاءات الأفراد وزيادة القدرة على التنافس في ظل السوق الحر.

الشق القانوني الخاص بالأفراد ذوي الإعاقة والمرأة المعيلة له أهمية كبرى تتعلق بضمان اعتراف مؤسسات الدولة بحقوق هؤلاء، التي يجب أن تكفل. وتمثل تعهد من الدولة بالرعاية والحماية. ولكن تفعيل القوانين وضمان فاعليتها تدل على وجود إرادة سياسية حقيقية لحل أزمات المجتمع التي من ضمنها قضيتا الأفراد ذوي الإعاقة والمرأة المعيلة. ولن يتم ذلك إلا من خلال حصر دقيق لهؤلاء ووجود قاعدة بيانات مفصلة يمكن من خلالها ضمان وصول الدعم والرعاية والتمكين لكل من يستحق.

ويمكن القول إن هناك تشابهًا بين قضية الأفراد ذوي الإعاقة  وقضية المرأة المعيلة في كونهم يعانون من مشاكل اجتماعية أو مشاكل في بيئة العمل ناتجة عن نظرة المجتمع لهؤلاء فإما يتم استغلالهم أو تصنيفهم على أنهم في مرتبة أقل من الأفراد العاديين وبالتالي يحدث ذلك تمييزًا إما في ساعات العمل أو الأجور أو غيرها.  هذا إلى جانب المشكلات الأخرى الخاصة بتعاملات الحياة اليومية. وهو ما يلقي بالمسئولية على الجهات الحكومية والجمعيات الأهلية التي يجب أن تفرد للمشكلات الاجتماعية والموروثات الخاطئة مساحة أكبر من اهتماماتها وتتعامل معها على أنها جزء من الأزمة وسبيل للحل.

لذا فإن التعامل مع قضيتي الأفراد ذوي الإعاقة والمرأة المعيلة، يجب أن يتم من خلال اعتبار الجوانب المختلفة وتداخل الشق القانوني، مع الجانب الاجتماعي والموروث الثقافي، مع الجانب الاقتصادي وغيرها من الأمور التي تؤثر وتتأثر بالقضيتين.

طباعة