إصدارات المركز - الملف المصري

خريطة الطرق الصوفية وتطوراتها في مصر

أبو الفضل الإسناوي 6153 3-8-2017
طباعة

 شهدت الخريطة الصوفية المصرية تطورات متعددة منذ أن ظهرت في صورتها الأولى في القرنين الثالث والرابع من الهجرة. لكن تعد فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين المرحلة الأهم في مسارها، حيث شهدت خلالها بلورة وتثبيت لهيكلها التنظيمي، وأصبحت أكثر انتشارًا وقبولًا في المجتمع المصري.

وخلال تلك الفترة لم يعد الانتماء للطرق الصوفية مقصورًا على الفقراء فقط بسبب الظروف الاجتماعية، فقد شهدت تزايدًا في إقبال الفئات الاجتماعية ذات الإمكانيات، مما أدى إلى تواجدها في كل بقاع الإقليم المصري من شماله إلى جنوبه.

ويمكن القول إن اتساع أو ضيق نطاق الخريطة الصوفية المصرية تحكمت فيه مجموعة من العوامل، يتمثل أهمها في حدود العلاقة بين السلطة والمتصوفة، إلى جانب مدى سيادة حالة الانتعاش للتيارات الدينية الأخرى التي تنسب نفسها للإسلام. 

أولًا-  النشأة والتطور:

ظهرت الطرق الصوفية في صورتها الأولى في القرنين الثالث والرابع من الهجرة، وأصبحت كلمة "طريقة" في هذين القرنين تشير إلى مجموعة الآداب والأخلاق التي تتمسك بها طائفة الصوفية، وأوائل الصوفية كانوا يستخدمون إلى جانب اصطلاحي الطريق والطريقة اصطلاح السلوك، أي السير في الطريق، وهذه الاصطلاحات كلها تعبر عندهم عن الجانب السلوكي الأخلاقي من التصوف الذي يتمثل في تصور الطريق إلى الله مكونًا من عدة مراحل هي: المقامات والأحوال، فالمقامات كالتوبة والصبر والرضا واليقين والمحبة والتوكل، والأحوال كالقبض والبسط والفناء والهيبة، وهذه كلها فضائل وأحوال نفسية وأخلاقية تأتي ثمرة مجاهدة النفس، يترقى فيها السالك للطريق حتى يصل إلى مقام التوحيد أو المعرفة بالله وهو آخر مقامات الطريق.

وللطرق الصوفية في مصر مدارس وفرق تأخذ منها مرجعيتها، فيعتبر العصر النبوي هو المرجع الأساسي، وبالتالي كل طريقة صوفية تربط أورادها بسند رجال يعيدها إلى أحد الصحابة أو إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- بذاته. وبصفة عامة، فإن التصوف المصري يعد أفضل أنواع التصوف المعتدل، ويستمد أصوله من الكتاب والسنة لأن الحياة الروحية تتماشى مع الطبيعة المصرية الهادئة المستقرة.

وقد ظهرت في القرنين الثالث والرابع الهجريين طرق صوفية منها: الملاتية أو القصاربة، والطيقورية، والخرازية، والحلاجية، والنورية، والجنيدية. وفي القرن الخامس الهجري ظهرت الطريقة الغزالية، نسبة إلى الإمام محمد بن محمد الغزالي. أما الطرق التي ظهرت في القرنين السادس والسابع الهجريين، فكان من أهمها: القادرية، والأكبرية، والرفاعية، والشاذلية، والأحمدية، والبرهامية، والبدوية.

وتتفرع جميع الطرق الصوفية في مصر من أربعة مدارس أو طرق رئيسية، هي: الطريقة الرفاعية، التي أسسها الإمام أحمد الرفاعي، وكان تعدادها حين توفي 100.000 مريد، وما يقرب من 64 حزبًا ووردًا ودعاء في مكتبته. والطريقة البدوية نسبة إلى مؤسسها السيد أحمد البدوي في مدينة طنطا. والطريقة الشاذلية، التي أقام صرحها أبوالحسن الشاذلي الحسيني بن عبد الله، وتعد هذه المدرسة من أكبر المدارس الصوفية في مصر، وقد لعبت دورًا مهمًا في حياة المصريين الروحية وعنها نقلت كل المدارس الصوفية الأخرى كل المبادئ والقيم والمناهج الصوفية. أما المدرسة الرئيسية الرابعة، فهي القنائية، والتي أنشأها عبد الرحيم القنائي بمحافظة قنا، وقد اهتمت هذه المدرسة بدراسة ماهية الفرق بين الروح والنفس وضرورة الفصل فيها.

ويمكن القول إن التطور الحقيقي في الصوفية المصرية من مدارسها القديمة إلى الحديثة ارتبط بالتحول الجذري عند الإمام الغزالي الذي انقلب فكريًا من مدرسة المتعلمين إلى المدرسة الصوفية الواقعية، وكان كتابه "إحياء علوم الدين" محاولة لتأسيس العلوم الشرعية بصياغة صوفية، ثم بعد حكم الأيوبيين عادت الصوفية لأفكار الفلسفة الميتافيزيقية، وترسخت مبادئ الصوفية وأشعارها الروحانية على يد محيي الدين بن عربي الذي قام في كتبه وأهمها "(فصوص الحكم)و(الفتوحات المكية)" بتذليل الكثير من المعارف والمعاني التي كانت عصية الفهم على إثبات مطابقتها للشرع. وقد حضنت مصر في ذلك الوقت كل المهاجرين إليها من مختلف دول العالم، وقد كونوا مدارسهم الصوفية في جميع أقاليم مصر، فلم توجد مدينة في ذلك الحين وإلا كانت تمثل مهبطًا لشيخ مهاجر إليها يقيم مدرسته الروحية.

ويمكن تحديد عدة أسباب أدت إلى نشأة وتعدد الطرق الصوفية في مصر، فبعضها يمتد إلى عوامل ارتبطت بطبيعة نشأة التصوف، وبعضها الآخر إلى عوامل حديثة النشأة، خلقتها الظروف المتجددة من حين لآخر، وتتمثل أهم هذه العوامل في:

اختلاف مشايخ الطرق الصوفية في تفسير النصوص الإسلامية، فهناك تصوف نشأ نشأة إسلامية، ومشايخ هذا النوع من التصوف اختلفوا فيما بينهم فى فهم النصوص المهتمة بالناحية الروحية والاعتماد على كمية هذه النصوص ومعرفتها، واختلفوا في التركيز على اتجاه معين وواحد لهم، فهناك نصوص على سبيل المثال تدعو إلى التأمل وأخرى تدعو إلى الذكر الكثير بالأدعية، وثالثة تدعو إلى كثرة العبادات من الصلاة والصيام.

الاختلاف في طريقة ترويض النفس ونتائجها، وكان هذا الاختلاف نتيجة ثلاثة عوامل، هي: الأول، نتيجة التجربة الصوفية التي قام بها شيخ الطريقة نفسه، ثم نظم طريقته على حسب تجربته الخاصة. والثاني، مزج شيخ الطريقة تجربته مع تجارب غيره من أهل دينه ومن غير أهل دينه، ثم النتيجة التي وصل إليها أخيرًا. والعامل الثالث، هو تفسير شيخ الطريقة لتجارب غيره.

تكوين بعض الطرق بقصد التشويه والإفساد، فهناك طرق كثيرة نشأت وتكونت بغرض تشويه روح وإفساد المجتمع الإسلامي، فبعض هذه الطرق يعمل في وضوح وبعضها يعمل في تكتم وخفاء.

الانقسامات والانشقاقات في بعض الطرق الكبيرة، وهذا كان يحدث نتيجة الاختلاف على تولى منصب شيخ الطريقة، وظهور شخص من بين المريدين يحاول أن يصنع لنفسه صورة تقارب شخصية شيخ الطريقة، وبالتالي ينشق بمجموعة مصغرة تقوم على مبادئ وشعائر الطريقة الكبيرة التي انشق عنها.
تأثير المصادر الأجنبية، ويحدث تأثير المصادر الأجنبية في اتجاهات بعض الطرق سواء كان هذا التأثير عن قصد أو عن غير قصد، فهناك مصادر إيرانية وأخرى هندية.

ثانيًا-التنظيم الهيكلي والإداري:

تطورت التنظيمات الإدارية للطرق الصوفية في مصر منذ القرن 19 الميلادي أو ما قبله بقليل، فأصبح للطرق الصوفية مشيخة عامة تمثل كافة الطرق الصوفية وتتحدث باسمهم. وعلى المستوى الأدنى أي على مستوى الطريقة، حيث لكل طريقة شيخ يمثل أعلى سلطة روحية إدارية فيها، ولكل شيخ خلفاء في القرى ونواب في المراكز والمديريات، ولكل خليفة مريدون، والشيخ يدير أمر الخلفاء، والخليفة أمر المريدين من حيث إرشادهم ومراقبتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

ويلاحظ أن أهم العصور التي اهتمت بالتنظيمات الإدارية للطرق الصوفية في مصر هو العصر المملوكي، حيث انتظمت فيه الصوفية داخل الخانقاوات، ومن مظاهر تنظيم الصوفية في العصر المملوكي كيفية تقدم المريد للجماعة ثم وصوله إلى درجة النقابة فالخلافة.

 وقد تطورت بعض التنظيمات الإدارية للطرق الصوفية في العصور التالية حتى أصبح شيخ مشايخ الطرق الصوفية يعين بقرار من قبل رئيس الجمهورية. لكن المؤكد أنه على المستوى الداخلى للطرق الصوفية المصرية في الفترة الأخيرة، فقد أصبح لجميع مشايخها لفيفًا من الأتباع والمريدين والأبناء والمحبين يطيعون أوامرهم ويتبعون تعاليمهم ليس على مستوى المقربين من مركز القيادة والتي تدار من خلال شيخ الطريقة، بل على مستوى التنظيمات والإداريات الإقليمية سواء المباني التي يقيم بها أتباع الطرق الصوفية أو المباني التي تنشؤها الطريقة لمضيفة المغتربين وعابري السبيل.

والتنظيم الداخلى في كل طريقة صوفية في مصر يلاحظ عليه التقسيم الهرمي من ناحيتين: الأولى: مرتبطة بالرقي الروحي والتقرب من شيخ الطريقة. أما الثانية: مرتبط بالتنظيم داخل الهرم الإداري، والخاص بإعطاء الأوامر والمتابعة على تنفيذها. وفي هذا النوع من التنظيم يلاحظ أن ابن الطريقة لا يستطيع أن يترقى من مرتبة إلى أخرى، إلا إذا تجاوز جميع الاختبارات وأدى كل المسئوليات التي كانت ملقاة عليه في مراحله الأولى، عبر العديد من المجاهدات الروحية، فهذا التنظيم الروحي يبدأ بالمريد، وهو الشخص سالك الطريقة الذي يسير في الطريق حسب إرشادات شيخه، فيسلك طريقه كما يرسمه له حتى يصل إلى غايته، ولقد ترك مشايخ الطرق الصوفية حرية اختيار الشيخ والطريقة التي يرغبها.

أما توصيف الهيكل التنظيمي للطرق الصوفية المصرية على المستوى العام في الوقت الراهن، فيكون على قمته وفقًا للقانون رقم 118 لسنة 1976، المجلس الأعلى للطرق الصوفية الذي يتكون من ستة عشر عضوًا، ويسيطر على كل القرارات المتعلقة بجميع الطرق الصوفية المعترف بها وفقًا للقانون، وتجرى انتخابات عضوية هذا المجلس كل ثلاث سنوات لاختيار عشرة أعضاء بالانتخاب، بينما يتم اختيار الخمسة الباقين بالتعيين من قبل وزارات التنمية المحلية والثقافة والأوقاف والداخلية والأزهر الشريف وهم موزعون على النحو التالي:

شيخ مشايخ الطرق الصوفية رئيسًا وهو يعين بقرار من قبل رئيس الجمهورية.

عشرة أعضاء من مشايخ الطرق تختارهم الجمعية العمومية لمشايخ الطرق الصوفية في شتى أنحاء مصر.

ممثل عن الأزهر يختاره شيخ الأزهر. وممثل عن الداخلية يختاره وزير الداخلية. وممثل لوزارة التنمية المحلية يختاره وزير التنمية المحلية، وممثل عن وزارة الثقافة يختاره وزير الثقافة. وممثل عن وزارة الأوقاف يختاره وزير الأوقاف.

ويلاحظ أن التنظيم الإداري للطرق الصوفية في المحافظات والأقاليم والمراكز والقرى والنجوع يتم على هذا النحو:

- وكلاء المحافظات والمراكز والأقسام يتم تعيينهم من قبل المشيخة العامة للطرق الصوفية التي مقرها محافظة القاهرة.

- النواب والخلفاء وخلفاء الخلفاء بالمحافظات والمراكز والأقسام يتم تعيينهم من قبل شيخ الطريقة.

أما طريقة اختيار شيخ الطريقة في مصر، فتحكمها عدة عوامل اجتماعية مثل التوريث العائلي أو الأبوي، إلا أن الوراثة في رئاسة الطرق المصرية ليست ظاهرة عامة، بل نادرًا ما تحدث، وذلك لأن في حالة وفاة رئيس الطريقة تجرى انتخابات بين أكبر مشايخها لانتخاب رئيس جديد يكلف من قبل شيخ مشايخ الطرق الصوفية، ويلاحظ أن بعض الطرق الصوفية المصرية تضع شروطًا لمن يترشح على رئاستها قد تزيد عن عشرة شروط منها البعد عن الطموح السياسي، وتنفيذ التكاليف الخاصة بالطريقة التي تضمنتها لائحة عملها.

ثالثًا-  حدود الانتشار:

تبدو الخريطة الجديدة للطرق الصوفية المصرية، أكثر تطورًا وتشابكًا بين المركز والأطرف في الأقاليم، فهي تشير إلى أن واقع الصوفية المصرية حاليًا اختلف كثيرا عن العصور السابقة، فأصبحت الصوفية أكثر انتشارًا في القرى والنجوع، حيث يبلغ عدد الطرق الصوفية المسجلة في المجلس الأعلى للطرق الصوفية 77 طريقة، تضم ما يقرب من 6 ملايين ما بين مريد ومحب. فقد أصبح لكل طريقة صوفية فرع في القرى والنجوع يتبع إداريًا المركز الرئيسي بالقاهرة أو في أي من المدن الكبيرة بمحافظات أخرى. ويوجد في القاهرة الكبرى 41 طريقة، أشهرها السادة الرفاعية والمحمدية الشاذلية، وفي الإسكندرية 4 طرق أشهرها النقشبندية. وهذه الطرق منتشرة في كل أرجاء جمهورية مصر العربية، سواء في محافظات الغربية والفيوم والشرقية وكفر الشيخ والصعيد، ومصر العليا التي من أشهرها طريقة " الرحيمية القناوية ".

بصفة عامة يمكن القول إن اتساع مساحة الخريطة الصوفية يرجع إلى تغير العلاقة بين الصوفية والجماهير في الشارع، فلم يعد الانتماء للطرق الصوفية مقصورًا على الفقراء بسبب الظروف الاجتماعية، بل إن الطرق المصرية تشهد تزايدًا في إقبال الفئات الاجتماعية ذات المكانة، فأصبح منها المهندس الصوفي والطبيب الصوفي والصحفي الصوفي وأستاذ الجامعة. لذلك تظل علاقة الطرق الصوفية بفئات المجتمع المصري سواء كانوا عمالًا أو موظفين أو أرزقية قائمة على الحب والمودة والأمان والاطمئنان.

وتطور العلاقة بين الصوفية وأفراد المجتمع المصري وفئاته، والذي يظل المحدد الرئيسي في رسم ملامح الخريطة الصوفية المصرية، يرتبط بعدة قضايا، أولها الدور الاجتماعي للتصوف، وإن كانت تتزايد في مواسم بعينها، فما تتمتع به الزوايا والساحات المركزية، وتقدمه من وسائل المعيشة الناتجة عن المنح والعطايا من الأثرياء جعلت الجماهير تلتف حول المتصوفة لتنال ما لديهم من أرزاق رغم أن هذه الظاهرة بدأت تتضاءل في الفترة الأخيرة. والقضية الثانية، تتمثل في ارتباط الطرق الصوفية بالطوائف الحرفية المختلفة فقد كان أرباب الطوائف الحرفية يلجأون لمشايخ الطرق ومشايخ الساحات لحل مشاكلهم، وانضم العديد من تلك الفئة للطرق الصوفية، ولم يقتصر الأمر على طوائف المدن بل تشابك معهم العمال والمزارعون وسمحت الطرق الصوفية بتجنيد المهمشين اجتماعيًا والأرزقية في المدن.

ولم يتوقف شكل العلاقة بين الطرق الصوفية وفئات المجتمع عند هذا الحد، بل حدث تقارب بين الصوفية ورجال الأعمال، والذي انتهى في أغلبه بزيادة الدعم النقدى المقدم للطرق المصرية. تمثل في التعاون بين أصحاب الشركات والأثرياء وبعض الطرق الصوفية في تمويل مقراتها وساحاتها وكذلك تمويل احتفالاتها وانتقالاتها في الداخل المصري أو في الخارج.

 لكن العلاقة بين الصوفية ومختلف فئات المجتمع المصري تحكمها الروحانيات والعمل القلبي والوجداني والغاية منها التقرب إلى الله ولآل بيت رسول الله دون أهداف سياسية أو مصلحة، وأيضًا يمكن أن يحكم تلك العلاقة التعاون على أساس مشاركة الصوفية للناس في أفراحهم وأحزانهم من خلال تعاون المحبين من الأثرياء بالدعم المادي لمجالس الطرق الصوفية أو من خلال قيام بعض مشايخ الساحات الصوفية في كل محافظات الصعيد بحل الخلافات الثأرية وتسويتها من خلال عقد مجالس الصلح العائلية، ويساعد على نجاح هذا الدور دعم رجال الأمن في تلك المحافظات للمتصوفة، بالإضافة إلى التفاف قيادات القرى والنجوع والمراكز من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة وكثيرين من رجال القضاء حول رموز الصوفية ومشايخهم في تلك المناطق، حتى أصبحوا يحرصون على حضور الجلسات التي يعقدها المتصوفة لحل المشاكل الثأرية.

وإضافة إلى ما سبق يمكن القول إن استمرار ارتفاع الأسعار، وزيادة معدل البطالة والفقر في المناطق الريفية والشعبية، خاصة العمال باليومية منهم وغير القادرين على إعانة ذويهم، أثر تأثيرًا كبيرًا في انتشار التصوف وتغيير ملامح خريطته في مصر، فأصبح من أهم المدافعين عن الطرق الصوفية والمروجين لها هم المؤمنون بظاهرة " التبرك " بأضرحة الأولياء والصالحين سواء من البسطاء الذين يقيمون في ريف الصعيد أو محافظات الدلتا أو في ضواحي منطقة السيدة زينب بالقاهرة أو منطقة الحسين وغيرهما من المناطق التي تكتظ بساحات المتصوفة، وهؤلاء يعتبرون ساحات الصوفية التي يؤدون فيها أورادهم وشعائرهم ويقيمون فيها حلقات الذكر بمثابة بيوتهم التي يجب الحفاظ عليها ودعمها معنويًا. أو من غير البسطاء الذين يعتبرون ساحات المتصوفة ملاذًا آمنًا يلجأون له-وهذا في تصورهم-لتخفيف عبء ضغوط مشاكل الحياة اليومية وظرف العمل والرغبة في الاسترخاء الروحي، وهؤلاء قد يكونون لواءات سابقين أو في الخدمة أو رجال قضاء أو مسئولين سابقين.

ويمكن تحديد العوامل التي أدت إلى تغير ملامح الخريطة الصوفية المصرية منذ التسعينيات حتى الآن فيما يلي:

دعم الدولة في كثير من الأوقات للطرق الصوفية من خلال نقل احتفالاتهم عبر قنوات التليفزيون الرسمي، وحرص القيادة السياسية على إرسال مندوب عنه لتهنئة المتصوفة بذكرى ميلاد شيوخهم. وقد أدى هذا إلى مشاهدة المواطنين من غير المتصوفة لاحتفالاتهم، وبالتالي التعرف على مظاهر سلوكهم واحترامهم لقياداتهم، وهو كان ينتهي في كثير من الأوقات إلى جذب شريحة جديدة للطرق الصوفية.

الشفافية والوضوح والاعتراف بمصادر التمويل على عكس التنظيمات الأخرى التي تنسب نفسها للإسلام التي تقلق الراغبين في الانضمام إليها. فيقول الشيخ محمد على عاشور شيخ الطريقة البرهامية أن فلسفة المتصوفة في التمويل قائمة على قول سيدنا إبراهيم الدسوقي ( نحن قوم لا نطلب ولا نريد).
السلمية الدائمة والبعد عن العنف، ومساندة الأنظمة الحاكمة والعداء الدائم للتيار السلفي بكافة فصائله. وهو ما يجعل الطرق الصوفية ملجأً لكافة فئات المجتمع من منطلق أنه لا ضرر ولا ضرار من الاختلاط بالطرق الصوفية على اعتبار أن الطرق الصوفية لم يخرج من بين صفوفها متطرف أو إرهابي أو متشدد.

سهولة الانضمام للطرق الصوفية، فأغلب الطرق المصرية تحرص على تسهيل الانضمام لها بعيدًا عن الروتين وترفض الاشتراكات المادية للعضو الجديد على عكس التنظيمات الدينية الأخرى. بل تقدم الطرق الصوفية وسائل تشجيعية للمشتركين الجدد على سبيل المثال كتب الأوراد الخاصة بهم.
كاريزمة رموز المتصوفة سواء في الإدارات المركزية للطرق أو في الساحات في المحافظات، وهذا ما ساعد على تقرب العديد منهم، وقيام الطرق الصوفية بدور أمني داعم لجهاز الشرطة في المجتمع من خلال التحركات السريعة لمشايخ الصوفية في بعض المحافظات لحسم المشاكل الثأرية بالتعاون

مع الشرطة، وهو ما كان يلقي قبولًا بين العائلات والقبائل الكبيرة في الريف المصري.
انتشار ظاهرة الموالد الصوفية ومجالس الذكر، والتي تعد أداة مهمة لجذب محبين جدد لأنها كما يقول الشيخ حسن الشناوي رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية الأسبق بمثابة أسواق دينية جامعة لطلاب العقول والقلوب.

تزايد الدور الخدمي للطرق الصوفية، وقيام بعضها بإنشاء مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ودور لرعاية الأيتام وصناديق الزكاة من أجل تقريب أبناء الطرق الصوفية ومختلف فئات المجتمع، سواء من المحبين أو المنتسبين لها.

رابعًا-الملامح المستقبلية:

بصورة عامة يبدو أن الطرق الصوفية لم تضع خطة تطورها لتوسع من انتشارها رغم أن الظروف الراهنة تخدم مصالحها، خاصة بعد مواجهة الدولة للجماعات الدينية التي تكفرها وتحاربها، وحرص القيادة السياسية على تطوير الخطاب الديني ليتناسب مع الوسطية والاعتدال اللذين هما أساس منهاجها الفكري والمجتمعي. واستكمالًا لما سبق يمكن ترجيج مسارين لاثالث لهما، يمكن أن يعبر أحدهما عن واقع الصوفية الجديد خلال العشرة سنوات المقبلة، وهما كالتالي:

المسار الأول: الكمون المؤقت، ويعني هذا المسار أن الخريطة الصوفية ستظل على شكلها الراهن خلال الفترة المقبلة، بالتالي لن تستفيد الصوفية من المتغيرات المحيطة بها، وذلك يرجع إلى استمرار التشتت الحادث والصراع غير المعلن بين مشايخ الطرق الصوفية الكبيرة. وما يدعم هذا السيناريو هو أن خريطة انتشار الصوفية المصرية، أخذت بعد ثورة 30 يونيو، شكلًا جديدًا، ثم عادت إلى أماكنها المركزية في القاهرة الكبرى، رغم أن عودة القبليات والعصبيات إلى دورها السياسي والاجتماعي خلال تلك الفترة، والتي ظلت بعيدة عن المشهد المصري طوال فترة حكم الإخوان، كانت من الممكن أن تدعمها بقوة لتملأ الفراغ الاجتماعي الذي تركته جماعة الإخوان وغيرها.

المسار الثاني: التراجع الدائم، وهذا السيناريو يعني أن الحالة الصوفية ستشهد خلال الفترة المقبلة تراجعًا كبيرًا في المجتمع المصري. وهذا يرجع إلى اتجاه بعض الطرق الصوفية الكبيرة إلى لعب دور سياسي في المجتمع، وتأسيسها لأحزاب سياسية تمثل أذرع لطرقها. وقد يكون هذا التوجه سببًا رئيسيًا في ابتعاد الناس عنها، لأن تجربة الإخوان السياسية وتداعياتها ستظل في ذاكرة من يحاولون الانتساب إلى تلك الطرق، خاصة وأن هذا الدور كانت تلعبه الصوفية بوضوح في مساندتها للسلطة وتبرير تحركاتها ربما تكون قد افتقدته بصورة غير مقصودة خلال الفترة الراهنة.

إجمالًا يمكن القول إن جميع الطرق الصوفية ليست لديها خطة مستقبلية أو حتى مجرد نية لتجنيد أكبر عدد من المصريين لتتوغل في حياتهم، رغم أن الحياة الروحية للصوفية تتماشى مع الطبيعة المصرية الهادئة المستقرة، وتتلاءم مع النفس المصرية التي ورثتها من الأجداد منذ القدم.

طباعة