تعتبر الطرق الصوفية أحد أهم التجمعات الدينية في البلاد الإسلامية. تستمد الطرق الصوفية أصولها الدينية من الحديث النبوي عن مقام الإحسان. ومقام الإحسان هو المقام الذي يبنى على التزكية. والمقصود بالتزكية هو تخلية النفس البشرية من الآفات وتحليتها بالصفات الحسنة. وتنقسم الطرق الصوفية إلى ٨ طرق أساسية وهم (الأحمدية: نسبة للإمام أحمد البدوي - الشاذلية: نسبة للإمام أبو الحسن الشاذلي- الرفاعية: نسبة للإمام الرفاعي - الخلوتية: نسبة للإمام الخلوتي - الدسوقية: نسبة للإمام إبراهيم الدسوقي- النقشبندية: نسبة للإمام النقشبندي- الطريقة التيجانية: نسبة للإمام أبو العباس التيجاني- الطريقة الجيلانية: نسبة للإمام عبد القادر الجيلاني) وتتفرع عن كل طريقة الكثير من الطرق وتنسب كل واحدة منها إلى الشيخ المؤسس. فعلى سبيل المثال: الطريقة الجعفرية نسبة للإمام صالح الجعفري رضي الله عنه، وهي إحدى الطرق المتفرعة عن الطريقة الأحمدية. والطريقة العزمية تتفرع عن الطريقة الشاذلية.  وتختلف الطرق الصوفية من حيث الأوراد وحلقات الذكر والمريدون ولكل طريقة شيخ "مربي"يقوم على أحوال المريدين وتزكية أنفسهم.

وعهد مصر بالطرق الصوفية من قديم الأزل، ففيها ثلاثة من الأئمة المؤسسين لثلاثة طرق صوفية (الإمام البدوي، والإمام الدسوقي، والإمام الشاذلي). وقبل الدولة الحديثة، كانت أغلب البيوت المصرية فيها مريد أو أكثر لطريقة من الطرق الصوفية. ويمكن اعتبار الطرق الصوفية هي أحد أهم التنظيمات المجتمعية البعيدة عن السلطة، وفيه يقوم المجتمع بتنظيم نفسه بما يضمن تناغم أفراده والتنسيق بين مصالحهم والحفاظ على النظام. وبدأت الطرق الصوفية بالظهور في مصر مع صلاح الدين الأيوبي.

ومع الدولة الحديثة تغيرت المعطيات المجتمعية التي تشكل الطرق الصوفية كأحد التنظيمات غير الحكومية.

تنقسم المعطيات المجتمعية التي تشكل الطرق الصوفية إلى شقين أساسيين: الأول متعلق بالسياق السياسي وتدخل الدولة في رسم خريطة الطرق الصوفية وتوجهاتها. والثاني: هو موقع الطرق الصوفية بين التيارات الدينية المختلفة وتأثرها بالعوامل الداخلية والخارجية.

منذ تحول الطرق الصوفية إلى شكل منظمة من المنظمات الأهلية، أصبح التكوين التنظيمي هو العامل الرئيس في تحديد الدور التي تلعبه الطرق الصوفية وهو ملتصق بالقواعد العامة التي تضعها الدولة. فمنذ قيام الدولة الحديثة وتطورها مرورًا بدولة يوليو وسياسات جمال عبد الناصر، كانت الطرق الصوفية أحد الأدوات التي استخدمها جمال عبد الناصر في الترويج لسياساته وكسب الدعم المجتمعي من فئات المريدين. وكسائر منظمات المجتمع المدني في ذلك الوقت، كان جمال عبد الناصر حريصًا على وضع الطرق الصوفية تحت سيطرته لضمان تحكمه في التجمعات الحيوية داخل البلد. واستمرت الطرق الصوفية في لعب دور الداعم الأساسي للحكومة مع اختلاف الحقب الرئاسية وحتى اندلاع ثورة ٢٥ من يناير. فبعد الثورة أثر الانفتاح السياسي على الطرق الصوفية وحثها على لعب أدوار سياسية مستقلة عن الدولة وفي بعض الأوقات معارضة لها. وكما سيتضح من خلال بعض الطرق الصوفية، فكان التحول تجاه لعب دور سياسي داخلي وإقليمي كبير خاصة في ظل تصاعد التيارات الدينية بخلفياتها المختلفة.

الشق الثاني المؤثر على تطور الطرق الصوفية هو موقعها من التيارات الدينية كافة، سواء الراغبين في لعب دور سياسي كالإخوان المسلمين والسلفيين أو المؤسسات الدينية التي لا تطمح للمنافسة على السلطة مثل الأزهر.

وللبدء بعلاقة الأزهر بالطرق الصوفية، فلطالما كانت الطرق الصوفية خارج النطاق الرسمي للأزهر، في حين أن طلاب العلم والمشايخ على حد سواء كانوا ينتمون للطرق الصوفية على اختلافها. من ثم خلق ذلك نوعًا من التفاهم غير الرسمي بين الأزهر والطرق الصوفية "علاقة سائلة". في هذه العلاقة ينتمى أفراد الأزهر إلى الطرق الصوفية من دون أن يكون هناك إطار مؤسسي أو رسمي ينظم هذا الانتماء.وكثيرًا ما نرى إسهام  بعض علماء الأزهر في الإنتاج الثقافي للطرق الصوفية من خلال مجالاتهم.

على صعيد آخر، فإن القوى الإسلامية الآخرى طالما كانت في تنافس مع  الطرق الصوفية على المستويين السياسي والديني. فعلى المستوى الأول وخاصة بعد ثورة ٢٥ يناير نشأت أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني، كجماعة الإخوان المسلمين  (حزب الحرية والعدالة) والسلفيين وما إلى ذلك. وحيث إن المرجعية الدينية لكل من هذه التيارات في تنافس دائم لتلبية احتياجات "السوق"من الدين، فقدم كل تيار سلعة دينية تركز على مكون - وإن كان مغلوطًا- من مكونات الدين.

فجماعة الإخوان المسلمين تقدم النزعة اليمينية من الدين القائمة على مجموعة من المبادئ التي تحتكر شكل الممارسات الدينية فيما تقوم به الجماعة من دعوى وأعمال خيرية لتمكين "الدين الإسلامي"والحكم بالشريعة الإسلامية. أما السلفية وأحزابها، فاتسمت نزعتها السياسية بالعملية والمحافظة في نفس الوقت. فهي مؤيدة للسلطة ومتشددة وظاهرية في ممارسات أفرادها. أما الصوفية، فتقدم نكهة ليبرالية في سلعتها الدينية. فلو لاحظنا التيارات السياسية التي دعمتها الطرق الصوفية فسنجد أنها ليبرالية النزعة. ولنا في انضمام بعض الطرق الصوفية لحزب المصريين الأحرار خير مثال على هذا.

وتتسم ليبرالية الطرق الصوفية بالخروج عن القيود الشرعية المتعارف عليها. حيث إن القيمة العليا لأغلب تلك الطرق هي "التسامح". ويقصد بالتسامح التعالي على كل الخلافات الدينية والعقدية بين التيارات المختلفة. فنجد أن بعض الطرق الصوفية بها مريدين من الشيعة والسنة  في نفس حلقة الذكر. مما يفتح مجالًا للاتهامات بين التيارات السلفية التي تنكر التصوف إجمالًا وتتهم المتصوفة بالتشيع حيث يزور الصوفية مقامات الأولياء وآل البيت، فتجر الصراعات العقدية إلى المنافسة السياسية بين هذه التيارات بما يتناسب مع "احتياجات السوق"والقواعد العامة التي يعتمدها النظام لتعريف الدين والسياسة والفصل أو الدمج بينهما.

الطريقة العزمية: دراسة حالة

الطريقة العزمية هي إحدى الطرق الصوفية الحديثة نسبيًّا. فيعود مؤسسها إلى الشيخ  محمد ماضي أبو العزائم الأكبر (١٩٣٣)، وهي طريقة متفرعة عن الطريقة الشاذلية.  والطريقة العزمية شأنها شأن باقي الطرق الصوفية تدعو إلى أن يصبح الإسلام المنهج والمرجعية الأولى والأخيرة. وطبقًا لنهج الإمام الأكبر محمد ماضي أبو العزائم فإن الخلافة الإسلامية كانت أهم الركائز التي تدعو إليها الطريقة العزمية. ويتناول هذا الجزء الطريقة العزمية من حيث نفوذها السياسي والركائز الأساسية التي تقوم عليها الطريقة العزمية كتيار ديني. وما تتميز به الطريقة العزمية عن باقي الطرق الصوفية.

الشيخ محمد ماضي أبو العزائم

يعود نسب الطريقة العزمية إلى الشيخ محمد ماضي أبو العزائم الأكبر، وكان جده من سكان مدينة فاس بالمغرب. وهاجر أجداد الشيخ محمد ماضي أبو العزائم إلى القاهرة بعدما صعدت دولة الموحدين والتي دعت إلى "تنقية الدين من الشوائب"متضمنة تطهير الدين من الممارسات الصوفية.

وسلك أبو العزائم طريق التدريس الشرعي إلى أن وصل إلى أن صار أستاذًا للشريعة الإِسلامية بكلية  غردون بالخرطوم. وكان نشاطه الديني في غاية القوة واستمر في التحذير من الاستعمار الإنجليزي فأقصاه الحاكم الإنجليزي من منصبه في عام ١٩١٥.  ثم عاد  من السودان  إلى مصر واستقر في قرية محلة أبو علي بجوار مدينة دسوق في كفر الشيخ.

وقبل أن ينشأ الشيخ محمد أبو ماضي الطريقة العزمية، كان يعقد مجموعة من الاجتماعات مع أهله فيما يعرف "بآل العزائم"والتي أنشأها عام ١٣١١ هـ وأنشأ الطريقة العزمية بعد جماعة "آل العزائم"بأربعين سنة. وربما يفسر ذلك سر توارث أبناء محمد ماضي لمشيخة الطريقة العزمية بعد تأسسيها فهي امتداد لاجتماعات آل العزائم. فبعد وفاة  الشيخ محمد ماضي أبو العزائم خلفه على الطريقة ابنه أحمد محمد ماضي أبو العزائم، الذي توفي في سنة 1970، وخلفه ابنه عز الدين أحمد أبو العزائم، وخلف عز الدين أخوه علاء الدين وهو شيخ الطريقة الآن.

وللشيخ أبو العزائم عدد كبير من المؤلفات في العلوم الشرعية في أغلب فروعها منها كتاب في تفسير القرآن الكريم  "أسرار القرآن"وكتاب "مبايعة الرسول عليه الصلاة والسلام"وكتب في الفقه والتصوف وأهمها كتاب "الجفر"وهو ما سيتطرق إليه هذا المقال والشعر ومسرحيات إسلامية وكتب في المناسبات الدينية والعقيدة وغيرها من المؤلفات. ولعب الشيخ أبو العزائم دورين سياسي وديني في كل من مصر والسودان في الفترة التي عمل بها في الجامعة فاتبعه الكثير من طلبة العالم وتشبعوا بمنهجه في العلم والسلوك.  واستمرت الطريقة العزمية إلى هذا الوقت ووصل عدد أعضائها إلى ما يقرب نصف مليون مريد.

وتختلف الطريقة العزمية عن باقي الطرق الصوفية من حيث النشاط الفكري. فأغلب الطرق الصوفية المعاصرة ليس لها إنتاج معرفي خاص بها. وإن كان لها إنتاج معرفي فهو لا يقارن  بحجم إنتاج الطريقة العزمية. ففضلًا عن الكتب التي قام الشيخ أبو العزائم بتأليفها، فلمشيخة الطريقة "لجنة للبحوث والدراسات"وهي اللجنة المعنية بالدراسات والنقاشات الفكرية. وتصدر اللجنة إصدارات دورية وغير دورية فـ "سلسلة الفتوحات العزمية"وهي مجموعة كتيبات تتناول بعض الموضوعات الشائكة، وتوثق لبعض المؤتمرات والأحداث المهمة التي قامت بها الطريقة العزمية. فضلًا عن مجلة "الإسلام وطن"وهي جريدة شهرية تصدرها الطريقة للتحذير من التفرقة بين العالم الإسلامي والحفاظ على وحدته ضد المؤامرات الغربية.

الطريقة العزمية: اختلافات عقائدية أم منافسة سياسية؟

يعتبر الهجوم على الطرق الصوفية حديثًا نسبيًّا. فمنذ عهد صلاح الدين الأيوبي، والطرق الصوفية من التيارات المعترف بها بين طلبة العلم الشرعي والأفراد العادية واستمر هذا الشكل من التوافق بين المؤسسة الدينية الرسمية والطرق الصوفية إلى أن تدخلت الدولة في إضعاف كليهما، فضعف الأزهر واخترق من قبل تيارات دينية مختلفة، وضعفت الطرق الصوفية وأصبحت أحد أهم الأدوات التي تلجأ إليها الدولة في حشد وتعبئة المواطنين. ومن هنا بدأت التيارات التي تنقد الطرق الصوفية بشكل عام،  لكن تختص بعض الطرق الصوفية بالنقد دونًا عن غيرها في بعض الحالات منها الطريقة العزمية. ومع ضعف الطرق الصوفية انفكت عن الهدف الأساسي التربوي وأصبح لها باع في الأمور السياسية مما زاد الأمر تعقيدًا. فأصبح نقد الطرق الصوفية ومنها الطريقة العزمية - كما سيتضح- عقائديًّا لكن يحمل في طياته مظاهر للمنافسة السياسية بين التيارات الدينية.

فمثلًا: كتب الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر في الأربعينيات، كتابًا ينقض فيه ممارسات الطرق الصوفية  بشكل عام من التوسل بآل البيت وزيارة القبور والأضرحة والاحتفال بالمناسبات الدينية المختلفة.  كما أنكر الشيخ في كتاب فتاويه الإضطلاع على الغيب وأن معرفة الغيب من المحجوبات عن الإنسان،  وهو ما تؤمن به الطريقة العزمية متمثلة في كتاب الجفر وإن لم يذكر الطريقة العزمية بشكل مباشر في فتاويه.

في نفس الوقت، كان الشيخ شلتوت من زعماء "حركة التقريب"التي جمعت مجموعة من الرموز الدينية منها حسن البنا. وكان الهدف من الحركة التقريب بين المذاهب السنية والمذهب الإثنى عشري الشيعي.  وخرجت فتاوى الشيخ شلتوت تبيح استخدام المذهب الاثنى عشري كمذهب فقهي، واصفًا إياه أن الاختلاف في المذاهب رحمة وأنه يجوز استخدام أيًّا من المذاهب الفقهية الموجودة. وهنا، إن كانت العقيدة الشيعية هي سبب الخلاف بين أهل السنة والجماعة مع إيران، وهناك تشابه بين العقيدة الشيعية والطرق الصوفية، فلم تنكر هذه الممارسات على الطرق الصوفية وتقبل من الشيعة؟!

وزادت الانتقادات بمرور الوقت للطريقة العزمية مباشرة-  على عكس المثال السابق-   فاتهمتها بعض التيارات الدينية بالتشيع. واصفين الطريقة  بأنها أحد الأمثلة التي تؤكد على أن "المغالاة في التصوف هي الوجه الثاني للتشيع". فالطريقة العزمية تحتفل بمولد الحسين رضي الله عنه، وتؤمن بأن حب آل البيت منج من النار وهو ما يراه منتقدي الطريقة العزمية على أنه أحد أوجه التقارب بين التصوف والشيعة. بل إن الممثل الثقافي للسفارة الإيرانية أعرب عن اهتمامه بحصول تقارب بين الشيعة والصوفية في مصر لما بهما من تشابه في الممارسات.

ولا يخفى أن الطريقة العزمية لعبت دورًا مهمًا في التقريب بين التشيع والتيارات الدينية في مصر. فتصريحات شيوخ الطريقة العزمية تؤكد على أن الشيعة إخوان لأهل السنة والجماعة. وأنه لا يمكن تكفير الشيعة لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وبالرسول محمد عليه الصلاة والسلام. هذا فضلًا عن الدور الكبير الذي لعبته الطريقة في ٢٠٠٧ عقب الحرب في لبنان. فأقامت مؤتمر هدفه الرئيس التقريب بين المذهبين السني والشيعي. وألقى فيه كل من الرئيس السابق محمد حسني مبارك ومحمد الخاتمي كلمة ترحيب تعزز من التعاون بين البلدين. وحضر هذا المؤتمر مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت الدكتور علي جمعة والرئيس الليبي معمر القذافي وألقى فيها شيخ الطريقة العزمية كلمته التي تحث على التآخي بين المذهبين السني والشيعي.

وربما يشير الدور الذي لعبته الطريقة العزمية في مثل هذا التوقيت - أي بعد الحرب اللبنانية مباشرة - إلى التقارب بين الشيعة والطريقة العزمية من حيث العلاقات الثنائية السياسية. فطالما زار شيخ الطريقة العزمية إيران من أجل تعزيز العلاقات بينها وبين الطرق الصوفية. ولم تسلم الطريقة العزمية من الهجوم عليها من العديد من التيارات الدينية المنافسة لهذا السبب تحديدًا بالإضافة إلى أسباب أخرى. فهوجمت الطريقة العزمية بسبب اختلافهم مع عقيدة الشيخ ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب. وفي كتاب الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية الأسبق أثار فيه الانتقادات الموجهة إلى الطريقة العزمية  حيث قال "هذه الطريقة قد احترفت –في الكثير من منابر إعلامها وثقافتها- مع الأسف الشديد –قذف السلفيين- وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبدالوهاب والوهابية بأبشع الاتهامات.. بما في ذلك التكفير والإخراج من ملة الإسلام!".

وهذه أحد الأمثلة على دور الطريقة العزمية في السياسة، وما استطاعت الوصول إليه من تقريب العلاقات الدولية بين مصر وإيران بحضور ممثلي الأزهر. ولا يخفى أن ما ساعد الطريقة العزمية في تحقيق هذه الغاية هو معتقدها الذي يمكن له أن يقرب الخلافات بين المذاهب المختلفة. فضلًا عن روح الطرق الصوفية الحالية القائمة على مبادئ "التسامح"والتسامي على الخلافات بين المذاهب. وهذا المبدأ هو أحد الظواهر التي تتسم بها الطرق الصوفية في مصر. فالتحرر من قيود الشريعة هو ما سمح للطرق الصوفية بلعب دور الوسيط بين المذاهب المختلفة. فها هي تلعب دور الوسيط بين الشيعة والمذهب السني. وفي نفس المؤتمر المذكور سابقًا ذكر شيخ الطريقة أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وأن التناحر بين المذاهب المختلفة يضعف من شوكة العالم الإسلامي في مواجهة المخاطر الخارجية. كما ذكر في مناسبات متفرقة أن الطرق الصوفية "لا تكفر أحدًا من المذاهب". 

من هذه العبارة، فإن الطريقة العزمية شأنها شأن الحالة العامة للتيارات الدينية، فكيف ترى الطريقة أن التآخي والتقارب بين الفرق الإسلامية المختلفة أهم من التركيز على الخلاف، وفي نفس الوقت اتخذت مواقف تؤيد الحاكم في حملته ضد الإخوان المسلمين وتهاجم التيارات السلفية في مصر؟  وتكمن الإجابة في "البراجماتية". الطريقة العزمية مميزة من حيث النفوذ والإرث الفكري والعلاقات الدولية القوية مقارنة بباقي الطرق الصوفية التي ليس لها نتاجًا فكريًّا يذكر. وفي اللعبة السياسية، فإن قدرة الطريقة العزمية على استشعار المكاسب هي واحدة من المحركات ناحية اتخاذ موقف بعينه.

 قيادة وطنية ودور سياسي مؤثر

كما ذكر سابقًا، فإن الطريقة العزمية لم تكن بمعزل عن السياسة منذ نشأتها. لكن شكل الدور الذي تلعبه هذه الطريقة اختلف بشكل كبير على مدار السنوات. فالطريقة العزمية - كأحد الطرق الدينية - تستلهم قوتها من خلال تقديم نموذج ديني للمريدين، بحيث تكوّن فئة تستطيع تحريكها ناحية رؤية شيخ الطريقة.

فأول عهد الطريقة العزمية بالسياسة كانت من خلال مقاومة الحملات الصليبية ومساعدة صلاح الدين الأيوبي في القضاء على هذه الحملات من خلال المقاومة الشعبية.ثم مقاومة الاحتلال الإنجليزي في كل من مصر والسودان والمشاركة في ثورة ١٩١٩. بل ولعبت الطريقة العزمية دورًا في حرب فلسطين عام ١٩٤٨، فقد شارك عدد كبير من مريدي الطريقة في الحرب ووصل عددهم إلى ١٥٠ مريد من مريدي الطريقة العزمية في مقابل ٢٥ من الإخوان المسلمين.

ويعزي بعض مريدي الطريقة العزمية إلى أن شيخ الطريقة هو الظهير الشعبي الأساسي لثورة ١٩١٩ ومن ساعد في تعبئة المريدين للمشاركة فيها.  وفي كل الأحوال، فإن طبيعة الطرق الصوفية ككل، يمكن أن تقوم بعمل مؤسسات المجتمع المدني في التعبئة والحشد. إلا أن هذه القدرة مرتبطة بثلاثة أمور أساسية : الأول وهو الاعتقاد السائد في البلد. بمعنى، هل يؤمن الأفراد في البلد بالطرق الصوفية ومنهجها التربوي؟ وما عدد المنتمين للطريقة الصوفية الواحدة؟ والثاني: هو شكل السلطة السياسية في ذلك الوقت وعلاقتها بهذا الشكل من التنظيمات وموضوع الحشد. والأخير هو التيارات الدينية المنافسة.

الإجابة على السؤال الأول بالإيجاب، فإنه منذ فتح صلاح الدين الأيوبي مصر، ومساهمة عدد من الشيوخ في ترسيخ المنهج الصوفي في البلاد زادت شوكة الطرق الصوفية واستطاعت أن تدخل البيوت المصرية كافة، بحيث لا يتبقى بيت إلا وفيه مريد من مريدي الطرق الصوفية.  وهو ما يعني أن الطرق الصوفية لها ظهير شعبي قادر على الاستجابة لدعوات شيخ الطريقة.  إلا أن هذه القوة تختلف باختلاف عدد المريدين فوزن كل طريقة في ذلك الوقت يعتمد بشكل أساسي على عدد من فيها من أعضاء.

أما الإجابة على السؤال الثاني، فطالما كانت الطريقة العزمية تناهض الاحتلال. وفي هذا  شقان: الأول/ الظهير الشعبي المناوئ والمشجع لمثل هذه الأهداف، والثاني هو سلطة الاحتلال نفسها. فالأول لا إشكال فيه، فلا شك أن الظهير الشعبي يقف مع الطرق الصوفيه من أجل مقاومة الاحتلال. والثاني فإن تعاطي  سلطات الاحتلال  مع الطريقة العزمية كان صداميًّا، ففي بدء تحركات الشيخ أبو العزائم أقاله العاهل الإنجليزي من منصب التدريس في الخرطوم لدوره في تنظيم السودانين وتعليمهم الدين وحثهم على المقاومة في نفس الوقت.

والسؤال الثالث والأخير، فهو وإن لم يكن متوفرًا من قبل الدولة الحديثة - على الأقل داخل مصر - فإنه لعب دورًا محوريًّا في تحديد قوة الطريقة العزمية والطرق الصوفية بشكل عام في المجال العام المصري. ففي المثاليين السابقين كان المجال العام خالٍ من التيارات الدينية المنافسة، وبالتالي سمح بتوغل الطرق الصوفية كتيار ديني واجتماعي / سياسي على حد سواء. واستمر الحال على ما هو عليه إلى أن ظهرت تيارات دينية أخرى كما سيذكر لاحقًا.

وكما هو الحال في المثاليين السابقين،  لعبت  الطريقة العزمية دورًا سياسيًّا مهمًا وقت إلغاء الخلافة العثمانية. فقام الإمام محمد ماضي أبو العزائم بإنشاء جمعية إحياء الأخلاق المحمدية في نفس العام الذي أعلنت فيه أنقرة التخلي عن الخلافة الإسلامية ١٩٢٤. وكان الهدف من هذه الجمعية تكوين جبهة شعبية تنادي برفض التنازل عن الخلافة. وانتشرت اللجنة في كافة المحافظات من خلال اللجان الفرعية فيما يعرف باللجان التنفيذية "لجمعية  الخلافة الإسلامية بوادي النيل"والتي اشتهرت بذلك الاسم بعد ذلك. وحارب الملك فؤاد مجهودات الإمام أبو العزائم في رفض التنازل عن الخلافة من خلال القبض على بعض أعضاء اللجان الفرعية في الأقاليم وصولًا إلى منع الإمام أبو العزائم من السفر لإقامة شعائر الحج في السعودية بعد عقد مؤتمر الخلافة الإسلامية في سلطنة نجد برعاية الملك عبد العزيز آل سعود عام ١٩٢٦.

أقيم مؤتمر الخلافة الإسلامية في مكة المكرمة عام ١٩٢٦  وكان التمثيل المصري مكون من الإمام أبو العزائم بصفته رئيس جمعية الخلافة الإسلامية لوادي النيل. وكان هدف الإمام أبو العزائم هو رفض التنازل عن الخلافة، في حين أن كلمة الملك عبد العزيز عبد الرحمن آل سعود، كانت تشير إلى استقلال سلطنة نجد -والتي تحولت في عام ١٩٣٢ إلى المملكة العربية السعودية الثالثة - وأن عدد من الدول الإسلامية قامت بمبايعته لإدارة أحوال الأمة الإسلامية.  ونشط الإمام أبو العزائم دوليًّا من أجل تعميم التجربة في بلاد العالم الإسلامي، بحيث يتم إنشاء لجنة دائمة تحت اسم المؤتمر لها فروع في بعض الدول الإسلامية تقوم على رعاية مصالح المسلمين. ونتج عن هذه المجهودات الدولية أن استجابت عدد من الدول الإسلامية منها: الهند وأندونيسيا وافغانستان.

عهدا عبد الناصر والسادات

كانت الطرق الصوفية في ذلك الوقت في أوجها وتذكر بعض المصادر غير الرسمية أن عدد المنتسبين للطرق الصوفية وصل إلى ٣ مليون فرد. فكان الرئيس محمد نجيب أحد مريدي الطريقة العزمية، واهتم الرئيس نجيب بشيخ الطريقة العزمية وكان يحضر جلسات الذكر الخاصة بهم. وفي عهد جمال عبد الناصر، استمر الأمر فجمع عبد الناصر ما يزيد على ٣٠٠٠ فرد من مشايخ ومريدي الطرق الصوفية لمباركة الدستور الجديد. واستمر دعم عبد الناصر للطرق الصوفية من أجل الحصول على بعض المكاسب السياسية. فاستطاع جمال عبد الناصر عمل الحملة ضد الإخوان المسلمين بدعم من الطرق الصوفية بشكل عام. حيث أيدوا حملة  جمال عبد الناصر في معركته. وأصدر شيخ مشايخ الطرق الصوفية بيانًا يؤكد ذلك الموقف.  وبعد نكسة يونيو، خرجت الطرق الصوفية ومريديها إلى الشارع لتأييد الرئيس جمال عبد الناصر وإثنائه عن التنحي. وعلى الرغم من مشاركة الطريقة العزمية في المسيرة، إلا أن الشيخ أحمد ماضي أبو العزائم وصف ذلك بأنه هو من أودى بنا إلى هذه النتيجة وعليه تحمل المسئولية إلى النهاية. وقال أيضًا: "أضاع الإسلام اثنان، كمال وجمال، كمال أتاتورك، وجمال عبدالناصر".

ولم يستمر الوفاق الظاهري طويلًا،  فأراد جمال عبد الناصر استغلال نفوذ الطريقة في السودان لعمل مؤتمر يكرس لحكمه فيها، كما ساعد عبد الناصر في إضعاف الأزهر وهو ما أثار ضيق الطريقة العزمية أيضًا لما كان من توافق أفراد الأزهر مع الطرق الصوفية وانتمائهم لها.  إلا أن هذا لم يعني أن قامت الطريقة العزمية بمعارضة جمال عبد الناصر. بل على العكس استمر الدعم  لسياسات عبد الناصر ومنها قرار التنحي كما ذكر. فضلًا عن أن قام شيخ مشايخ الطرق الصوفية بإصدار  بيان يبرر فيه و يؤيد قرارات عبد الناصر بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء في مايو 1967م.

أما في عهد السادات، فكانت خطة الدولة هي التصدي للشيوعين من خلال فك أسر جماعة الإخوان المسلمين. فضلًا عن أن السادات اهتم بأن يظهر بصورة الرئيس المؤمن، مما يدل على أن اهتمامه بالتيارات الدينية سيكون أكبر من سابق عهد عبد الناصر. وفي عهده -  كما قال الشيخ أبو العزائم -  سمح للطرق الصوفية بشكل عام والطريقة العزمية بشكل خاص  بمجال أكبر للحركة.

 في هذه الحقبة شهدت الطرق الصوفية ازدهارًا ملحوظًا فأنشأ المجلس الأعلى للطرق الصوفية عام 1976 ويتكون المجلس الأعلى للطرق الصوفية من ١٦  عضوًا منهم شيخ مشايخ الطرق الصوفية و ١٠ ممثلين عن الطرق الصوفية بالانتخاب، ومقره بالقرب من مسجد الحسين بالقاهرة، ويقول الشيخ أبو العزائم أنه تم تخصيص 30 ألف جنيه، أى ما يعادل (75 ألف دولار حينها)، لإصدار مجلة صوفية، اختير لها اسم "التصوف الإسلامى"، واستمر إصدار المجلة حتى عام ٢٠٠٦ ثم توقف إصدارها. ولعبت الطرق الصوفية دورًا في تأييد سياسة الحاكم أيضًا، فكانت الطريقة العزمية إحدى الطرق المؤيدة لاتفاقية كامب ديفيد، والتي تدافع عنها مرحليًّا، فقال الشيخ علاء أبو العزائم إنه لو كان السادات حيا لاستعاد الأرض.

مبارك وثورة ٢٥ يناير

لم تكن حقبة الرئيس مبارك من الحقب التي تتمتع بالحرية بالنسبة للطرق الصوفية. ولم يكن الرئيس السابق مبارك في وفاق مع الطرق الصوفية. بل أراد التدخل في شئونها الداخلية بحيث يحكم السيطرة على الطرق ومريديها تأميمًا لمقاليد الحكم والتمهيد لتوريث الحكم لابنه جمال مبارك. وعلى الرغم من الدور الهام الذي لعبته الطريقة العزمية في ٢٠٠٧ من تقريب بين المذهبين السني والشيعي بحضور الرئيس حسني مبارك ومحمد الخاتمي، إلا أنه ربما أدرك منها الرئيس الأسبق مبارك أن الطرق الصوفية مصدر من مصادر القوة في البلاد. ففي ٢٠١٠ أصدر الرئيس مبارك قرارًا يتم بموجبه تعيين شيخ الطرق الصوفية عبد الهادي القصبي بدلًا من شيخ الطريقة العزمية. وكان التعيين هو عبارة عن تكليل صراعات بين الطرق الصوفية وحكومة حسني مبارك. وأثار هذا الأمر سخط الطرق الصوفية كافة، وبدأت في اتخاذ صور احتجاجية مختلفة، أهمها تصريح الشيخ أبو العزايم أنه ربما يسجل لمجلس النواب اعتراضًا على التدخل في الشأن الداخلي للطرق الصوفية. كما أنشأت  بعض الطرق الصوفية "جبهة الإصلاح الصوفي"للوقوف على ما قام به مبارك من تعيين شيخ مشايخ الصوفية.

وهنا يمكن القول بأن هذه هي المرة الوحيدة التي يمكن تسجيل اعتراض الطرق الصوفية على السلطة الحاكمة. فالخبرة السياسية للطرق الصوفية أغلبها إن لم تكن كلها تأييدًا للحاكم "إصلاحية"، وإن كانت حقيقة موقف الطرق الصوفية هو المعارضة كما كان الحال في عهد عبد الناصر بعد النكسة. اللهم إلا بعض المواقف التي كانت تواجه بها الاحتلال الأجنبي، أو وقت انهيار الخلافة العثمانية. أما ما دون ذلك فاستمرت الطرق الصوفية في تأييد الحكام إلى أن اندلعت الثورة المصرية.

وربما أدت حالة السخط بين الطرق الصوفية بسبب ما قام به مبارك من التدخل في شؤونها وتعيين عبد الهادي القصبي الذي حاول تعديل قانون الطرق الصوفية وإلغاء التوريث فيها.  هو ما شجع الطرق الصوفية على المشاركة في الثورة. ولعبت الطريقة العزمية دورًا مهمًا في الثورة وإن لم يكن بالتأثير الكبير نظرًا لضعف الخبرة السياسية لهذه الطرق. فشارك الشيخ أبو العزايم في الثورة وأقام عددًا من الخيام في ميدان التحرير للطريقة للثوار، فضلًا عن أنه أقام عددًا من الخطب في ميدان التحرير للشد من أزر الثوار. ولما نجحت الثورة في عزل مبارك، قام الشيخ أبو العزائم بتقديم مذكرة للمجلس العسكري القائم على شئون البلاد حتى استيفاء خارطة الطريق تنص على ما قام به الرئيس الأسبق حسني مبارك بما اسماه "تخريب الطرق الصوفية"وخلعت جبهة الإصلاح الصوفي الشيخ عبد الهادي القصبي وبايعت أبو العزايم شيخًا لمشايخ الصوفية بدلًا منه.

 ونظرًا للانفتاح السياسي الذي نتج عن الثورة المصرية، فأرادت الطرق الصوفية الانخراط في العمل السياسي. فأنشات الطريقة العزمية بالتعاون مع عدد من الطرق الصوفية حزب "التحرير المصري". الهدف من الحزب الدخول في المنافسة السياسية. والحزب كما تزعم الطريقة العزمية ليس حزبًا دينيا إنما هو حزب مدني يهدف إلى الدخول في المجال السياسي.

ولم يحقق الحزب مكاسب سياسية مباشرة لقلة خبرة الطرق الصوفية على المنافسة السياسية. فتاريخ الطرق الصوفية ملييء بالسياسيات المتوافقة مع سياسات الحكام والتي لا تسمح بدخول الطرق كمنافس سياسي من دون اكتساب خبرة للمعارضة.

على صعيد آخر، ساعدت الطريقة العزمية في الحملة الانتخابية لأحمد شفيق، ونظمت الطريقة عددًا من المؤتمرات التي تعارض الإخوان في أيام حكمهم، كما استمرت تصريحات شيخ الطريقة لتبرئة الشيعة من تكفير الإخوان والسلفيين لهم. وفي عدد من اللقاءات مع الشيخ أبو العزايم أعلن أن الإخوان المسلمين مسئولون عما حدث من خراب في الدولة، وأن الرئيس مرسي كان يعتمد على أهل الثقة وليس أهل الخبرة وهو ما أودى بمصر إلى هذا المنحدر. كما ذكر أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة ماسونية واستطرد في عدد من الدلائل التي تحاول إثبات صدق قوله.

وللمرة الثانية، قاومت الطريقة العزمية الحاكم. فخافت الطريقة العزمية من إصدار قانون لإلغاء الطرق الصوفية تحت حكم الإخوان، فاتخذت عددًا من أدوات المعارضة منها تنظيم مظاهرات ضد حكم الإخوان وقاموا بعمل حملة إعلامية في الجريدة الخاصة بهم تحرض ضد الإخوان. وإصدار مجموعة من الفتاوى أهمها أن من يقتل جنديًّا من جنود الجيش المصري فقد كفر، ومن تحالف مع أمريكا فهو خائن.  وأن الطريقة العزمية تساند ثورة ٣٠ يونيو لما تحمله من مستقبل مشرف للطرق الصوفية.

ثم عادت وتيرة تأييد الحكام بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي،  وقامت الطريقة العزمية بإهداء فيديو تأييد للمشير عبد الفتاح السيسي قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية.  وبعد أن نجح المشير في الانتخابات خرج شيخ الطريقة ببعض التصريحات مفادها أن الطريقة العزمية تؤيد الرئيس السيسي في مشروعاته القومية. كما أشار شيخ الطريقة أبو العزايم أن الرئيس السيسي من نسب الرسول عليه الصلاة والسلام بعد أن أفرجت جمعية رابطة أشراف كفر صقر الهاشميين والعباسيين  عن وثيقة رسمية تؤكد ذلك. 

ويلاحظ أن الطريقة العزمية لا تتخذ موقفًا معارضًا للحاكم إلا حال أحست بتهديد للطريقة أو بنية الطرق الصوفية أو رؤيتها السياسية بشكل عام. وما دون ذلك فهي معارضة باطنية لا ترقى للمقاومة. فالحالة الأولى هي معارضة إلغاء الخلافة الإسلامية. ثم الحالتان التاليتان كانتا بسبب إحساس الطريقة العزمية بالتهديد لضياع نفوذها. وما دون ذلك فهو تماهي تام مع الحاكم، كما في حالة الرئيس جمال عبد الناصر - على الرغم من معارضة شيخ الطريقة له- إلا أن الطريقة العزمية تماهت تمامًا مع قراراته السياسية وعبئت مريديها في صفه، وكذلك العهد مع السادات على الرغم من أنه فتح المجال للمد الوهابي في مصر "أحد ألد أعداء الطرق الصوفية"، لكن هذا المد لم يؤثر على نفوذ الطرق الصوفية بشكل مباشر خصوصًا مع توفير السادات حصة مالية للطريقة لممارسة نشاطها.  ثم جاء عهد الرئيس السيسي الذي أكد في عدد من المناسبات اهتمامه بالدين وتجديد الخطاب الديني لمناهضة العنف والإرهاب. في هذا الصدد لدى الطرق الصوفية ما تقدمه لدعم التجديد، حيث إنها وخاصة الطريقة العزمية راعية "التسامح والتقريب بين المذاهب"وقبول الآخر.

ولما كانت الحاجة قوية لتجديد الخطاب الديني من حيث الممارسة والاعتقاد على حد سواء، فإن ذلك خلق حالة من الاهتمام بالطرق الصوفية وما تدعو إليه من التسامح مع الديانات الأخرى (كأن نظمت الطريقة العزمية في حكم الإخوان مظاهرة) مع الأقباط لمعارضة - من وجهة نظرهم -  الاضطهاد المحتمل من جانب جماعة الإخوان.

تمويل دولي أم محلي؟

ثار الجدل حول مصادر تمويل الطريقة، فهي قادرة على إقامة المؤتمرات وتمويل عدد من الأنشطة السياسية التي تؤكد أن للطريقة مصدر تمويل يكفل لها القيام بأنشطتها المختلفة. وحين سئل الشيخ أبو العزايم عن أن هناك شائعات حول تلقي الطريقة أموالًا من أمريكا وإيران وليبيا، نفى حصوله على أموال من هذه المصادر مجتمعة ولم يذكر من أي مصدر يحصل على الأموال. قائلًا: "لو كنت أتلقى الأموال من القذافى وأمريكا، فأنا أخطر رجل في العالم لأني بذلك أتعامل مع دول بينها عداوة شديدة".

التشبيك الدولي بقيادة الطريقة العزمية

الطريقة العزمية من أكثر الطرق الصوفية النشطة دوليًّا. فهي لها الكثير من العلاقات مع البلدان المختلفة. وتعتبر هذه العلاقات هي أحد أهم مميزات الطريقة العزمية ونقطة قوتها. فعلى مدار السنوات نشط دور الشيخ أبو العزايم الأكبر إقليميًّا وسار على نهجه خلفاؤه في مشيخة الطريقة.

السودان

 ومنذ بدء الطريقة استطاع الشيخ محمد ماضي أبو العزايم تكوين نواه صوفية في الدول التي سافر إليها. على الأخص السودان. فللطريقة  فرع في السودان مكون من تلاميذ الشيخ ومريديه. كما أن هذا النفوذ لم يكن فقط في التصوف وإنشاء الطريقة العزمية في السودان، بل إن الشيخ أبو العزايم كان يساعد تلامذته ومريديه على مقاومة الاحتلال الإنجليزي وتغذية أرواحهم بأن الدين والسياسة غير منفصلين وأنه لا بد من وجود حاكم ترضاه الأمة الإسلامية لها. فكانت النتيجة - تبعًا لما قاله الموقع الرسمي للإمام المجدد- أن كانت أغلب عناصر المقاومة وجماعتها من مريدي الطريقة العزمية وتلامذة الشيخ أبو العزايم. وهو ما يعني أن أصبحت أفكار الشيخ أبو العزايم مرجعية لبعض أبناء السودان، فهو مصدر الإلهام والشرع على حد سواء. واستمر نفوذ العزمية في السودان حتى ذلك الوقت. بل ويحكى أن النفوذ وصل إلى أن أراد جمال عبد الناصر - في ظل سياسته الخارجية نحو الوحدة العربية-  إقامة مؤتمر للصوفية في السودان واستغلال هذا المؤتمر في تعزيز سياسيته الخارجية وتحقيقها.

إيران

لا تخفى علاقة الطريقة العزمية بإيران. فالطريقة العزمية هي المدافع الأول عن المذهب الشيعي في مصر. وزيارات الشيخ أبو العزايم إلى إيران مكررة ومستمرة. حتى أن الشيخ هو من يساعد الطرق الصوفية الأخرى في حضور مؤتمرات ومناسبات في إيران لتعزيز العلاقات بين المذهبين. وكما ذكر سابقًا فإن هذا الدور اتخذ منحى سياسيًّا كبيرًا بعد حرب لبنان. وتفتح علاقة الطريقة العزمية بإيران بابًا كبيرًا للهجوم على الطريقة والقدح في عقيدتها واتهامها بالتشيع.

الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

أسس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية بقيادة شيخ الطريقة العزمية في فرنسا عام ٢٠١٣، والهدف من الاتحاد هو نشر قيم الصوفية في شتى أنحاء العالم والتقريب بين الطرق الصوفية المختلفة على مستوى العالم أجمع عن طريق: الاهتمام بالجانب الإعلامي الصوفي عن طريق إصدار مجلة دورية لخدمة التصوف عالميًّا باللغة العربية والإنجليزية، عقد مؤتمرات دورية لبحث أوجه العمل الإيجابي لمصلحة الصوفية والتصوف، والتواصل العلمي عن طريق تبادل المطبوعات بين الطرق الصوفية، وعمل موقع للاتحاد علي الإنترنت لتسهيل تبادل المعلومات، والعمل علي بث قناة فضائية صوفية تعمل علي توحيد كلمة المسلمين ومواجهة التحديات والمخاطر التي تهددهم، وإنشاء صندوق مالي تابع للاتحاد لتمكين الطرق الصوفية من تنفيذ برنامجها الإصلاحي الشامل، ونشر منارات وزوايا الصوفية في جميع أقطار العالم. وجعلها مراكز إشعاع لنور الإيمان والإسلام والتقوى، تقديم العون المادي والروحي للمسلمين المستضعفين في جميع أنحاء العالم، وحث الصوفية على أن يمارسوا حقوقهم الكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية حيثما كانوا. واستثمار ثقلهم البشري والروحي في خدمة قضايا الإسلام والمسلمين. ويقع مقر الاتحاد في فرنسا لكن اللجنة التنفيذية للاتحاد في القاهرة "مشيخة الطريقة العزمية".

عوضًا عن باقي الدول التي حضر فيها شيخ الطريقة المؤتمرات والتشبيكات الإقليمية والدولية مع الطرق الصوفية. فكان شيخ الطريقة العزمية الشيخ علاء أبو العزايم أحد المشاركين في ملتقى التصوف العالمي الأول الذي دعى إليه الزعيم الليبي معمر القذافي في ١٩٩٥، كما زار الولايات المتحدة للحديث عن الطرق الصوفية والتوعية بدورها.  واهتم بحضور العديد من المؤتمرات في مختلف دول العالم ومنها: سيرلانكا، ونيجيريا، وتشاد، ومالي، وليبيا، وإندونيسيا وغيرها. ولا يخفى أن الطريقة العزمية في طور نشأتها الأولى كانت من الطرق التي ساعدت بمجهوداتها الدولية في التصدي لسقوط الخلافة الإسلامية.  بالتعاون مع دول مثل أندونيسيا والهند وغيرها من الدول الإسلامية التي استجابت لدعوة مؤتمر الخلافة الإسلامية  وأنشأ فروعًا له فيهما.

العمل الخيري والانتشار المحلي

الطريقة العزمية أحد الطرق المسجلة لدى وزارة الأوقاف كطريقة صوفية رسمية. وللطريقة العزمية أنشطة توعوية وخيرية في أنحاء الجمهورية كافة لما لها من انتشار واسع في كثير من المحافظات منها المنيا وكفر الشيخ وأسوان وغيرها. فتقيم موائد الرحمن في رمضان وتقيم الاحتفالات استعدادا للشهر الكريم، فضلًا عن المناسبات الدينية المختلفة. هذا وتقوم الطريقة العزمية بجمع التبرعات ومساعدة المحتاجين وبناء المساجد وإنشاء المدارس الصوفية لتخريج الدعاة ومساعدة الأسر الفقيرة، وتقديم مساعدات للتلاميذ والطلاب المحتاجين، وإنشاء المستوصفات لعلاج الفقراء. فضلًا عن اختيار شخصية لتكريمها في كل عام هجري وكرمت عددًا من الشخصيات منها الشيخ أحمد الطيب والشيخ علي جمعة وحسن نصر الله ونجيب ساويرس.  وغيرها من الأنشطة الدعوية والتوعوية والخيرية  داخل مصر.

الخاتمة

استعرض المقال أهم ملامح تكوين الطريقة العزمية وأنشطتها داخل وخارج مصر. وهي وإن كانت تتبع القواعد العامة للطرق الصوفية من حيث التأصيل الديني والهدف، إلا أنها تتفرد بخصائص خاصة تجعل منها طريقة صوفية متميزة الطابع.

فأول ما تتميز به الطريقة، الطابع السياسي العام. فمنذ إنشاء الطريقة وهي تحافظ على أهدافها السياسية في استعادة الخلافة الإسلامية وتقوية شوكة المسلمين في شتى أنحاء العالم. وللشيخ المؤسس باع طويل في هذا الشأن. وعلى مستوى السياسة الداخلية، فأجندة الطريقة تنحى منحى جماعات المصالح، التي تتخذ رد فعل معارض في حالة المساس بها أو بمصالحها. في حين أنه لضمان تأثير أدوات المعارضة والحفاظ على شبكة العلاقات وهيكل الطريقة تلازم الحاكم في قراراته وسياساته - حتى إن كانت تتعارض مع أهدافها الأصلية - طالما لا تمس مصالح الطريقة ولا تنافسها دينيًّا أو سياسيًّا.

والثاني، شبكة العلاقات الخارجية: هي طريقة نشطة على المستوى الخارجي مع أغلب دول العالم من الصوفية. إلا أنها تتميز بالدور الفعال والقيادي في لم شمل الطرق الصوفية وإقامة المؤتمرات العامة لرفع قيم الصوفية وتولي مشايخ الطريقة المناصب القيادية في مجالس الصوفية الدولية ومنابرها. كما يميزها علاقتها القوية بإيران، فالطريقة العزمية هي الحليف الأول لإيران من الصوفية، وذراعها في الحث على التقريب بين المذاهب السنية والشيعة. وهو  سلاح ذو حدين فتكتسب الطريقة العزمية قوة في علاقتها مع إيران، لكن يفتح مجالًا لنقدها من الطرق الصوفية المنافسة (حالة الصراع) أو من التيارات الدينية الأخرى. وكما لوحظ من قبل فإن الطريقة العزمية أداة من أدوات الدولة في قضاء بعض السياسيات. فها هو جمال عبد الناصر يستخدم الطريقة العزمية لتعزيز أجندته العربية، وربما أنقذت الطريقة العزمية مبارك في حال تعاطف الرأي العام مع الشيعة (حزب الله) في حرب لبنان، وهي أيضًا أحد كروت النظام الحالي لمكافحة التطرف والإرهاب. لأنها تنتهج قيم "إنسانية"تتسامى على القيم الدينية الشرعية التقليدية ومن ثم تلقى رواجًا بين فئات معينة.

الثالث: العمل الداخلي. الطريقة العزمية أو طريقة آل العزائم، تورث فيها المشيخة حتى إن لم يكن الشيخ الجديد مؤهل علميًّا لتقلد هذا المنصب. فنتجت قيم مستجدة مستوحاه من القيم المجتمعية المنتشرة والظرف السياسي على حد سواء. فقيم التسامح والإخاء والإنسانية ما هي إلا محاولة لدفع الاتهامات عن الدين الإسلامي بأنه دين عنف، فردة الفعل هي إعلاء قيم تسمو على الخلافات لتنفي الاتهامات الدولية عن الدين وممارساته.

ولأن المجتمع على استعداد لهضم مثل هذه القيم، تستخدم الطريقة العزمية انتشارها على مستوى المحافظات وتقوم بالأعمال الخيرية والاحتفالات الدينية لكي تستطيع التوغل في نسيج المجتمع.

على صعيد آخر فإن النشاط الإعلامي والفكري للطريقة العزمية مستدام ويواكب الأحداث السياسية والدينية. وإن لم يكن لها جمهور كبير لانخفاض معدل القراءة ولعدم انتشار المنابر الإعلامية بين العامة.

وعليه فإن الطريقة العزمية حالة فريدة للطرق من حيث النشاط والطبيعة الفكرية وهي طريقة قيادية تتولى مهمة تغيير المجتمع وقيمه إلى ما تراه مناسبًا لأجندتها العامة.