إصدارات المركز - الملف المصري

خصخصة الخدمات المدنية ودور الجمعيات الأهلية الجديدة

د. هويدا عدلي 30-5-2017
طباعة

لا تنفرد مصر بقيام الجمعيات الأهلية بعدد من الأدوار الرعائية والتنموية التي لا تقوم بها الدولة لسبب أو لآخر، بل أضحى هذا الأمر توجهًا عالميًّا، حيث برزت في السنوات الأخيرة المنظمات غير الحكومية كفاعل رئيسي في التنمية خاصة بعد النمو غير المسبوق في العدد والحجم والمجال. ورغم التوافق على أن الجمعيات الأهلية أضحت أحد أضلاع مثلث التنمية بجانب الدولة والقطاع الخاص، إلا أنه يظل هناك اختلافات كبيرة في طبيعة الدور الذي تلعبه الجمعيات وأسبابه ومساحته من مجتمع إلى آخر بسبب عوامل عديدة، أبرزها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني عامة والمنظمات غير الحكومية كأحد تشكيلاته بصفة خاصة،  وكذلك قوة المجتمع وقدرته على تنظيم ذاته والحفاظ على حقوقه بل والدفاع عنها.

يسعى هذا المقال إلى تحليل الدور الذي تلعبه الجمعيات الأهلية في مصر في السنوات الأخيرة خاصة في مجال تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية، والتي كانت تعد تاريخيًّا من اختصاص أجهزة ومؤسسات الدولة.  والسؤال المطروح في هذا المقال عن طبيعة هذا الدور وتقييم فاعليته في الحد من الفقر في المجتمع المصري  وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

تقديم الخدمات الأساسية بين الدولة والمنظمات غير الحكومية : نظرة عامة

يعد تقديم الخدمات الأساسية أو العامة مثل الرعاية الصحية أو التعليم أو  الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب أحد الأدوار الأساسية لمؤسسات الدولة المعنية برفاهة المجتمع وتحسين نوعية حياة مواطنيه. وقد شهد التاريخ المعاصر خاصة بعد الحرب العالمية الثانية تجارب عديدة لاحتكار الدولة لهذا الدور ومن أبرزها دولة الرفاهة الاجتماعية في أوروبا الغربية ودولة ما بعد الاستقلال في بلدان الجنوب.  كما أن تقديم الخدمات الأساسية للمواطن من قبل مؤسسات الدولة يمثل مجالًا رئيسيًّا للتفاعل بين المواطن وهذه المؤسسات، فمن خلال ذلك تتشكل توجهات المواطنين تجاه من يحكموهم سلبًا وإيجابًا.  وغني عن البيان أن ما يدفعه المواطن من ضرائب لابد أن يستفيد منه في صورة خدمات.

إن تقديم الخدمات الأساسية للمواطن مهمة  ليست يسيرة ولكنها مركبة، فالأمر يتجاوز مجرد إتاحة الخدمة، ولكنه يشمل مجموعة من المعايير التي تشمل بجانب الإتاحة، جودة الخدمة  وقدرة الفئات الاجتماعية والشرائح السكانية المختلفة على النفاذ إليها بسهولة وبمساواة،  وكذلك قدرة هذه الخدمات على الاستدامة.  ولذلك فإن الأدبيات الحديثة المعنية بقضية تقديم الخدمات الأساسية تضع متطلبات وشروط للأداء الجيد لمقدمي الخدمات مثل النزاهة والشفافية وضمان تكافؤ الفرص، وأيضًا توجيه الاهتمام للفئات الأضعف في المجتمع والقدرة على تطوير نوعية الخدمات وطرق تقديمها بما يتوافق مع الاحتياجات المتغيرة للمواطنين. 

التحول من المسئولية الأساسية للدولة إلى مسئولية مشتركة مع المنظمات غير الحكومية

شهدت السنوات الأخيرة تحولًا جذريًّا في طبيعة دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية بسبب  مجموعة من العوامل كان على رأسها إعادة النظر في مناهج التنمية الفوقية والتي تم تبنيها لسنوات طويلة من ناحية،  وإعادة النظر في دور الدولة برمته منذ منتصف الثمانينيات مع البدء في تسييد نموذج واحد للتنمية، تم اعتباره النموذج الأوحد مع بداية التسعينيات بعد انهيار النموذج المناوئ وهو النموذج الاشتراكي.  منذ ذلك الحين انتشرت عبر العالم النظرية النيولبيرالية واضطرت كثير من بلدان الجنوب إلى تبني حزمة صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية من أجل إعادة الهيكلة الاقتصادية وتأسيس نظم السوق الحر.  وكان من أهم نتائج ذلك تراجع دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية وخفض الإنفاق الحكومي الموجه لها مما أدى للتراجع الكبير فيما هو متاح من خدمات والتردي  في جودة ونوعية ما يقدم.  كان لهذا الأمر بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر في تلك البلدان أسوء الأثر على نوعية حياه قطاعات واسعة من المواطنين.  ولم يكن هناك بديل لسد هذه الفجوة سوى الجمعيات الأهلية.  وقد تم تبرير هذا الدور بحجج شتى مثل أن  الجمعيات الأهلية  تتمتع بمزايا نسبية عديدة تجعلها أكثر فعالية من الدولة والسوق معًا في عملية تخصيص الموارد وفي عملية التنمية مثل امتلاكها أساليب أكثر فعالية في الوصول إلى الفقراء، واتسام  طريقة عملها بالمرونة في الاستجابة للاحتياجات التنموية للمجتمعات المحلية على خلاف البيروقراطية التي تحكمها قواعد مؤسسية صارمة. كما أنها تتمتع بمهارات أكثر إبداعًا في التعامل مع المشكلات.  هذا فضلًا عن التكلفة المنخفضة لما تقدمه من خدمات، وأيضًا القدرة على جذب التمويل. وأخيرًا تماسها مع الناس بطريقة مباشرة من خلال تبني منهج قائم على المشاركة القاعدية.  وعلى الرغم من صحة جزء كبير من هذه المبررات، إلا أن الواقع أكد أنه لا يمكن للجمعيات الأهلية أن تقوم مقام مؤسسات الدولة في القيام بتقديم الخدمات العامة، فالدولة بحكم التعريف هي التي تمتلك الرؤية الشاملة والمتكاملة  لتخصيص الموارد من ناحية،  وهي التي تكفل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وما يتضمنه ذلك من ضمان تكافؤ الفرص من ناحية ثانية،  وهي التي تملك سلطة تخصيص الموارد من ناحية ثالثة. 

وعلى أية حال، كانت من نتاج هذه التحولات ظهور نموذجين في تقديم الخدمات، النموذج الأول كان نموذج سد الفجوة  بعد انسحاب الدولة غير المنظم بسبب عجزها عن توجيه مزيد من الإنفاق الاجتماعي للخدمات المختلفة خاصة بعد تآكل الأصول الاقتصادية التي كانت تعتمد عليها بعد الخصخصة، والحقيقة أن هذا هو النمط الذي ساد في غالبية بلدان الجنوب وأيضًا منطقة الشرق الأوسط.  أما النموذج الثاني، وهو النمط الذي ظهر في دول ما بعد الرفاهة الاجتماعية إن صح التعبير، حيث لم تستطع الدولة نتيجة قوة المجتمع وتنظيمه الانسحاب من تقديم الخدمات العامة، ولكنها رأت أنها تواجه أزمة وأنه من الأفضل بناء الشراكات المؤسسية مع الجمعيات الأهلية من أجل تحسين الكفاءة والمساءلة والشفافية، وبالتالي جذب رضا المواطنين.  والحقيقة أنه على خلاف نمط سد الفجوة والذي كان بمثابة تخلي الدولة عن دورها أو بالأحرى الإبقاء على الحد الأدنى من الخدمات الحكومية الاجتماعية دون جودة وكفاءة مما جعلها كأنها غير موجودة، كان نمط الشراكة نمطًا مؤسسيًّا قامت الدولة بالمساهمة في تمويله بدرجة كبيرة ووضعت بالمشاركة مع القطاع الأهلي أسسًا للمساءلة وأيضًا نظمًا للمتابعة والتقييم.  وعلى صعيد آخر كان نموذج سد الفجوة معني بالأساس بتوفير الخدمة وتغطية المحرومين منها بغض النظر عن النوعية والجودة وبدون ضمان المعايير السابق الإشارة إليها، وأيضًا الشروط المطلوبة للكفاءة والفاعلية باستثناءات تجارب قليلة كان لأصحابها رؤية متجاوزة مجرد سد الفجوة إلى تقديم نموذج للممارسات الجيدة.  أما نموذج الشراكة فهو نموذج اقتسام المسئولية بين مقدمي الخدمات سواء مؤسسات دولة أو قطاع أهلي أو قطاع خاص  بشكل تكاملي من ناحية ووفقًا لقواعد وضوابط تطبق على الجميع من ناحية أخرى، بما يضمن الكفاءة والفاعلية وتكافؤ الفرص بقدر الإمكان.  ولهذا ليس غريبًا أن نقرأ عن النموذج البريطاني في تطوير الخدمات الصحية والذي استند إلى شراكة مؤسسية بين الجهات الحكومية المعنية والقطاع الأهلي، وحكمه مجموعة من القواعد المؤسسية والمواثيق الأخلاقية في الإدارة والتمويل والمتابعة والتقييم وغيرها.

مصر : هل دور الجمعيات الأهلية سد الفجوة أم تحسين  أداء الخدمات العامة

لعبت الجمعيات الأهلية في مصر دورًا تنمويًّا كبيرًا منذ نشأتها، تطور بتطورها. فالعمل الخيري كان أحد الأهداف الرئيسة للجمعيات الأهلية في مصر تاريخيًّا منذ نشأة الجمعية الخيرية الإسلامية 1878 وجمعية المساعي الخيرية القبطية 1881   وحتى يومنا هذا.  وقد  بدأت  كثير من الجمعيات التي تأسست بدافع العمل الخيري في العقود الأخيرة تغير من رؤيتها وتتجه إلى العمل التنموي أو تجمع بين الاثنين بدرجة أو بأخرى. ولذلك فإن تصنيف الجمعيات الأهلية إلى خيرية/رعائية وتنموية تصنيف يفتقر للدقة إلى حد  كبير في الحالة المصرية، حيث يتداخل الأمران معًا.  ويمكن القول انطلاقًا من ذلك أنه رغم وجود جمعيات اهتمامها ونشاطها الأساسي هو النشاط الخيري حتى الآن، إلا إنها بدأت تتأثر بشكل كبير بمنهجية  العمل التنموي والتي تركز على  تمكين البشر من خلال الاهتمام بالعمل في مجالات التعليم والصحة والتدريب والمشروعات الصغيرة وغيرها من الأنشطة. 

ارتبط اتساع الدور الرعائي والتنموي للجمعيات الأهلية خاصة في إطار قيامها بتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين في السنوات الأخيرة بتراجع الدور الرعائي للدولة بشكل كبير والذي ظهر في تراجع الإنفاق الاجتماعي على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم وأسفر عن  نقص كبير في الإتاحة وتردي أشد في النوعية.  والحقيقة أن تراجع الدولة لم يكن قاصرًا على هذه الخدمات الأساسية بل امتد لكافة نواحي الحياة التي تهم المواطنين مما أدى إلى انتشار الفقر والجوع والمرض. 

كانت السياسات الاقتصادية  النيوليبرالية التي اتبعتها الدولة المصرية  بشكل رسمي منذ 1991 بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي الأول، ثم الاتفاق الثاني والذي تم في أواخر عام 2016، وبناء عليه تم اتخاذ إجراءات أكثر قسوة بكثير عن اتفاق 1991، سببًا رئيسيًّا في  تردي أحوال قطاعات واسعة من المواطنين وانتشار الفقر والتي وصلت معدلاته إلى ما يقرب من 28% من السكان. وقد واكب ذلك ضغوط ديموغرافية تمثلت في ازدياد معدلات النمو السكاني في السنوات الأخيرة.

إن نقطة البدء في تحليل الأدوار التنموية للجمعيات الأهلية في مصر ينبغي أن يبدأ  بتحليل الأدوار التنموية التي تقوم بها الجمعيات الأهلية  الكبيرة في مصر،  باعتبارها تشكل ملامح التيار الرئيس للعمل التنموي، وفحص إلى أي مدى تسهم  الجهود الخيرية والتنموية في تحقيق التنمية وتقديم الخدمات الاجتماعية.   والمقصود بالجمعيات الأهلية الكبيرة الجمعيات التي يمتد نشاطها ليشمل عددًا كبيرًا من المحافظات، وأيضًا التي تتمتع بضخامة التمويل، وكذلك  أعداد المستفيدين مثل بنك الطعام –جمعية الصعيد  –مصر الخير –كاريتاس –الأورمان –الهيئة القبطية الإنجيلية وغيرها. 

يعد كل من بنك الطعام وجمعية الأورمان نموذجين للجمعيات الرعائية بالأساس، والتي تتعامل مع قضية الجوع بشكل مباشر، وإن كان هذا لا ينفي مسحة تنموية تكسي جزءً آخر من أنشطتهما. بالطبع إن السمة الأساسية التي تجمع كل من بنك الطعام وجمعية الأورمان هي التمويل الكبير الذي تحصل عليه  عبر تلقي الزكاة والتبرعات سواء من أفراد أو  شركات خاصة ورجال أعمال.  كما أنها في المناسبات الدينية خاصة الأعياد  تنوب عن الأفراد في القيام ببعض الواجبات الدينية الأساسية من خلال إطعام الفقراء وكسائهم وغيره. وسيتم الاكتفاء بنموذج بنك الطعام باعتباره ممثل جيد لهذه النوعية من الجمعيات.

بدأ بنك الطعام نشاطه منذ 2006 كجمعية مشهرة وفقًا لقانون الجمعيات الأهلية 84 لسنة 2002 واضعًا رؤية مفادها القضاء على الجوع في مصر مع عام 2020.  وكانت بداية الفكرة على يد مجموعة من رجال الأعمال واتفاقهم على التركيز على مشكلة محددة وهي القضاء على الجوع في مصر. وصل عدد الأسر المستفيدة من الإطعام الشهري في عام 2014 ما يقرب من ربع مليون أسرة 240٫000 أسرة، ترتفع في المواسم مثل رمضان إلى 1٫500٫000 أسرة شهريًّا.  يبلغ عدد المتطوعين 47000 متطوع ومتطوعة، كما أنه يعمل من خلال عدد من الجمعيات القاعدية في غالبية محافظات مصر، حوالي 6500 جمعية أهلية. أما الجانب التنموي في نشاط بنك الطعام، فقد تمثل في حزمة من البرامج التنموية التي استحدثها، والتي تمثلت في التغذية المدرسية ومحو الأمية وتوظيف وتأهيل الشباب.

على الرغم من أن الاهتمام الرئيس لبنك الطعام هو القضاء على الجوع وما يعنيه ذلك من التعاطي مع حق أصيل من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان وهو حق الغذاء، إلا أنه لم يتعامل مع هذه القضية كقضية تنموية من مدخل حقوقي من خلال تقديم الرؤى التي تمكن الدولة من القضاء على الجوع كأهم أبعاد مكافحة الفقر في مصر.

وعلى الجهة الثانية من النهر تأتي الجمعيات التنموية والتي تهتم بتحسين وتوفير  الخدمات الصحية والتعليمية والمياه الصالحة للشرب والصرف الصحي وغيره وتنمية القرى الفقيرة وتوفير القروض الصغيرة وهي كلها أنشطة تنموية بالأساس تسعى إلى تمكين الفقراء وتحسين نوعية حياتهم وإمدادهم بفرص للخروج من الفقر.  كما تتبنى هذه الجمعيات المدخل الحقوقي في التنمية من خلال توعية المواطنين بحقوقهم وتعريفهم بكيفية الحصول عليها.  من أبرز الجمعيات التي وضعت قضية التعليم على أولوياتها جمعية الصعيد للتعليم والتنمية، وهي جمعية نشأت في مطلع الأربعينيات على يد الأب هنري عيروط. تتلخص رسالة الجمعية في تمكين المجتمعات المحلية من خلال التعليم الجيد والبرامج التنموية المصاحبة مع التركيز بالأساس على الأطفال والنساء والشباب.  وقد أشارت الجمعية في  تقريرها السنوي 2011 –2012  إلى استمرار الجمعية في الاهتمام بالتعليم عبر عدة برامج بعضها يتوجه إلى التعليم الرسمي وبعضها الآخر يهتم بالتعليم غير الرسمي أو الموازي خاصة للفئات الفقيرة.  يتبع جمعية الصعيد 35 مدرسة ابتدائي، منها 4 تمتد للمرحلة الإعدادية في 6 محافظات هي القاهرة وسوهاج والمنيا وقنا وأسيوط والأقصر. تهدف هذه المدارس إلى  تقديم نوعية تعليم جيدة للأطفال خاصة الفقراء. وقد سعت الجمعية إلى تطوير مدارسها من خلال خطة متكاملة تشمل: تطوير إدارة المدرسة وتفعيل مجلس الأمناء واتحادات الطلاب وتدريب المدرسين على تقنيات التعليم الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة للمناهج الإضافية للمناهج الحكومية والتي تركز على أنشطة التربية المدنية.  لا يقتصر اهتمام جمعية الصعيد على أنشطة التعليم الرسمي فقط، لكنها تهتم أيضًا ببرامج محو الأمية للنساء الفقيرات سواء كانت متسربات من التعليم أو اللواتي لم يلتحقن بالتعليم أصلًا مع العمل على توفير فرص تدريبية تؤهلهم لسوق العمل من خلال التدريب في عدد من المراكز التدريبية والورش الحرفية في "أخميم بسوهاج"و"أبو قرقاص بالمنيا"و"حجازة بقنا".  كما يصاحب ذلك حزمة من برامج التوعية الصحية والمهارات الحياتية. كما تتبنى الجمعية برنامج للصحة المدرسية وهو موجه للأطفال والأمهات من خلال التوعية وتقديم التطعيمات والتوعية بالتغذية السليمة  وغيرها من القضايا.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في الجمعيات الكبيرة الأخرى مثل جمعية مصر الخير، والتي تعمل في عدد من المجالات تحت مسمى التكافل الاجتماعي من خلال حزم من التدخلات التنموية التي تسعى للحد من الأمية والفقر والبطالة بالتوسع في المشروعات الصغيرة المولدة للدخل مع الخدمات الصحية، وأيضًا برنامج صحة المواطن من خلال زيادة الوعي الصحي ودعم مقدمي الخدمات الصحية، فضلًا عن تقديم خدمات صحية مباشرة.  وأيضًا برنامج التعليم ومكافحة الأمية.

كما ظهرت في السنوات القليلة الأخيرة مؤسسات تعمل في مجال الصحة تحديدًا وتسعى إلى تبني التعامل مع مشكلات صحية خطيرة، وتعتمد بشكل كبير على التمويل الشعبي مثل مستشفى "57357" ومركز مجدي يعقوب للقلب في أسوان، وقد اتسمت هذه المؤسسات بحرصها على عدد من المعايير التي تجعلها من أفضل الممارسات في مجالها. ومع ذلك فما تقدمه من خدمات هو جزء محدود للغاية مقارنة بالمطلوب.

على الرغم من أهمية الدور الذي تقوم به الجمعيات الأهلية والذي يعوض تراجع دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية، إلا إنه من الملاحظ أن هذا الدور انحسر في نموذج سد الفجوة بشكل أساسي، ولم يتجاوز ذلك على الإطلاق إلى بناء الشراكات المؤسسية أو  السعي للتأثير على سياسات الدولة من أجل تحسين كفاءة أداء الخدمات العامة.  والأمر الثاني أن المعايير المعتبرة في تقييم الخدمات العامة من إتاحة وجودة وسهولة الحصول عليها من قبل الفئات الأضعف في المجتمع والاستدامة لا تتوافر بالضرورة لدى كل مقدمي الخدمات من الجمعيات الأهلية بنفس الدرجة، فهم لا يعملون وفقًا لإطار مؤسسي للمتابعة والتقييم ولكنهم يعملون بشكل فردي ودون تنسيق مع مقدمي الخدمات الحكوميين أو حتى الجمعيات الأهلية الأخرى.  وبالطبع من الصعب أن نتحدث في إطار ذلك عن مساءلة وشفافية.  فتطبيق كل معايير تقديم الخدمات التي تضمن تكافؤ الفرص والوصول لأكثر الفئات استحقاقًا تتطلب منظومة محكمة تنظم حركة كل مقدمي الخدمات سواء حكومة أو قطاع خاص أو جمعيات أهلية .

على الرغم من كل هذا الجهد التنموي المبذول، تظل هناك أسئلة مشروعة عن مردود أو أثر ذلك على المجتمعات المستهدفة.  تعمل كل  الجمعيات الكبيرة السابق الإشارة إليها في الصعيد، بل وبعضها يعمل هناك منذ عدة عقود، ومع ذلك  فمازال الصعيد هو الأكثر فقرًا ومازالت مؤشرات التنمية البشرية فيه متردية  مما يطرح سؤالًا مشروعًا وهو"لماذا لم يؤد الجهد التنموي المبذول  على مر فترات زمنية طويلة في تحسين أحوال الصعيد؟".  تتعدد الأسباب ويأتي على رأسها سبب أساسي  وهو أن الإسهام الأساسي لهذه الجمعيات هو في التعامل الجزئي مع مشكلات الفقر مع الانشغال في معالجة أعراض الفقر أكثر من أسبابه، هذه الأسباب التي تجعل الاشتباك مع سياسات الدولة أمرًا لا مفر منهفعل الرغم من العلاقة الجيدة لغالبية هذه الجمعيات بمؤسسات الدولة، فإنها لم تسع في يوم من الأيام إلى التأثير على السياسات العامة وما يرتبط بها من تخصيص الموارد، وليس معروفًا سبب ذلك: هل هو غياب الرؤية لديها عن العلاقة  بين سياسات تخصيص الموارد  وزيادة معدلات الفقر وتردي الخدمات العامة في هذه المناطق أم تجنب الدخول في حوار مع الدولة يؤدي إلى إفساد العلاقات والخوف من أن يترتب على ذلك قيود على عمل الجمعيات.  الأمر الثاني يرتبط  بعدم حرص هذه الجمعيات على تنظيم المجتمعات المحلية حول مصالحها الاقتصادية والاجتماعية،  بمعنى هل استطاعت هذه الجمعيات أن تعمل مع الناس من منظور حقوقي يمكنهم من تنظيم أنفسهم في روابط أو جمعيات أو نقابات من أجل الدفاع عن مصالحهم.  وهذا الأمر يطرح تحديًّا مهمًا وهو رؤية الجمعيات محل التركيز للمستفيدين هل هم مجردمتلقين للخدمة أم شركاء في إدارة حياتهم ومجتمعاتهم. وبالطبع لا يمكن تجاهل الافتقار للتنسيق والتعاون بين هذه الجمعيات، فكل جمعية تعمل بمفردها مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تكرار الجهود وعدم تكاملها.

وفي النهاية لابد من استخلاص نتيجة مهمة وهي أنه لا يمكن للجمعيات الأهلية أن تكون بديلًا للدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية، فهي مسئولية أساسية للدولة تجاه مواطنيها والنجاح في تقديم خدمات جيدة أحد مصادر شرعية أي نظام سياسي،  وأن مساهمة القطاع الأهلي في هذا الشأن لابد أن تكون من خلال شراكة مع مؤسسات الدولة من أجل تحسين أداء الخدمات وضمان الكفاءة والفاعلية والمساءلة والشفافية وليس مجرد سد الفجوة.

طباعة