عروض

تحولات مستمرة: تيار المعتدلين والصراعات السياسية في حقبة روحاني كراسات إستراتيجية - عرض العدد 272

شروق صابر * 3393 21-5-2017
طباعة

تشير الصراعات السياسية التي تشهدها إيران خلال الفترة الحالية إلى أنها مقبلة على مرحلة صعبة، خاصة في ظل تحول بعض قضايا السياسة الخارجية إلى محور رئيسي لهذه الصراعات، فضلا عن استمرار الجدل حول من سيخلف المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي في منصبه دون أن تكون هناك إجابة واضحة للتساؤلات العديدة المطروحة في هذا السياق. ومن دون شك، فإن كل ذلك سوف يؤثر بشكل ما ليس فقط على التوازنات السياسية بين القوى المختلفة، وفي مقدمتها تيار المعتدلين، وإنما أيضاً على مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل عام.

ومن هنا تكمن أهمية هذه الدراسة التي أعدها الأستاذ محمد عباس ناجي رئيس تحرير دورية "مختارات إيرانية" بالمركز. إذ أنها تركز في المقام الأول على تأثير التحولات المستمرة في التوازنات السياسية بين القوى المختلفة على تيار المعتدلين، الذي يضم بعض قوى تيار الإصلاحيين إلى جانب الجناح التقليدي من تيار المحافظين، وانطلقت من أن الأزمة السياسية التي شهدتها إيران بعد إجراء الانتخابات الرئاسية في يونيو 2009، مثلت متغيراً مهماً ساهم في إجراء تغيير في خريطة القوى السياسية، وبالأخص داخل تيار الإصلاحيين، حيث مر هذا التيار منذ عام 2009 وحتى الآن، بثلاثة مراحل رئيسية هي: مرحلة الانقسام بين أجنحة سياسية مختلفة، ومرحلة التحالف مع المحافظين التقليديين في إطار تيار المعتدلين، ومرحلة الصراع مع المحافظين الأصوليين.

وخلال تلك المراحل، حاول هذا التيار العودة من جديد إلى السلطة والحفاظ على وجوده فيها، لكن الجهود التي بذلها في هذا السياق واجهت عقبات عديدة من جانب القيادة العليا في النظام ممثلة في المرشد الأعلى علي خامنئى، فضلاً عن بعض المؤسسات النافذة، على غرار الحرس الثوري إلى جانب تيار المحافظين الأصوليين، وهى الأطراف التي سعت إلى منع سيطرة تيار المعتدلين على معظم مؤسسات صنع القرار.

 ومن هنا استغلت تلك الأطراف الصعوبات التي تحول دون حصول إيران على عوائد اقتصادية كبيرة من الوصول للاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية المفروضة عليها إلى جانب التصعيد المستمر من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، من أجل إضفاء وجاهة وزخم خاص على انتقاداتها للاتفاق ورؤيتها التي تقوم على أنه لا يمكن التعويل على إمكانية تغير السياسة الأمريكية تجاه إيران حتى بعد الاتفاق النووي، أو على احتمال تنفيذ واشنطن لالتزاماتها في الاتفاق، بدليل التعليمات التي أصدرها ترامب بإجراء عملية مراجعة للاتفاق في غضون ثلاثة أشهر.

وقد أدت الجهود التي بذلها المحافظون الأصوليون إلى تمكين كوادرهم من السيطرة على رئاسة مجلس الشورى ومجلس الخبراء حيث فاز على لاريجاني برئاسة الأول وفاز أحمد جنتي برئاسة الثاني، وهو ما يطرح دلالة مهمة تتمثل في أن هذا التيار، بدعم من جانب المرشد على خامنئى، سعى إلى منع سيطرة المعتدلين على رئاسة الدورة الحالية لمجلس الخبراء التي تمتد لثمانى سنوات، بشكل يزيد من احتمالات أن تشهد اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية، بما يعني أن هناك رغبة من جانب النظام في أن يكون خليفة خامنئى من تيار الأصوليين الأكثر تشدداً في التعامل مع التحديات الخارجية.

وعلى ضوء ذلك، تحول الاتفاق النووي إلى محور الرئيسي للصراع بين القوى السياسية المختلفة خلال فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية، حيث سعى تيار المعتدلين إلى تأكيد أهمية تولي الرئيس روحاني فترة رئاسية جديدة لاستكمال ما بدأه في الفترة الأولى، في حين حاول تيار المحافظين إضفاء وجاهة خاصة على أهمية تغيير السياسة التي تبنتها إيران في الأعوام الأربعة الأخيرة، والتي أنتجت، في رؤيته، تداعيات سلبية عديدة عليها.

 ومن دون شك، فإن نتائج الانتخابات الرئاسية سوف تفرض تداعيات مباشرة على التوازنات السياسية الإيرانية بشكل عام وعلى موقع تيار المعتدلين داخل تلك التوازنات بصفة خاصة. ففي حال فوز روحاني في الانتخابات فإنه ربما تكون لديه فرصة أكبر خلال فترة الرئاسة الثانية في فتح الملفات التي تحظى باهتمام خاص من جانب تيار المعتدلين على أساس أنه كان حريصاً على عدم تصعيد حدة التوتر مع قيادة النظام خلال فترته الرئاسية الأولى لضمان عدم معارضتها تجديد ولايته الرئاسية، بشكل دفعه إلى عدم التركيز على تلك الملفات في الأعوام الأربعة الماضية.

أما في حالة فوز مرشح تيار المحافظين الأصوليين، فإن ذلك معناه تكريس سيطرة الجناح المتشدد داخل التيار الذي يسعى إلى إقصاء تيار المعتدلين نهائياً من السلطة وسوف يتبنى سياسة متشددة إزاء البرامج السياسية والاقتصادية لحكومة روحانى ويسعى بشكل حثيث إلى تعزيز فرص أحد مرشحيه لتولي منصب المرشد في مرحلة ما بعد غياب المرشد الأعلى الحالي علي خامنئى.

وبعبارة أخرى، يمكن القول إن تلك الانتخابات الرئاسية القادمة سوف تكون مؤشراً لمدى استيعاب النظام الإيراني لمجمل التحديات التي يواجهها في الفترة الحالية، خاصة أنها سوف تكشف إلى حد كبير إلى أى مسار سوف يتجه: إلى مسار التصعيد الداخلي والخارجي، بكل ما يفرضه ذلك من تكريس لسيطرة المحافظين الأصوليين وإقصاء للمعتدلين من جديد على غرار ما حدث مع الإصلاحيين من قبل، والعودة إلى مرحلة العزلة والعقوبات الدولية. أم إلى مسار التهدئة والتوافق، بكل ما يمكن أن ينتجه من الحفاظ على وجود المعتدلين في السلطة وإعادة إدماج المهمشين سياسياً داخل النظام من جديد، وتحسين العلاقات مع دول الجوار وتقليص محاور الخلاف والصراع مع القوى الدولية.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية